رحلة شاعر من المغير إلى تلمسان في رحاب جمعية العلماء المسلمين

في ذكراه الـ 53 الشيخ محمد بن عبد الرحمن الرايس

بقلم/ الحفناوي بن عامر غول

 

هو الأستاذ الشاعر الصحفي المربي الفقيه الشيخ محمد بن عبد الرحمن المسعدي المعروف بالرايس محمد،ولد بين أحضان دمد سنة 1912م – الذي شيده الرومان سنة 198 ميلادي – من أبوين فقيرين سرعان ما فقدهما ليعرف مرارة اليتم ، فأوكلته عناية المولى سبحانه و تعالى إلى خاله الشيخ عمر معلم القرآن وجدته لأمه التي سهرت على تربيته، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة  ،و بعد اخذه لقسط من العلوم بكتاتيب مسعد و عبر حلقات الدرس آنذاك التحق بدروس الشيخ عبد القادر بن إبراهيم حيث لازمه كظله و أخذ عنه مبادئ اللغة و النحو ،و الفقه ،و السيرة .

انتقل في عام 1938 إلى قسنطينة فاستقبله ابن باديس خير استقبال وأولاه عناية كبيرة فزاد تحصيله العلمي و أصبح ينشر مقالاته السياسية عبر جريدة البصائر فاضحا سياسة الاستعمار ،وكاشفا لخططه وجرائمه البشعة ، و بقى مدة سنتين حتى وفاة العلامة ابن باديس ليشد الرحال في ديسمبر 1940 الى تونس فأنضم إلى طلاب كلية الزيتونية ،وتعرف هناك على الشيوخ أحمد حماني ،أحمد بن ذياب ،على شطاب و مصطفى بن سعد الجيلالي،و مكث فيها حتى أكمل الخمس سنوات في رحاب الجامع الاعظم ليعود إلى أرض الوطن حاملا شهادتي التحصيل في العلوم و التطويع ، حيث فتح مدرسة لتعليم النحو بمسعد ثم تحول إلى الجلفة و عرفانا لما قدمه من أعمال جليلة و دوره الكبير كمرب و أستاذ عينته جمعية العلماء مديرا لمدرسة الاخلاص بالجلفة ثم سرعان ماعرف الترحال فعين في عين تموشنت.

 و في 25/12/1948 عين مديرا بمدرسة المغير،و بمدرسة الفلاح بوهران مديرا و خطيبا و واعظا ليحول إلى تيارت في 5 أكتوبر 1951  مديرا. 

و يعود الى الجلفة ، ثم طولقة الى غاية 1954 تاريخ اندلاع الثورة التحريرية المباركة ، فازداد حماسه الوطني فعمل على نشر الوعي و تهيئة الرجال و التحريص ضد الاستعمار ليلقى عليه القبض ،و يزج به في السجون حيث يتعرض لشتى أنواع التعذيب ، و لم يمكث حتى اشهر القلم كلماته الداعية إلى الاصلاح و الجهاد حيث عاش حياة كلها دعوة للإصلاح .

 

 

شاعرا و كاتبا

 

 

كما عرف عنه شاعرا و كاتبا ،وهو يدرس بجامع الزيتونة ، ناشرا لبعض انتاجه ومقالاته على اعمدة الصحف ، كما كان يجيد فن الزخرفة  و الرسم حيث لازالت بعض لوحاته جاثمة في مكانها كمشعل مضئ في سماء الزخرفة المعاصرة و شاهدا على عبقرية ، وعرف كفيلسوف ذو فلسفة خاصة ،و مستوى رفيع حيث تطرق الى الكثير من النظريات خاصة نظرية السعادة و نظريته في لزوم ما يلزم اذ يقول :

لا تعذلني إذا ما عشت في قلق أنني لم أصب صبرا في الزلق.

 

و كان الشيخ بالإضافة إلى أعماله يدرس الأجرومية ،و الشيخ خليل في مسعد  ،و يفسر القرآن الكريم في شهر رمضان ،و لم يكن نشاطه السياسي ينحصر في انضمامه إلى جمعية العلماء بل كان مؤمن ايمانا قويا بان العمل الثوري الجاد ،والمنظم مكملا للعمل الفكري ، وهكذا نراه يجمع ،و ينهج منهج الشيخ جمال الدين الافغاني بالرجوع الى الاصالة و منهج الشيخ محمد عبده العلمي .

كما كان متعاطفا مع حزب الشعب الجزائري وقد قال له الشيخ محمد البشير الابراهيمي ذات يوم : ” أنت حر في أفكارك و ميولاتك السياسية فأختر لنفسك ما يناسبك ،و ما تراه صوابا ” ، كما عبر عن ميوله السياسي في إحدى قصائده التي يعلن فيها فرحته بانتصار حزب الشعب الجزائري  في انتخابات 1948 :

ادرها صرفنا فنصر تحققــــــــــا   و نجم انتصار الحريات تألــــــــقا

وقل ان حزب الشعب اصبح سيدا   ولا يخشى لوما من حسود تمشدقا

وقد امتلك الشيخ ملكة قوية في نثر ،و نظم الشعر في أغراض مختلفة إذ تغنى بكامل الصور الشعرية مع أنه امتنع عن الهجاء أما أول محاولاته الشعرية  فكانت في السجن سنة 1937 حيث أبى إلا أن يشارك إخوانه بمناسبة انشاء نادي للشباب بالجلفة :

 

يا سائق العربات سوق اجهاد     مهلا خطيب باسعاف و ابتعــاد

بالله ان دمت في امن و عافية     يمم ربى الجلفة الغراء يا حادي

عرج على فتية بها ذوي كرم     ابلغ اليهم سلام الوافي الصـادي

و انزل بناديهم الميمون فهو لنا  رمز لإحياء أمة الضــاد

 

وكان أول أثر له على جريدة البصائر العدد 55 ، و هو عبارة عن رد على قصيدة نشرتها البصائر تحت عنوان البصائر ( تحي قرائها ) فرد عليها الشيخ :

 

بلغـنا تحيـــــــــــة منك يا من  مخضت بصحبها لكل العبــــــــاد

ودعت لاتباع نهج رسول الله  اهل القرى و اهل البــــــــــــوادي

بكتاب و سنة و بيــــــــــــان  قد حكى السحر في امتلاك الفؤادي

 

وقد ترك الشيخ الكثير من القصائد ،جمعها تلميذه سالم علوي في ديوان . كما ترك بعض التآليف مازالت مخطوطة منها

 

1 – كتابا بعنوان ( العامي الفصيح و العامي غير الفصيح ) ،و هو كتاب يناول فيه الألفاظ العامية ،و يرجعها إلى اللغة العربية فيتكلم عن لفظها هل هو مطابق للعربية أو محرفة عن معناها و هل هو موافق للعربية ،و أحيانا يستشهد بذلك من أشعار العرب ،و القرآن ،و الحديث ،و لم يبقى منه إلا أوراق و قصاصات متناثرة في مكتبته .

2- كراس حول تعليم العربية في المناهج المدرسية  

3 – بعض الفتاوى.

4 – مقالات و بحوث قصيرة في علوم اللغة و الشريعة .

5 – رسائل مختلفة

6 – ترجمة وجيزة للشيخ ابن باديس ، بقي منها القسم الثاني فقط .

 

توفي يوم 28 جانفي  1968 بالجلفة ودفن بدمد بمسعد .

 

بدايتها إجحاف

منذ أكثر من عشرون سنة كتبت مقال حول الشيخ محمد بن عبد الرحمن الرايس في مجلة ” صوت السهوب ” ، لما اطلعت على جوانب من شخصيته ومازلت إلى غاية اليوم أرى أن هناك إجحافا في الترجمة له خاصة ،وأن هناك الكثير ممن هم في مرتبته العلمية والأدبية قد ترجم لهم ،وكتبت عنه الكتب وانتشرت وذاع صيتهم . وسألت نفسي لماذا دائما هناك إجحافا في حق أعلام المناطق الجنوبية ؟ ولماذا لا ينفض الغبار عن تراثهم الضخم وهم من كانوا مرجعا في الفتوى مثلا أو تخصصوا في علوم برزوا فيها أو كانت لهم الريادة في فن معين أو كتبوا في الجرائد آنذاك وإلى غاية اليوم لم يأخذوا حقهم من الدراسة ؟ ومن بين هؤلاء مترجمنا الذي جمع بين العلوم الشرعية واللغوية  والأدب والصحافة ، وكان صديقا للإمام العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس وقرأ في الزيتونة وتقرب من شيوخها وكتب عنهم ورثائهم بقصائد لا تزال مجهولة . كما كان مدرسا في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالمغير ومسعد وتقرت وعين تموشنت وطولقة والجلفة وتيارت ومسؤولا عن مدارسها .

وأردت من خلال هذا المقال ان اطلع القارئ الكريم على الجانب الشعري للاستاذ محمد الرايس من خلال الكثير من القصائد باعتبار أن الرايس محمد شاعرا قال في كل اغراض الشعر خاصة المديح والرثاء مع العلم انه رثا شيخه وصديقه الإمام ابن باديس بأكثر من عشر قصائد مازال أغلبها محتفظ به إلى اليوم وقد تضمن بعضها كتاب الدكتور سالم علوي وهو من تلاميذ الشيخ الرايس. 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك