رجل الدولة المطلوب والأستاذ الجامعي..‬

عبد الله ثاني قدور

ذكر كثير من الدارسين أنه إذا لم يكن الأستاذ الجامعي رجل دولة ‪statesman فمن يكن غيره يا ترى؟! لأن فكرة رجل الدولة طرحت بقوة في كثير من المواقع والمستويات الوطنية، وبالأخص عندما طرحها أحد رؤساء الجمهورية السابقين وأراد ان يطبق برنامجه الانتخابي في مدته الرسمية، وألح بجلب رجال دولة لتطبيق برنامجه من خلال منطق البناء على أساس الخيارات الفكرية والاستراتيجية والقيم العليا للوطن، وأيضا منطق البناء على أساس الأشخاص وما يستطيعون توفيره للناس من قضاء حوائجهم وعلاج مشاكلهم، ومن ذلك الوقت اختلف الناس في هذه المسألة وسال الحبر الكثير‪ في ذلك.

من هو يا ترى رجل الدولة الذي تجمعت في شخصيته القيادية كل القيم؟! قيم النزاهة والشفافية والصدق والأمانة والشجاعة والوفاء والعدل والرحمة والمشورة.‪ حقيقة الامر رجل الدولة هو ذلك الإنسان المبدع القادر على قضاء شؤون الناس وعلاج مشاكلهم سواء كان في سدة الحكم أو خارجها والذي يتمتع بسرعة البديهة وسرعة الربط والقدرة على المبادرة والابداع ويتمتع أيضا بعقلية الحكم ومتمكن من فنون الإدارة وحل المشاكل والقدرة على التأثير في سير العلاقات العامة والخاصة في المجتمع، فهو الرجل الذي يمتاز بعنصر القيادة من خلال مخزون فكري يسمح له بهذه السرعة الفائقة، في إيجاد الحلول لكل مشكلة مستجدة. وبالتالي مَن النخب الوطنية حقيقة هو رجل الدولة.. هل هو خريج المدرسة الوطنية للإدارة أو الطبيب أو المهندس أو المحامي أو حتى القاضي أو الأستاذ الجامعي؟!؟!.

لكن البعض في الدول النامية يعتبر خريجو المدرسة الوطنية للإدارة هم الذين تتوفر فيهم شروط رجال الدولة على غيرهم من النخب وذلك من خلال عدة اعتبارات. فلذا يركز في هذه الدول على هؤلاء وترقيتهم في المناصب حتى يصلون الى أعلى المراتب في هياكل الدولة؟ رغم ما ثبت فشل خريجيها في هذه الدول التي تأسست فيها لأول مرة. يقال أن الجنرال ديغول هو أول من أسسها سنة 1945، وهدفه في ذلك تشكيل كبار الموظفين والمسؤولين، ونظام استنساخ النخب… بحيث كشفت كثير من الدراسات الغربية أن المدارس الوطنية للإدارة تساهم في صناعة رجال منمطين غير منتجين، تغيب عنهم المبادرة والتسيير الشفاف وتجد أكثرهم سجناء البيروقراطية الإدارية، عكس المهام السامية والإدارية المنوطة بها، فهذه المدرسة الشهيرة التي تقوم بتصنيع وإنتاج عكس ما تطمح له الأمة والوطن. فهي في نظر خريجيها مدارس مرموقة ووجدت للتفوق ولكن في نظر المراقبين الآخرين هي مدرسة كارثية ترتكز على هدفين أساسيين غير معلنين: الثراء الشخصي، والخطاب والتعبير بلغة الخشب.

والمشكلة ان هؤلاء الافراد يمسكون المناصب العليا في الامة مثل القطاع العام (الإدارات والشركات) او الخاص (المؤسسات الخاصة الكبيرة) ولا بد ان نعرف شيئا واحدا هو أن مدلس من هذه المدرسة يمسك إدارة مؤسسة مزدهرة حتى يجعلها في زمن قياسي قصير اربع أو خمس سنوات على اعتاب الإفلاس والنتائج السيئة لهذا التسيير تؤدي الى نتائج وخيمة من تطهير المؤسسات وطرد العمال وانقاص اليد العاملة ولكن هؤلاء المدلسون المتهمون ينالون منح إنهاء الخدمة وإغلاق المؤسسات ويجدون وظائف سريعة من خلال علاقاتهم.‪ وهناك أمثلة على فشل هذه المدرسة في تخريج نزهاء قادرين على التسيير الإيجابي‪ لمؤسساتهم من خلال هذه الدراسات الأجنبية، ويذكر ان مؤسسات مثل كريدي ليوني، وفيفندي وفرنسا تليكوم والستوم وسوسيتي جنيرال، كلها فشلت فشلا ذريعا عندما كان على رأسها إطارا من هؤلاء الإطارات.

يقول بعض الدارسين أن البنك كريدي ليوني الفرنسي كان يسير بطريقة جيدة وفي بحبوحة مالية وفيرة وبعد ان عينت الحكومة أحد خريجي هذه المدرسة جون ايف هاربرر، وفي خلال 5 و6 سنوات نجح في تردي هذا البنك واسقاطه فأعادت تعيينه مرة ثانية في كريدي الوطني. أما فيفندي أصبح رئيس المؤسسة جون ماري مسي بعد ما كانت هذه المؤسسة مزدهرة ارجعها في مدة قصيرة على حافة الانهيار ب: 30مليار أورو دفع مليون ونصف أورو وطلب 20 مليون أورو منحة العزل. أما فرنسا تليكوم فقد كان ميشال بون المعروف ب: الجيد في لا شيء والمشهور برداءته في كل المؤسسات، عين فيها من خلال أصدقائه القدماء في المدرسة وعينه صديقه الان جيبي على رأس فرنسا تليكوم هذا الرجل الذي كان يتقاضى 50 ألف أورو في الشهر، جعل هذه المؤسسة في الحضيض بخسارة 8.28 مليار أورو وبمديونية 60.7 مليار أورو ثم عين مرة أخرى رئيس معهد المؤسسة، والأمثلة كثيرة، وبالتالي يستحيل أن يكون خريجي المدرسة الوطنية للإدارة رجال دولة.

ويرى البعض الاخر أن الفنيين والتقنيين من أطباء ومهندسين ومحامين وقضاة، هم أكثر جدارة من غيرهم في تبوء مناصب رجال الدولة المطلوبة لأنهم مهنيون وتكنوقراط بالدرجة الأولى، تنتج لهم أبحاث وفنون التسيير وقوانين وقرارات يطبقونها بحذافيرها، ولا يستطيعون الخروج عن النص، وتغيب عنهم المبادرة والإبداع.  فلا يكون لهؤلاء الإطارات أي اجتهاد أو مبادرة وإنما تطبيق ما درسوه. ومن هنا لا يستطيع أن يكون الطبيب والمهندس والمحامي وحتى القاضي رجل دولة، للأسباب التي ذكرناها سابقا.

ولكن معظم المختصين والمراقبين يقدمون الأستاذ الجامعي وخاصة في مرحلته المتقدمة، أي مرحلة الأستاذية أين يصل من النضج العلمي والفكري، ما يؤهله في اعتلاء هذا المنصب الراقي من المناصب العالية في تسيير الدولة بحيث يجمع كل هذه الصفات بالإضافة الى حرية البحث والتفكير والاستقلالية، وما إن يرتقي إلى الأستاذية يدرج آليا في مصاف إطارات الأمة. لأنه ببساطة ينتقل من مدرس فقط كالتدريس في التربية الوطنية في سنواته الأولى إلى إنجاز عظيم يتمثل في أطروحة الدكتوراه التي هي خلاصة وزبدة البحث العلمي الذي يقوم به في تخصصه فيكون‪ فيلسوفا وعالما في مجال تخصصه، وتكون هذه الأطروحة بمثابة النقلة النوعية في حياته وحياة وطنه وهنا تكمن أهميته بالنسبة لوطنه من خلال حرية البحث والتفكير لأنه يجمع ما بين التعليم والبحث العلمي فهو عضو هيئة التدريس وتنشيط البحث العلمي فهو ينتج المعرفة ويقوم بتدريسها، بمعنى أنه نال شرف هذا المنصب بمجهوداته وتفانيه في عمله واجتهاده في أبحاثه، وإيجاد حلول لمشاكل بلده. بحيث لا يستطيع أحدا أن يؤثر على قراراته أو يكون تابعا لغيره، فالبحث العلمي يتميز بالحرية والاستقلالية. خلافا لأستاذ التربية الوطنية فهو فني أو تقني بالدرجة الأولى ينتج له المقررات والمناهج والدروس فيقوم بتلقينها لتلامذته، مثله مثل الطبيب أو المهندس أو المحامي أو حتى القاضي.

تستطيع هذه القلة القليلة من أساتذة التعليم العالي أن تكسب التحدي وتدفع الوطن إلى الرقي والازدهار إذا صنفت في مناصبها الطبيعية في الدولة. وذلك بالاهتمام بخطة التنمية ومشاريعها والبدء في تنفيذها حتى تدور عجلة الاقتصاد وتتوافر فرص الاستثمار وتخلق فرص عمل، وأساسها في ذلك الجدية في العمل، والصراحة والشفافية في التعاطي مع الحقائق والمعلومات المتعلقة بأي قضية. لا أن نقوم بتهجين هذه القلة القليلة من خلال خلق عراقيل وتحديات يصعب تجاوزها، وتجعل الأستاذ يراوح مكانه لأن الإنتاج العلمي يتطلب الاستقرار والأمن والأمان حتى يقدر هذا الأستاذ أن ينتج المعرفة ويندرج فيما أسماه عالم الاجتماع الجزائري في الثمانينات، المرحوم عبد القادر جغلول بوجود أنتلجنسيا في الجزائر بمفهومها المعروف بإنتاج المعرفة واستهلاكها.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك