ذكرى وفاة الأستاذ محمد الطاهر فضلاء

المدافع عن مبادئ و أفكار جمعية العلماء

 

بقلم :أ/ الأخضر رحموني 

 

من منا من لا يعرف الأستاذ محمد الطاهر فضلاء أحد تلامذة الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس ،و الذي بقي وفيا لمبادئ و أفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ،و كان يتنقل بين المدن محاضرا و معقبا  للتعريف بأعمالها الجليلة و مسيرة رموزها الخالدة ..رأيته لأول مرة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بمدينة قسنطينة ،و قد جاءها للمشاركة في ندوة فكرية  بمناسبة يوم العلم المخلدة لذكرى وفاة الشيخ ابن باديس يوم 16 أفريل 1940 ،ثم عرفته بمدينة بسكرة خلال المهرجان الشعري محمد العيد آل خليفة ،و هو الذي كان العضو النشيط و البارز في اللجنة الأدبية التي قامت بجمع و طبع ديوان الشاعر في حياته بمبادرة من وزير التربية آنذاك الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. كما كان مشاركا دائما في فعاليات الأيام العلمية المخلدة لذكرى وفاة الشيخ الطيب العقبي ،الأولى المنعقدة بمسجد عقبة بن نافع بمدينة سيدي عقبة من ولاية بسكرة ،و الثانية بدار الثقافة أحمد رضا حوحو تحت إدارة الأستاذ حمزة بلحاج صالح .

كما جاءها يوم تشييع الشيخ محمد خير الدين، و ألقى بالمناسبة القصيدة التي كتبها الشاعر الشيخ أحمد سحنون في توديع أستاذه بعد الكلمة التأبينية التي ألقيت من طرف الشيخ علي مغربي ، و كانت الجموع تطالبه بإعادة بعض الأبيات الشعرية لتأثرهم العميق بمحتواها و بقوة الإلقاء ، و أذكر أنه سلمني القصيدة بخط الشاعر من أجل تصوير نسخة منها  ،و هو يردد على مسامعي (حافظ على هذه الأمانة الغالية ،إنها من تراث جمعية العلماء  ) ،و سلمته بدوري صورة كنت قد التقطتها  له في ملتقى الشيخ الطيب العقبي ،و قد أعجب بها شاكرا هذا الجميل قائلا ( ستراها مثبتة في أحد كتبي القادمة).

و من خلال قراءاتي لما كان ينشره في الصحافة ،و الاتصالات به يمكن القول أن  الأستاذ محمد الطاهر فضلاء شخصية ثقافية و إصلاحية و فنية ،كان يجذب المستمع إليه بصوته الجهوري القوي ،و بلغته العربية الفصيحة السليمة ،و بإشارة يديه التي تعلمها من فنون المسرح الذي سكن وجدانه ،حتى أصبح الهواء الذي يتنفسه ،و من خلاله دافع عن المقومات الحضارية للأمة الجزائرية .و سخر حياته للنضال في الميدان الفني حيث يعتبر رائد المسرح الجزائري باللغة العربية .

لا يخشى في قول كلمة الحق لومة لائم ،حتى و إن كان من بين المقربين من توجهاته الفكرية و السياسية ، كالأستاذ أحمد توفيق المدني الذي قام بالرد على مذكراته في كتابه ( حياة كفاح ) بكتاب مماثل اختار له عنوان ( التحريف و التزييف في كتاب حياة كفاح ) ،و تتبعنا فصول المعركة التاريخية بينهما على صفحات الجرائد الوطنية لتلك الفترة .أو الشاعر عمر البرناوي الذي انبرى للرد عليه في سلسة من المقالات الجريئة  بأسبوعية – الشروق الثقافي – حول مواقف الشيخ الطيب العقبي ،أو حتى الدكتور أبي القاسم سعد الله بجريدة الشعب .

كما كان من المشجعين للمواهب المبدعة من خلال برنامجه الأسبوعي الإذاعي ( مسرح الهواة ) ،و هو برنامج للتربية و التكوين المسرحي، و كنا نتابع فقراته المتنوعة مساء كل يوم اثنين . كان لا يبخل على أحد بوثيقة يطلبها لإثراء دراسة ،خاصة الباحثين الجادين منهم ، فقد كان يفتح مكتبته الخاصة لهم ،و يزودهم بما يحتاجون إليه ،فهو الذي وفر أعدادا من جريدة ( الإصلاح) للشيخ الطيب العقبي الى الدكتور كمال عجالي عند إعداده رسالته الجامعية ،كما أرسل بنسخ من مجلة ( هنا الجزائر) الى الصديق الأستاذ أحمد بن السائح ليرسلها بدوره الى الدكتور أبي القاسم سعد الله بطلب منه يوم كان يقوم بإعداد موسوعته ( تاريخ الجزائر الثقافي ) .

كما امتاز بالوفاء لشيوخه،فرغم تقدمه في السن وعلامات المرض الذي لازمه أبى إلا الحضور في الملتقى الدولي الأول المخصص للشيخ محمد البشير الإبراهيمي  المنظم في قصر الثقافة بالجزائر العاصمة في سنة 2005 .دون نسيان أنه أطلق اسم (باديس) على ابنه البكر- و هو مسرحي و حافظ تراث والده بعد وفاته – تيمنا بأستاذه الشيخ ابن باديس .

 

المولد و الدراسة :

 

الأستاذ محمد الطاهر فضلاء بن محمد السعيد البهلولي الورتيلاني من آل البهاليل أولاد سيدي يدير او الحاج شرفاء منطقة القبائل  من مواليد  قرية ( تنبدار ) التي تتربع في وسطها زاوية سيدي موسى الوغليسي في بني وغليس دائرة سيدي عيش من ولاية بجاية  في 15 جمادي الثانية 1336ه الموافق ل 30 مارس 1918 م.

حفظ القرآن الكريم على يد والده الشيخ السعيد أبهلول في زاوية سيدي موسى الذي كان مدرسا بها .

كما أخذ عنه المبادئ العلمية من فقه و نحو و صرف و عقائد .

في سنة 1935 سافر الى مدينة قسنطينة و انضم الى طلبة الجامع الأخضر ليتزود من معين  الشيخ عبد الحميد بن باديس بالإضافة الى الشيخ الجيلالي الفارسي و الشيخ بلقاسم الزغداني و غيرهم .

كما تتلمذ في مدرسة التربية و التعليم بقسنطينة  التي أخذ منها طريقة التدريس و التدرب على الخطابة و الإلقاء بتشجيع من أستاذه الشيخ الفضيل الورتيلاني .

و قد مكث في قسنطينة مدة ثلاث سنوات .

و منها انطلق يعلم بمدارس جمعية العلماء الحرة فعلم بعدة مدارس بالعاصمة منها:

 – مدرسة (الهداية) بحي العناصرالتي أسستها الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء بتأثير من الداعية الشيخ الطيب العقبي لمدة 06 أشهر . 

و مدرسة (النصيحة ) بحسين داي لأكثر من سنة ، أنشأ خلالها  فرقة رياضية باسم ( النصر ) و فرقة ( المنى ) للكشافة الإسلامية الجزائرية .

 و مدرسة (الشباب) بأربعاء سيدي موسى  ، و مدرسة (الصادقية) بالمدنية .

 

الابتلاءات التي عرفها :

 

 لم يسلم مترجمنا من مضايقات الاستعمار الفرنسي التي تعددت أزمنتها و أوجهها .

ففي المرة الأولى اعتقل يوم 9 ماي 1945 بسجن الحراش ،ثم نقل الى وهران  ليبقي مدة شهر في معتقل بوخامية ، و لم يطلق سراحه إلا في سنة 1946 .

و اعتقل ثانية في 04 يناير 1959 مدة شهرين ،ثم سجن في معتقل برباروس ومنه الى معتقل بني مسوس الى أن أفرج عنه في صيف سنة 1961 .

 

التوجه نحو المسرح :

 

تحول الاستاذ محمد الطاهر فضلاء الى الكتابة المسرحية ،و شكلسنة 1943  فرقة أطلق عليها اسم ( هواة المسرح العربي الجزائري ) ساهم بها في نشر الثقافة العربية عن طريق تمثيل عدة مسرحيات وطنية و تاريخية منها : الصحراء- صلاح الدين – عنتر- بطل قريش- راسيوتين – ليلى بنت الكرامة – الدكتور كمال – زوجة من السماء – دموع الفقراء – الشاعر البطل  و غيرها .هذا التوجه نحو التعامل مع النص المسرحي  باللغة العربية أدى به الى مواجهة بعض الضغوطات و الصراعات مع الجانب المناوئ له .

و انتسب الى القسم العربي للإذاعة الفرنسية ،و بفضل تواجده المميز على موجات الأثير فإنه خدم بذلك الجهد المتنوع قضايا الإسلام و اللغة العربية و دافع دون هوادة عن تثبيت عناصر الهوية بما يبثه في الناشئة من حماس وطني فياض . 

و بتشجيع من الأستاذ يوسف وهبي – مدير الفرقة المصرية الحديثة سنة 1954 – الذي كان يسعى لاستقبال نخبة من الشباب المسرحي الجزائري و إلحاقهم بمعهد التمثيل العالي بالقاهرة ،سافر الأستاذ محمد الطاهر فضلاء رفقة محمد كشرود و الباهي فضلاء و نظيرة فضلاء – زوجته – سنة 1954 الى مصر و انضم الى فرقة يوسف وهبي، فأخذ عن أعضاء فرقته سلامة الإلقاء وحسن الأداء .

 و ألف عدة روايات بالعربية ،و التي ترجم بعضها الى اللغة الدارجة المهذبة ،كما اقتبس العديد من المسرحيات منها ( دكان الأخلاق ) عن رواية (أرض النفاق )  للكاتب المصري يوسف السباعي  ،و مثلها في عدة مسارح جزائرية ،و نالت إعجاب الجمهور، و كانت محل تقدير الجميع . 

كما  قدم نماذج من أعماله في مصر و ليبيا و المغرب و لندن و باريس .

 

كتاباته :

 

نشر الأستاذ محمد الطاهر فضلاء  عدة محاضرات في مختلف المواضيع ،و في ميادين متنوعة في الصحف و المجلات الجزائرية مثل:البصائر في سلسلتها الثانية و الثالثة – الإصلاح – المنار – مجلة هنا الجزائر .

الصحف التونسية : النهضة- الأسبوع – الزهرة- مجلة الكشافة . 

الصحف المصرية مثل: مجلة الهلال – مجلة الفن – الأهرام – الأخبار

مجلة حضارة الإسلام  – مجلة الموقف الأدبي السورية .

مجلة هنا لندن و مجلة المستمع العربي الإذاعيتين في لندن. 

صوت أمريكا الإذاعية في نيويورك 

مجلة العرب بباريس 

و جرائد و مجلات في العقود الأخيرة كالشعب و النصر و الجمهورية  و مجلة الثقافة .

 

نشاطه بعد الاستقلال :

 

من أهم نشاطاته العمل ضمن لجنة الأقدمية في وزارة التربية مع الشيخ عبد الرحمان شيبان من أجل تسوية الوضعية الإدارية و المالية للمعلمين الأحرار .

و لما أدمج المعلمون الأحرار في إطار التوظيف العمومي عين أستاذا بالتعليم الثانوي في الثانوية التقنية بساحة أول ماي بالعاصمة  .

انتدب الى وزارة الإعلام و الثقافة للإشراف على إدارة قاعة ابن خلدون بالعاصمة  مدة ثلاث سنوات .

عين بمرسوم رئاسي حافظا للمكتبة المركزية بقصر الحكومة من جانفي سنة 1974 الى آخر سنة 1988 و هي سنة إحالته على التقاعد .

 

أعماله المطبوعة :

 

ألف الأستاذ محمد الطاهر فضلاء  كتبا و روايات كثيرة تدور مواضيعها حول النهضة الوطنية، و تصب في خدمة الإصلاح ،و الإشادة بأعمال رجاله البارزين منها : 

– كتاب ( قال الشيخ الرئيس الإمام عبد الحميد بن باديس )/ مطبعة البعث بقسنطينة عام 1968 . 

– كتاب ( الإمام الرائد محمد البشير الإبراهيمي في ذكراه الأولى عام 1966) / مطبعة البعث بقسنطينة عام 1967 

– كتاب ( الشيخ الطيب العقبي رائدا  لحركة الإصلاح الديني بالجزائر ) / المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية –الجزائر -عام 1985 .

– كتاب (دعائم النهضة الوطنية الجزائرية :الإصلاح الديني – التعليم الديني – جمعية العلماء ) / مطبعة البعث بقسنطينة عام 1984 

– مسرحية تذكارية ( الإمام عبد الحميد بن باديس و أوثان الاستعمار ) /المكتبة العصرية للأنصاري بيروت لبنان عام 1975

– كتاب (التحريف و التزييف في كتاب حياة كفاح ) مطبعة البعث بقسنطينة عام 1982 .

– كتاب (المسرح تاريخا و نضالا – جزآن- )/ دار هومة – الجزائر – عام 2000 .

-كتاب ( الشيخ محمد خير الدين : آثاره و مآثره) / دار هومة – الجزائر –عام 2000 .

– ديوان ( السحر الحلال ) / دار هومة – الجزائر –عام 2006 .

كتاب ( الشيخ السعيد أبهلول الورتلاني في مجموعة من رسائله و مجالسه و فتاويه ) / دار هومة –الجزائر –عام 2004 .

  • كتاب ( مقامات في مقالات ) جمع و تصحيح باديس فضلاء / دار هومة – الجزائر – علم 2018 . 

التكريمات:

 

تولى الأستاذ محمد الطاهر فضلاء مناصب علمية و ثقافية كثيرة منها :

– العضوية في اتحاد الكتاب الجزائريين .

– الأمين العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد عودتها لنشاطها في عهد الشيخ احمد حماني .

– منحته وزارة المجاهدين وسام تقدير المقاوم .

 – تسلم شهادة تقدير من رئيس الجمهورية الأسبق الشاذلي بن جديد في أول نوفمبر 1987 .

– تم تكريمه من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة  في يوم الفنان بوهران في 05/06/2000 .

– كرمته جمعية الجاحظية برئاسة الروائي الطاهر وطار في 17/02/2000 .

 

وفاته:

 

توفي يوم الثلاثاء 12 جمادي الثانية 1426 الموافق ل 19 جويلية 2005. و دفن في اليوم الموالي بمقبرة سيدي امحمد بالعاصمة . و قد قام بأداء صلاة الجنازة عليه الشيخ الفقيه محمد شارف ( إمام و خطيب الجامع الكبير سابقا)، و ابنه الشيخ عمار مطاطلة – النائب الاول لرئيس جمعية العلماء، والذي تشرف بالتتلمذ معه على الشيخ ابن باديس ، ثم تلاه وزير الشؤون الدينية و الأوقاف الأسبق الدكتور أبو عبد الله غلام الله بكلمة عرفت بجهوده الإصلاحية و التربوية  .

 

قالوا عنه :

 

خلد الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة الأستاذ محمد الطاهر فضلاء في أبيات شعرية بعنوان ( مراحل ديواني ) ، تقديرا للجهود التي بذلها في طبع ديوان الشاعر الصادر سنة 1967 عن وزارة التربية ، وهي مؤرخة في 07 سبتمبر 1967 جاء فيها :

مراحل ديواني قطعت صعابها 

يؤازرني أنصاري الشرفاء

أراك بها تبدي النشاط مضاعفا

شعارك فيها عزمة و مضاء

تمثل جمعا من ذوي الفضل طاهرا

و هل أنت إلا طاهر الفضلاء .

* قال عنه الشيخ عبد الحميد بن باديس نقلا عن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : تلميذ ناشئ لكنه يتوقد غيرة على اللغة العربية و آدابها و لئن داوم على الدراسة ليكونن منه خير كبير .

* شهادة العلامة محمد البشير الإبراهيمي جاء فيها : ( ظهر لي في الأستاذ محمد الطاهر فضلاء ما ظهر للإمام المبرور، فقذفت به في خضم حركة المدارس، معلما ومنظما ومديرا ومؤسسا، وما استكفيته في عمل من أمر التعليم أو الإدارة إلا كفاني، وبرز على أقرانه في الدعاية للعربية بقوله وفعله).

 

* شهادة الشيخ عبد الرحمن شيبان:  يكتب  الأستاذ محمد الطاهر فضلاء من منطلق مبادئ تشربتها روحه، وارتضاها عقله، واطمأن إليها قلبه، فلا مماراة عنده ولا مجاملة، فيما يراه حقا أو باطلا، وهو في ذلك صارم حتى مع نفسه، بحيث أنه مستعد لمخاصمة قلبه نفسه، لو رآه تجنى وانحرف، وقد سجل ذلك شعرا في ديوانه ”السحر الحلال” إذ يقول:
”إن قلبي وهو قلبي لو تجنى.. ما صحبته”

 

* مدحه صديقه الشاعر أحمد الطيب معاش شعرا فقال :

يا فاضلا ‮(‬تعريفه‮)‬ فضلاء
* بالجمع.. وهو الاسم بل أسماء
* أكرم به في عالم متأدب
* لا يعتريه الزهو والخُيلاء
* أحبب به من حاتم متواضع
* أوصافه الإكرام والإطراء
* سل عنه أوراقا ترص بمكتب
* فكأنها الأجناد وهو لواء
* وعلى الهواء يزف مسرحه إلى
* كل الهواة فيستجيب هواء
* إن حقق التمثيل فضلا عندنا
* فالفضل جاء به لنا فضلاء

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك