ربيع تونس يبعثر ياسمينه.. فمن المستفيد

عناء‌

صالح عوض

تونس كانت أول من أزهر ربيعه ياسمينا تنسمته شعوب العرب فكاد أن يؤتي أكله لولا تدخلات أجنبية صرفته عن وجهته، لقد صمد ربيع تونس إلا انه في ذكرى اندلاعه العاشرة يشهد مظاهرات منذ عدة أيام أطراف الليل وأطراف النهار.. احتجاجات خرجت عن إطارها السلمي أحيانا ومشحونة بخيبة أمل وغضب لا يستثني أحدا، حرائق ومصادمات وعنف، الرئيس يناشد بالا تستغل في ما لا يحمد عقباه ورئيس الوزراء يمنحها الشرعية ولكن دون أن تتحول إلى عنف، واليساريون والعلمانيون يرحبون بها، والإسلاميون يتوجسون خطرا منها..  مظاهرات بلا شعارات سياسية محددة، تغطيها وسائل إعلام إماراتية وفرنسية بكثافة.. تونس أول محطات ” الربيع العربي “ وهي ما تبقى منه أيضا، ولقد طاب للبعض أن يسميها ثورة الياسمين لسلميتها ولسلاسة تحولها إلى دولة ديمقراطية تواجه هذه الأثناء عاصفة تكاد تقتلع تجربتها تماما من الواقع. 

أحداث مريبة:

احتجاجات ومواجهات بين شباب والشرطة في عدة مناطق من البلاد، تجاوزت ما عرف عن التظاهر في تونس، إذ عمدت إلى التوسع ليلا، وتدمير أبواب المحلات التجارية، والتعرض للمنشآت واستخدام أدوات عنف الأمر الذي استدعى الجيش الى النزول للشوارع وتحرك قوى الشرطة والأمن في أرجاء الوطن التونسي، في حالة من الإستغراب والاستهجان لشمولها معظم المناطق وبكثافة بالغة واجهتها الأجهزة الأمنية باعتقالات زادت عن ألف شخص، كثير منهم صبية لا يتجاوز أعمارهم السادسة عشر.

قبل اندلاع هذه المواجهات بأيام قليلة كانت الإشاعات تملأ البلاد بأن هناك انفجارا شعبيا سيحصل وان المظاهرات ستكون عنيفة وتشمل الوطن كله.. وجاءت حادثة الراعي و إهانة الشرطي له شرارة انطلاق الأحداث حيث تحرك سيل التواصل الاجتماعي محرضا وداعيا للانتفاضة انتصارا للراعي.. ورغم محاولة والي المدينة لاستيعاب الحدث بتعويض الراعي، ونقل الشرطي من موقع خدمته إلا أن الاحتجاجات انتشرت كالنار في الهشيم، وعمت عدة ولايات أخرى “المنستير سوسة والقيروان” وخاصة أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة تونس (حي التضامن، التحرير، الملاسين، الكرم، سيدي حسين، ابن خلدون”.. وقد ترافقت الاحتجاجات بمواجهات ليلية عنيفة صحبها خلع للمؤسسات الاقتصادية العمومية وبعض الإدارات.. ولعل اتساع الأحداث وعنفها وتواصلها يشير إلى ان في الأمر تبيت مسبق ولم تكن قضية الراعي إلا الشرارة للحراك الواسع لان لا أحد ولا حزب قادر على تحريك عشرات بؤر الاحتجاج بنفس الصيغة وفي نفس الوقت.. ومن الواضح ان هناك لغة تتفلت في الشارع تكشف عن القوى المرحبة بالحراك المنتشر بل لعل المؤسسات التنفيذية والأحزاب العلمانية واليسارية جميعا كانت من المرحبين فيما ذهب البعض الى الحديث عن ضرورة توفر السلمية في المشهد وان لا يلجأ المحتجون إلى العنف.. ولقد وجه رئيس الوزراء في المناسبة كلاما نقديا واضحا للمسار الذي سارت فيه الحكومات السابقة منذ انتصار الثورة.. والذي يلفت الانتباه المسايرة لحظة بلحظة من قبل وسائل الإعلام الفرنسية فرنسا24 والإماراتية سكاي نيوز والحدث والعربية..هذا وقد انطلق اليسار والأحزاب القومية في مسيرات نهارية تدعم الاحتجاجات الليلية وتعتبرها تصحيحا للثورة.. ولعل الكلام يتجه الآن لحل البرلمان والأحزاب لاسيما بعد زيارة الرئيس التونسي لأحد الأحياء الفقيرة .. وهذا ما يريده قيس سعيد في برنامجه الديمقراطية التشاركية أي من القاعدة إلي الهرم ولقد كشفت الفترة السابقة عن حنقه على البرلمان والتجاذب فيه ودفع بمرشح لرئاسة الوزراء  من خارج التشكيلات الحزبية.. فيما اعتبرت النهضة ان هذا ضرب لمسار الثورة وان المحتجبن إنما هم مجرد مخربون.

تحديات أمام الثورة:

 لابد من قراءة ما يحصل الآن من سياق الأحداث والحراك الحزبي في ظل الصراع لتحديد وجهة السياسة والانتماء في تونس التي تعرضت لعملية نهب لثرواتها ولخزينتها على مدار عقود من الزمن.. فلقد كشف مسئول تونسي مختص بمتابعة الأموال المنهوبة ان الأموال المجمدة في البنوك الأوربية والتي حولها الرئيس الأسبق بن علي تزيد عن أربعمائة مليار دولار ولم تستطع تونس استعادتها.. الأمر الذي القى بثقله على الاقتصاد التونسي المكبل بسلسلة قوانين منذ عهد بورقيبة ترهن ثروات تونس للدولة الفرنسية.. فعلى الصعيد الاقتصادي تعيش البلاد تراكما من المآسي والبطالة والفقر إلا أن البلاد شهدت في العشر سنوات الأخيرة نماء للممارسة الديمقراطية والتناوب السلمي على السلطة وشهدت تونس أنظف انتخابات على المستوى الدولي.. وكان لهذا المنجز أهمية قصوى في تحقيق قوة المؤسسة التونسية فيما لو تركت لها الفرصة على التحرك في المجلات المتعددة وهذا يعني نجاح تجربة عربية انطلقت من الشارع الأمر الذي سيرتقي بها الى موقع النموذج.. فتحركت الدولة الاستعمارية من خلال امتداداتها والإمارات من خلال امتداداتها لتخريب التجربة وإرهاقها لإعادة تشكيلها وتشكيل مؤسساتها بما ينسجم مع مصالح المتطلعين لإلحاقها بمشاريعهم. وذلك من خلال دعم ظواهر غريبة في البرلمان وفي أحزاب فسيفسائية وإعلاميين مغمورين وبرفد ذلك كله بوسائل إعلام تتحرك بكثافة لإشاعة جو التوتر والتشكيك.

هل هو انقلاب على الثورة أم على مكوناتها؟ لاسيما حركة النهضة التي حاولت التخلص من كثير من شعاراتها استجابة لاشتراطات القبول الإقليمي والدولي؟ فلقد قدمت النهضة تنازلات جوهرية تمس الخط السياسي وحتى الأيديولوجي وانسحبت من مواقع حساسة في الدولة حتى تطمئن أصدقاء فرنسا واللائكين جملة..إلا ان هذا لم يشفع لها و تكاثفت جهود خصوم “الربيع العربي” ضدها، وكان القرار الفرنسي يقضي بأن لا يحدث أي تغيير جوهري في سياسات الدولة التونسية أو في طبيعتها..وفي هذا حرق العلمانيون شروط الديمقراطية في ظل تصفيق دولي لهم.

 موازين القوى:

في تونس2011  وبعد رحيل الرئيس بن علي للعربية السعودية كانت أغلب استطلاعات الرأي تؤكد غلبة النهضة في أي عملية انتخابات قادمة مستفيدة من تاريخها الطويل في المعارضة ولحجم ما قدمته من تضحيات فلقد حققت فوزا مذهلا في الانتخابات المتوالية رغم ان الدستور وضع بعناية من قبل خصوم النهضة حتى لا تتغول وتنفرد بالحكم. 

حازت النهضة على المرتبة الأولى إلا أن  طريقة التوزع في النتائج حسب الدستور لا تسمح لأحد الحكم وحده لذا تحالفت مع المؤتمر والتكتل وشكلت الحكومة برئاسة النهضة وان يكون رئيس الجمهورية لحزب المؤتمر المرزوقي ورئاسة البرلمان للتكتل مصطفي بن جعفر.

 شهدت البلاد توترات وبروز حالات من التطرف المسلح وإحداث أمنية هزت استقرار البلد بارتباطها مع العنف في ليبيا وخطورة تمدد هذا العنف الإرهابي إلى جوار تونس وأصبح من الواضح ان هناك عوامل متنوعة وبعناوين متناقضة من أقصى اليسار والعلمانية إلى أقصى التطرف الإرهابي لإسقاط التجربة التونسية الوليدة .

دخلت حركة النهضة الانتخابات أكتوبر 2019 في سياقات صعبة لكن واتتها الظروف المناسبة ممثلة بغياب قوى وازنة ولها مصداقية فيما النداء الخصم او الحليف الكبير قد تفكك لسبعة أحزاب ميكروسكوبية وخصومها من الأحزاب ليست لهم قواعد شعبية كما للنهضة رغم ان أعداد منتخبيها تراجع كثيرا عن الانتخابات الأولى.

ظهر حزب رجل الأعمال ومالك قناة نسمة نبيل القروي بحزب سماه قلب تونس.. جاء في المرتبة الثانية بعد النهضة ثم حزب التيار الديمقراطي ميول يسارية اجتماعية ثم ائتلاف الكرامة قريب من النهضة ثم حزب حركة الشعب حزب قومي ناصري فيما تبخرت كل أطياف اليسار..مقعد وحيد لحزب “الوطد” الوطنيين الديمقراطيين .. نفس الشيء يتكرر لا يستطيع احد من الأحزاب ان يحكم بمفرده

 فرنسا و العلمانية:

كان من العبث إخراج النهضة تماما من مواقع حساسة في المشهد لأسباب ذاتية وموضوعية فاقتضى الأمر إخراجها على دفعات وانتزاع مواقف منها إيديولوجية وسياسية مهمة للغاية تعزلها عن حاضنتها الشعبية إن أمكن.

فكان ان دعت باريس الغنوشي والباجي قايد السبسي الى لقاء بباريس حيث توصلا لتفاهمات عميقة لتقاسم مواقع السلطة.. تزعم الباجي قائد السبسي المعارضة وأسس حزب نداء تونس على عجل لملء فراغ سياسي كبير ولإحداث توازن مع النهضة فجمع بقايا النظام السابق واليسار والنقابيين ودخل الانتخابات في ٢٠١٤ وحصل على الأغلبية وتلته النهضة وبعدها اليسار والقوميون.. اتجه الباجي الى التحالف مع النهضة، خصوم الأمس حلفاء اليوم ولكن بأقل مشاركة للنهضة التي أدركت ان الظرف الإقليمي والدولي لا يسمح لها بتصدر المشهد السياسي لاسيما بعد الذي حصل بمصر وإسقاط مرسي فكان لابد من الانحناء للعاصفة رئيس البرلمان من النداء ورئيس الجمهورية من النداء ورئيس الحكومة من النداء ولقد اكتفت النهضة بالمشاركة بوزيرين فقط.. لكن بما أن النداء مكون من اتجاهات عدة ومشارب سياسية وفكرية متنوعة وروافد مختلفة بدأ في التفكك والصراع الداخلي   فزاد تشرذما وتتالت الانشقاقات فيه وتوزعت الي فتات مما أثر على سير دواليب الدولة وتأزم الوضع من جديد بمعنى ان جبهة أخرى سقطت أمام تماسك النهضة.

شهد البرلمان التونسي سجالاً عنيفاً بين توجهات مختلفة صرفت الوقت في مناقشة السياسات الخارجية لتكتشف الدولة التونسية أنها بلا وجهة محددة وفي غياب عقيدة سياسية للدولة بل وصل الأمر بعدم قدرة البرلمان من التقدم بطلب من الفرنسيين للاعتذار لتونس عن استعمارهم لها، كما لم يستطع احد طرح المسائل المرتبطة بمنتوجات تونس المقيدة باتفاقيات قديمة مع فرنسا حيث لا تسمح فرنسا لتونس بالتعامل مع أسواق أخرى.. ويتجلى التدخل الفرنسي في تشكيل الحكومة كما يؤكد بعض التونسيين ان الفرنسيين يصرون على ان يتم تشكيل وزارة الثقافة دوما تحت أعينهم حيث لا يترأسها إلا من ترضى عنه فرنسا.

الانهيار الاقتصادي:

المعارضة التونسية وفي طليعتها حركة النهضة عاشت بكوادرها الأساسيين عشرات السنين في السجون أو في المهجر وقبل ذلك كانت طلائع النهضة من جيل الشباب منهمكة في العمل النقابي في الجامعات التونسية فكان تكوينهم يعتمد على الخطاب والشعار والتحشيد والموقف المعارض والثبات عليه.. إلا أنها بعد سقوط النظام وجدت نفسها أمام مهمات من نوع آخر لها علاقة بالقدرات الإدارية والسياسية وهنا حصل الاضطراب والخلل.. حيث غابت الرؤية الاقتصادية، والمشروع الاقتصادي، والخيارات الاقتصادية.

لقد فشلت الثورة في تحقيق الهدف الأول لانطلاقها و هو التصدي للبطالة والعمل على توفير لقمة الخبز الكريمة و بذل الجهد في تطوير إمكانات البلاد و تنميتها ولكن الذي حصل هو الانهماك في الانتخابات والاصطفاف والمحاصصات السياسية بين مجموعة الأحزاب الإيديولوجية والمحاولات الدءوبة للكيد الحزبي وهنا تجلت بوضوح الخطوط الحمراء أمام العمل السياسي في تونس انه ينبغي المواصلة بعيداً عن المساس بالمصالح الفرنسية حيث كل عجلة الاقتصاد التونسية مرتبطة بالدوائر الفرنسية ضمن معاهدات و اشتراطات سابقة في عهد بورقيبة وبن علي تتصل بتفصيلات البنية التحتية للبلاد وثرواتها.. كما ان هناك أطرافا عربية تتحرك بدأب لإرباك المشهد السياسي التونسي وإفشاله والتهيئة لانقلاب على الأوضاع وإخراج النهضة من الحكم.. وهذا ما صرف الأحزاب عن ضرورة الانطلاق بحكومة تنمية الى دائرة الحرص على أحجام وجودها في المشهد.

الوضعية الاقتصادية صعبة للغاية ولقد كشفت جائحة كورونا الوضع الكارثي لمليون عائلة دون خط الفقر وإذا افترضنا ان المعدل للعائلة ثلاثة أفراد فقط فهذا يعني ان 3 ملايين فقراء اقل بقليل من ثلث سكان تونس حوالي ١١ مليون.. ومليون معطل عن العمل.. ولم تفلح زيارة الرئيس قيس لفرنسا بالحصول على ما يحتاج ماليا رغم تقديمه تنازلات واضحة سياسية للادارة الاستعمارية.

أسباب حقيقية:

لقد توالت قضايا الأزمة بين النهضة وخصومها محدثة انفجارا سيكون له ما بعده، ولعل الملف الليبي وامتداداته الإقليمية والدولية ألقى بثقله على الخريطة السياسية التونسية كقضية لا يمكن تجاوزها، وهنا تحركت عبر البرلمان عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر ومجموعات من خصوم النهضة التاريخيين العلمانيين واليساريين لمساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي لمهاتفته رئيس حكومة الوفاق أثر استعادتها للقاعدة العسكرية عقبة بن نافع بمنطقة الوطية ولزيارته ومن المعلوم ان الملف الليبي له امتدادات إقليمية ودولية تصطف مع قوى تونسية محلية في تمحورات حادة الاستقطاب، كما قامت القيامة لزيارة الغنوشي لتركيا وتواصله مع القادة الأتراك وهي تعد الآن عريضة أخرى لإدراج تنظيم الإخوان كتنظيم إرهابي ولائحة لسحب الثقة من رئيس البرلمان.. بمعنى أن الخصومة السياسية والثقافية تقف بقوة خلف ما يجري من أحداث في تونس وان اتخذت عناوين متفرقة، فالهدف الذي لا تتنازل عنه القوى اللائكية ومن خلفها الإمارات وفرنسا إخراج النهضة من مفاصل الحكم، هذا في حين تبدو نسبة المؤيدين للحركة في تراجع لأنها ارتكبت أخطاء كبيرة كعدم موافقتها على تمرير قانون تجريَم التطبيع مع العدو الصهيوني وعدم دعمها لمشروع الطلب من فرنسا بالاعتذار عن الحقبة الاستعمارية وعدم تمرير قانون تحصين الثورة وموقفها المائع من قانون المواريث والمثليين.. و أخطاء ارتكبت لها علاقة بالنزاهة وفرص التوظيف.. فهل تستطيع الصمود أمام الموجة الحالية ذلك مرهون بمزيد من الوعي والحكمة والله غالب على أمره.  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك