صفعة ماكرون…أو ردها علي إن استطعت

مفارقات

بقلم احسن خلاص

في انتظار أن تأتي أحداث أخرى متميزة تحتل الصفعة التي تلقاها ماكرون جنوب فرنسا على يد أحد أفراد اليمين المتطرف صدارة أحداث هذا العام، وإن لم يكن الرئيس الفرنسي الوحيد الذي تعرض للاعتداء الجسدي إلا أن طابعها الاستعراضي وما تحمله من أبعاد يجعلها تتميز عن غيرها وتطرح إشكالات جادة على الساسة الفرنسيين بالرغم من محاولة ماكرون تهوين الأمر واعتبار الفعل فرديا معزولا.

 

يعلم ماكرون كما باقي أصحاب الرأي والحل والعقد على الساحة الفرنسية أنه لا دخان دون نار وأن السياسة لا صلة لها بالأفعال المعزولة فالشاب المفتول المعتدي على ماكرون لم يكن مجنونا ولا قاصرا ولا تربطه بالرئيس الفرنسي صلة شخصية أو عائلية ولم يسبق أن رآه من قبل إلا عبر وسائل الإعلام. لا تتوفر إلى حد هذه اللحظة معطيات عن ثقافة المعتدي وأصوله وحالته النفسية إلا أنه لا يمكن نفي صلة الفعل بالسياق السياسي كما لا يمكن القول إن المعتدي فاقد للوعي السياسي الذي يتطلبه الموقف “التاريخي” الذي وقفه الشاب الذي لم ينظر إلى لاحضارية فعله بقدر ما نظر إلى بعده الانتقامي من المستضعين في الأرض تماما كما انتقم لهم الصحافي منتظر الزيدي عندما رشق الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش بحذائه ببغداد على مرأى رئيس الوزراء العراقي أنور المالكي.

 

وبعكس ما ذهبت إليه فرضيات صدرت فور الحادثة تضع المعتدي في خانة تنظيمية بالإشارة إلى احتمال صلته بالسترات الصفراء فقد نفى ماكرون ذاته أي صلة تنظيمية لصاحب الصفعة مكتفيا بالإشارة إلى كون الحادثة معزولة. غير أن ماكرون لم ينف أن تحرك المعتدي مرجعية أيديولوجية انعزالية دون أن تكون لها بالضرورة صلة بالدين. وكأنه يعلن عن وجود نزعات متطرفة تقع إلى يومنا خارج التصنيفات التقليدية. وقد بينت بعض المعطيات الأولية التي أفرزها التحقيق أن المعتدي الذي كان مرفوقا بصديق له الذي تكلف بعملية تصوير الحادثة يمارس فنونا قتالية مهجورة لكونها تعود إلى القرون الوسطى وقد عثر في حساباتهما التواصلية عن صورة بأزياء فلكلورية خاصة بهذه الفنون القتالية، وحتى الكلمات التي صدرت منه وهو يقوم بالاعتداء، تضمنت تحية يقال إنها كانت تؤدى لملوك فرنسا خلال القرون الوسطى قبل أن يتبعها بعبارة أخرى حديثة وهي “لتسقط الماكرونية”.

 

وبالرغم من أن متلقي الصفعة إنما هو رئيس الدولة إلا أن جل التحليلات والتعليقات التي أعقبت الحادثة لم تخرجها من سياق الظواهر الاجتماعية المنتشرة لاسيما العنف الذي انتشر بقوة في فرنسا وصار يشمل كل الفئات دون استثناء إلى أن وصل إلى شخص الرئيس ماكرون. مما يدل على أن الأمر فضيع ويتطلب تأهبا اجتماعيا واسعا لمحاربة شتى أنواع العنف لاسيما ذلك الذي صار يستهدف المسؤولين المنتخبين.

 

ودون أن تستعجل التحقيقات التي تجري بعد الحادثة، يحق لنا من باب إرضاء الفضول أن نتساءل: ما الذي استهدفه المعتدي في ماكرون؟ هل استهدف الشخص ذاته أم مرجعيته وانتماءه السياسي وصلته بالاوساط المالية العالمية؟ ولماذا وصل به الأمر إلى أن يلجأ عن وعي إلى ذلك الأسلوب غير الحضاري لاسيما وأن ماكرون تلقى ضربته المباغتة وهو يهم بمصافحة الشاب؟ ثم ما هي النتيجة من هذا الفعل؟ وانعكاسه على واقع الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي يقترب موعدها أكثر؟  الصور الملتقطة أظهرت ماكرون في حالة متزنة لم تفقده الصفعة توازنه بل طلب عدم التضييق على المعتدي محاولا محاورته ليعرف بنفسه سبب ما أقدم عليه قبل أن يواصل مصافحة بقية المواطنين الواقفين وراء الحزام.

 

المؤكد أن الحادثة أرغمت جميع الأطراف السياسية في فرنسا على التعاطف مع الرئيس الفرنسي بل هناك من شعر أن الشاب الفرنسي القروسطي النزعة قد ضرب جميع الفرنسيين بضرب ممثلهم السياسي عبر العالم لاسيما وأن الصور انتشرت بسرعة وجابت جميع أنحاء العالم في وقت قياسي. ولعل هذا ما دفع بماكرون إلى اعتبار الفعل فرديا معزولا وهي رسالة للعالم أنه من الأفعال الشاذة التي لا يقاس عليها وأن الشعب الفرنسي لا يمكنه أن يتبنى مثل هذه الأساليب غير الحضارية في التعبير عن الرفض والغضب.

 

فور السماع بالحادثة وقبل معرفة من وراءها وملابساتها انتابت الجالية المسلمة حالة قلق من أن يكون صاحب هذا الفعل مسلما قد يفتح فصلا جديدا من الصراع بين فرنسا والعالم الاسلامي، ويضيف ذريعة جديدة للتضييق الذي يعيشه المسلمون في عهد ماكرون لكن الحادثة بينت أن العنف طبيعة بشرية قد يصدر من اللاعب زيدان كما يمكن أن يصدر من هذا الشاب الذي لا صلة له بالمرجعيات المصنفة في خانة العنف كما يمكن أن يكون مصدره ذلك الشرطي الأمريكي الذي قتل جورج فلويد غلا وحقدا تجاه السود في أمريكا. العنف لا يملك دينا ولا مذهبا بل يملك بيئة اجتماعية وظروفا اقتصادية وتدفع إليه أحيانا بعض انحرافات رجال السياسة. صفعة ماكرون أداها شاب لأول مرة يمارس العنف فلم يسبق له أن زار قسما للشرطة ولا رواقا من أروقة العدالة. وافد جديد إلى العنف وقد يأتي بعده وافدون آخرون لعل الأنظار تتجه بعيدا عن اعتبار العالم الإسلامي المصدر الحصري للعنف.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك