شهادة الرائد إبراهيم مزهودي حول مؤتمر الصومام ج 02

أوراق من التاريخ

بقلم: فرحاني طارق عزيز 

نواصل في هذا العدد من جريدة الوسط نشر شهادة الرائد إبراهيم مزهودي حول مؤتمر الصومام، باعتبارها شاهدة مهمة من فعال شارك في هذا المؤتمر، ونقل لنا فيها جزء من تفاصيل انعقاده والظروف التي عُقد فيها، والأسباب والمعطيات التي أدت عقده في ظل غياب أعضاء الوفد الخارجي للثورة وقيادة المنطقة الأولى أوراس النمامشة، وهذه الشهادة تسمح للمؤرخين والباحثين المهتمين بتاريخ الثورة التحريرية بفتح نقاش لمقارنتها ببقية الشهادات المتوفرة حول المؤتمر ونتائجه. 

 

وجهة نظر حول أسباب عقد مؤتمر الصومام 

 

توفرت عدة مباشرة دفعت قيادة الثورة للقيام بتغيير مكان انعقاد المؤتمر ،وتحويله من شبه جزيرة القل إلى منطقة حوض الصومام حيث تعرض الرائد إبراهيم مزهودي بإيجاز إلى أهم الأسباب التي عجلت بانعقاده في نظره الشخصي، حيث يقول في هذا الخصوص: كانت الأسباب المباشرة والملحة التي دعت إلى عقد مثل هذا المؤتمر عديدة، لكن أبرزها يعود إلى ما يأتي: 

  • الظروف صعبة عرفتها الثورة عقب انطلاقها، عقدت الأمور وأدت إلى انقطاع الاتصال فيما بين قيادات الثورة على مستوى مناطق البلاد وأحيانا حتى داخل المنطقة الواحدة ذاتها، وقد يكون هذا إما بسبب نشاط الجيش الاستعماري الفرنسي ومصالح أمنه مما حد من حرية التنقل لأعوان الثورة وشبكاتها أو بسبب ضعف شبكات الاتصال التي أقامتها الثورة نتيجة عدم الخبرة، لهذا كان لابد من عقد مثل هذا اللقاء وعلى هذا المستوى، لإعادة ربط الاتصال ولدراسة الأوضاع والوقوف على الحقيقة كاملة حتى يمكنهم من تقييم ما تم إنجازه ولتنسيق مواقف قيادات الثورة على المستوى الوطني الأمر الذي يسمح لهم بوضع خطة استراتيجية موحدة وفعالة لمواجهة ترسانة الجيش الاستعماري الفرنسي الكبيرة التي وظفها وسخرها في حربه القذرة ضد أبناء الشعب الجزائري. 
  • ظهور بعض المؤشرات تفيد بحدوث الاتصالات فيما بين عناصر من العدو الفرنسي وأعضاء الوفد الخارجي الأمر الذي استلزم مثل هذا اللقاء لتحديد المواقف وتوضيح الرؤيا حتى لا يقع الانزلاق الذي قد يؤدي إلى الاخلال بقوة الثورة تمهيدا لتفريق صفوف رجالها، هذه النقطة بالذات كانت محل تقرير مفصل أعده وقدمه الشهيد العربي بن مهيدي أمام أعضاء المؤتمر فيما بعد. 
  • بحث قضية التسليح، الذخيرة، والتموين بصفة عامة، بعد أن لوحظ عدم إيفاء الوفد الخارجي للجبهة بهذه القضية بطريقة مرضية تلبي حاجيات الثورة المتزايدة، وهو الأمر الذي أدى من قبل بقائد الثورة بمنطقة أوراس النمامشة الشهيد سي مصطفى بن بوالعيد للسفر شخصيا للقاء أعضاء الوفد الخارجي والذي كان السبب المباشر لاعتقاله في شهر فيفري 1955م بقرية بن قرادان بالحدود الليبية التونسية. 

التعجيل بعقد المؤتمر في ظل غياب أعضاء الوفد الخارجي 

 

يقول الرائد إبراهيم مزهودي أن الأسباب سابقة الذكر مجتمعة هي التي عجلت بعقد المؤتمر لتدارك الوضع قبل أن تتطور الأمور وتتعقد ويصبح من الصعب التكهن بسير الأحداث وتوقعاتها وتفاعلاتها، وفي ظل هذه التطور وبعد أن تم التأكد من عدم حضور أعضاء الوفد الخارجي للمؤتمر قرر القادة بعد مشاورات فيما بينهم تغيير مكان عقد المؤتمر بالمنطقة الثانية (شبة جزيرة القل) إلى المنطقة الثالثة (حوض الصومام) وهذا لكون المنطقة مناسبة لبقية المناطق الأخرى هذا فضلا عن كونها تحتل موقعا استراتيجيا من الناحتين الطبيعية والأمنية. 

وفد المنطقة الثانية المشارك في أشغال المؤتمر

تشكل وفد المنطقة الثانية المشارك في مؤتمر الصومام (منطقة شمال قسنطينة) من قيادة المنطقة وقد ضم كلا من: 

  • زيغود يوسف، قائد المنطقة. 
  • عبد الله بن طوبال. 
  • عمار بن عودة. 
  • علي كافي. 
  • حسين رويبح. 
  • مزهودي إبراهيم.

وقد رافق أعضاء هذا الوفد فرقة من المجاهدين لأجل الحراسة والحماية، وبعد أخذ كل الترتيبات اللازمة تحرك الوفد من مقر قيادة المنطقة الثانية بناحية بني صبيح باتجاه وادي الصومام خلال بداية الأسبوع الرابع من شهر جوان 1956م، في ظل ظروف أمنية صعبة للغاية، حيث وقع الوفد في عدة كمائن نصبتها الوحدات العسكرية الفرنسي في طريق سيرهم، لكن لم يحدث أي مكروه لأعضاء الوفد، ولما بلغ أفراد الوفد قرية بني بزاز الواقعة بين جبلي بابور وتابابورت (أسفل لخناقة الحمراء) بناحية بابور وجدوا فوج من مجاهدي الولاية الثالثة بقيادة الضابط الأول سي قاسي في انتظارهم هناك، حيث استراحوا من مشاق الطريق لفترة قصيرة منذ واصلوا سيرهم في نفس الظروف التي انطلقوا فيها سابقا وتوجهوا إلى عرش أوزلاق بحوض وادي الصومام وهو المكان المحدد لعقد المؤتمر. 

الأوضاع العامة قبيل عقد المؤتمر 

بعد وصول الوفد إلى المكان المحدد، كان الجو العام بطبيعة الحال يتميز بالحذر الشديد واليقظة، كما وجدوا هناك عددا معتبرا من الإخوة المجاهدين قادة وجنود، حيث قضوا فترة راحة لمدة عشرة أيام كاملة أو أكثر، وكان ينتظرون خلالها وصول وفد المنطقة الأولى أوراس النمامشة، حيث علموا بمجدر وصولهم من مسؤولي المنطقة الثالثة أن الوفد في طريقه إلى المؤتمر وأنه برئاسة عمر بن بوالعيد خلفا لأخيه قائد المنطقة الأصلي الشهيد سي مصطفى الذي تأكد خبر استشهاده في هذه الآونة مما أثر تأثيرا سلبيا على جميع القادة المشاركين بفقدانهم ركيزة أساسية وركن من أركان الثورة التحريرية، لكن الوفد لم يصل بعد طول انتظار. 

رسالة قادة ناحية تبسة إلى قيادة الشمال القسنطيني  

وفي هذا الخصوص يتوقف الرائد إبراهيم مزهودي للحديث عن الرسالة التي أرسلها قادة ناحية تبسة لقادة المنطقة الثانية يطلبون فيها تمثيل الناحية في أشغال المؤتمر فيتحدث حولها قائلا: هنا أتوقف قليلا لأقدم توضيحا هاما يجب الإشارة إليه حتى تكون الأمور بينة أمام الجميع وهي أنه في وقت سابق وأثناء الاستعداد لعقد المؤتمر وردت رسالة من الإخوة المجاهدين بناحية النمامشة إلى قيادة المنطقة الثانية الشمال القسنطيني يطلبون فيها بتكلف إبراهيم مزهودي لتمثيلهم في هذا المؤتمر، غير أنه ونظرا للمسؤوليات التي قد تترتب عن مثل هذا التكليف، وهذا شيء طبيعي، اعتذرت بلباقة عن قبول الطلب والقيام تنفيذ هذه المهمة وهذا لعدة اعتبارات كانت أرى أنها وجيهة أوضحها فيما يلي: 

الانعكاسات التي يمكن أن يحدثها هذا التمثيل فيما بعد على أوضاع المنطقة الأولى. 

عدم امتلاك إبراهيم مزهودي لمعلومات ومعطيات كافية والتي تسمح له بالرد وبصفة كاملة على أي استفسار قد يوجه له والمتعلق بظروف الثورة في المنطقة. 

عقد المؤتمر ونتائجه 

شرع في عقد المؤتمر خلال النصف الأول من شهر أوت 1956م، واستمر لحوالي عشرة أيام في مواقع مختلفة بالمنطقة تحسبا لأي طارئ، وفي اليوم الأخير وهو يوم 20 أوت 1956م، وقع قادة الثورة الحاضرين على القرارات التي تم الاتفاق بشأنها والتي عرفت بوثيقة مؤتمر الصومام، حيث وقع الاختيار على يوم 20 أوت كتاريخ لإمضاء وثائق مؤتمر الصومام، كان تيمنا واحتفاء بمرور عام على هجومات 20 أوت 1956م التي خطط لها ونفذها المجاهدون بالمنطقة الثانية الشمال القسنطيني وأشرف زيغود يوسف على قيادتها. 

سير أشغال المؤتمر 

وحسب الشهادة التي قدمها الرائد إبراهيم مزهودي فإن أشغال المؤتمر جرت على مستويين هما: 

1-المستوى الأول: وهو الأساسي، وقد شارك في جلساته القادة الآتية أسماءهم: 

  • زيغود يوسف، وعبد الله بن طوبال ممثلين عن المنطقة الثانية. 
  • كريم بلقاسم ممثل عن المنطقة الثالثة. 
  • عمر أوعمران ممثل عن المنطقة الرابعة. 
  • العربي بن مهيدي ممثل عن المنطقة الخامسة.
  • سي الشريف (العقيد علي ملاح) وهذا الأخير عين من طرف كل من: كريم بلقاسم، عمر أوعمران، عبان رمضان كممثل للولاية السادسة قبل بدء أشغال المؤتمر والذي تنبى فكرة إنشائها، وكانت هذه النقطة محل حديث بين كل من إبراهيم مزهودي وزيغود يوسف. 
  • عبان رمضان ممثل عن منطقة الجزائر (العاصمة). 

2-المستوى الثاني: كانت جلساته عامة بحيث يحضرها القادة المشار إليهم رفقة أعضاء الوفود باعتبارهم مستشارين لقادة المناطق، يطلعونهم فيها على ما تم دراسته والاتفاق عليه، وقد يلجأ البعض منهم إلى استشارة زملائه حول بعض النقاط وبهذه الطريقة تصبح الوفود كاملة مشكلة على النحو الأتي: 

  • المنطقة الثانية: مشكلة من: زيغود يوسف، عبد الله بن طوبال، وبصفة مستشارين نجد: 
  • عمار بن عودة. 
  • علي كافي. 
  • حسين رويبح. 
  • إبراهيم مزهودي.
  • المنطقة الثالثة: مشكلة من: كريم بلقاسم، وبصفة مستشارين نجد: 
  • محمدي السعيد. 
  • عميروش آيت حمودة.
  • قاسي حماي.
  • المنطقة الرابعة: مشكلة من: عمر أوعمران، وبصفة مستشارين نجد: 
  • امحمد بوقرة. 
  • علي خوجة (قائد الكومندو المرافق لقيادة المنطقة). 
  • عمر أوصديق.
  • المنطقة الخامسة: مشكلة من: العربي بن مهيدي. 
  • المنطقة السادسة: مشكلة من: سي الشريف (العقيد علي ملاح). 
  • منطقة الجزائر (العاصمة): ومشكلة من عبان رمضان. 

ترأس أشغال المؤتمر وقراراته: 

ترأس المؤتمر العربي بن مهيدي، وعبان رمضان كمقرّر، وحسب شهادة الرائد إبراهيم مزهودي دائما فإن العربي بن مهيدي كان هو العقل المدبر والمفكر والمنظر في هذه المجموعة ويليه عبان رمضان، وقدم بقية القادة الحاضرين مساهماته كل حسب إمكانياته وقدراته الشخصية. 

وقد توجت أشغال المؤتمر بوثيقة شاملة لاستراتيجية الثورة في المجالات: السياسية، العسكرية، التنظيمية، والإعلامية، وشكل المؤتمر المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي يضم 34 عضوا 17 أساسي و17 إضافي، وشكل أيضا لجنة التنسيق والتنفيذ التي ضمت خمسة أعضاء وهم: 

  • العربي بن مهيدي. 
  • كريم بلقاسم. 
  • عبان رمضان. 
  • سعد دحلب. 
  • بن يوسف بن خدة. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك