عادل نويهض (1923 / 1996م) ومعجمه أعلام الجزائر

من تاريخنا الثقافي

محمد بسكر

 

لا يستغني الباحث في التراث الجزائري عن التأليف الموسوم بمعجم أعلام الجزائر، لمؤلفه الصحفي عادل نويهض، فتصفح ما احتوته ورقاته الصفراء العتيقة من أسماء لشخصيات ثقافية ساهمت في الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم الدينية، يطبع في النّفس إعجابا بالجهد المبذول من قبل هذا الباحث الذي سطر صفحات ناصحة من تاريخنا المجيد.

لم يسعفني البحثُ للوصول إلى معلومات وافية عن تاريخه رغم شهرته في التأليف المعجمي الحديث، وقد أحالني الأستاذ الباحث لحسن بن علجية إلى ” موسوعة أعلام القرن العشرين في العالمين العربي والإسلامي”  لمؤلفها فؤاد صالح السّيد، فعثرت فيها على نبذة تعريفية لا تفي بالغرض، خُلاصتها أنّه لبناني الأصل والنّشأة والتعليم، ولد سنة 1923م، حائزٌ على شهادة دكتوراه في الصحافة من جامعة لندن سنة 1956م، اشتغل في الصحافة في دولة العراق، ثمّ محررًا للشؤون العربية في مجلة “وطني” بالقاهرة، ثمّ رئيسًا لتحرير مجلة ” اللّغات” التونسية، ثمّ رئيسًا لمصلحة الصحافة والنّشر في الجزائر بعد استقلالها. أسّس مطلع ثمانينات القرن الماضي ببيروت مؤسّسته الخاصّة المسماة بـ” مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر”.

ترك عدة مؤلفات نذكر منها: أبو العلاء المعري الشاعر الفيلسوف، ومعجم المفسرين، ومعجم أعلام لبنان، ومعجم أعلام فلسطين، ومعجم القضاة، ومعجم أعلام التصوف، ومعجم الأعلام القرآنية، وله في مجال تحقيق التراث العربي: “المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد”، لمجير الدّين عبد الرحمن العليمي، تحقيق محمد محي الدّين عبد الحميد، مراجعة عادل نويهض، وتحقيق كتاب “طبقات الشافعية”، لأبي بكر بن هداية الله المرواني الغراني، وتحقيق كتاب ” الدّين والدولة ” للطبري.

  • اهتمامه بالتراث الجزائري:

 بدأ اهتمام الأستاذ عادل نويهض بالتراث الجزائري بعد التحاقه بوظيفته في القطر الجزائري سنة 1962م، فهو من الكفاءات العلمية العربية التي استعانت الدولة بها بعد الاستقلال لسدّ الفراغ الذي شهده قطاع الإدارة والتعليم، فترأس مصلحة الصحافة والنشر، ولفت انتباهه الكم الهائل من المؤلفات والمخطوطات القابعة في المكتبات الخاصّة، وحركة التأليف الواسعة التي يجهلها المشارقة عن الجزائر، ففتح له ذلك أُفقًا للبحث العلمي في التراث العربي، ليُحول انشغاله من العمل الصحفي إلى التنقيب في تاريخ الرجال وتحقيق المخطوطات، حتى صار من المختصين في ذلك، قال مفتي لبنان الشيخ حسن خالد في شأنه: «..وهو في هذا العصر أحد البارزين من العاملين في ميدان التراجم العربية، وتراجم العلماء من مؤرخين ومحدثين وأدباء وفلاسفة ومتكلمين..». 

ساهم “نويهض” في إثراء المكتبة الجزائرية، واهتم بالتعريف برجال العلم والثقافة، فألّف في ذلك بعض الكتب، من بينها: ” الإبراهيمي عظيم من الجزائر”، و”أوراق جزائرية” دوّن فيها مذكراته الشّخصية، كتبها أثناء إقامته في الجزائر ما بين سنة 1962/1967، تتضمن معلومات سياسية وأدبية وتاريخية، وفي مرحلة بحثه عن التراث زار معظم المكتبات الخاصّة في الجزائر العاصمة، وقسنطينة وبجاية وتلمسان وغيرها، واتّصل بشخصيات ثقافية بارزة، فمكّنه ذلك من الوصول إلى مخطوطات هامّة اِعتَمدها في تآليفه، مثل ثبت النّدرومي، واليواقيت الثمينة لعبد القادر المشرفي، ورحلة العبدري، وأهم ما خدم به الثقافة الجزائرية تحقيقه لكتابين هامين وهما: 

1/ عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية: تأليف أحمد بن أحمد بن عبد الله الغبريني (ت704هـ)، مصدرٌ لا يستغنى عنه في التعريف بعلماء بجاية ومن نزل فيها من الأعيان، ترجم الغبريني فيه لأكثر من مائة وأربعين من رجال القرن السابع الهجري، وأكثرهم عاصر العهدين الموحدي والحفصي، وأوّل من أظهر الكتاب وحقّقه هو الدكتور محمد بن أبي شنب سنة 1910م، ولا يعدّ ما قام به الأستاذ عادل نويهض تحقيقا بالمفهوم المعروف عند أهل هذه الصّنعة، وإنّما هو إعادة كتابة النّسخة المطبوعة، والتهميش لها، والتدليل عليها من كتب التاريخ والتراجم، والتعريف ببعض الرجال والأحداث التاريخية التي تضمنها كلام الغبريني، إضافة إلى تصحيحات لأوهام وقع فيها المؤلف، وتعليقات تاريخية لا تخلو من فوائد، من بينها لمّا ترجم الغبريني للشيخ محي الدّين بن عربي، أضاف “نويهض” في آخرها فهرسة لمؤلفات ابن عربي، نقلا عن نسخة يرجع تاريخها إلى سنة 689 هجرية، وهي منقولة من نسخة أصلية كتبها الشيخ سنة 632هـ ؛ أي قبل وفاته بست سنوات، وهذا الفهرست نسخته الخطّية موجودة في المكتبة الآصفية، بحيدر آباد.

 جعل الأستاذ “نويهض” لدراسته مقدمة ضافية أبرز فيها أهمية الكتاب وحياة مؤلفه، وأسلوبه وقيمته التاريخية، وهذا الجانب أغفله ابن أبي شنب في مقدمته المختصرة جدًا، وتمنى أنّ ما قدّمه يُرضي رغبات المثقفين  والباحثين والدّارسين في التاريخ، وأنّه بعمله هذا يكون أسدى للمكتبة الجزائرية يدًا تذكر بالخير كلّما ذُكر العاملون في سبيل إحياء تراثنا.

2/ كتاب الوفيات: لأبي العباس أحمد بن حسن بن الخطيب الشهير بابن قنفذ القسنطيني (ت 810هـ)، نشر تحقيقه سنة 1971م، وأهمية الكتاب تكمُن في كونه من المراجع الأساسية في معرفة تاريخ وفيات الصحابة وأعلام المحدثين والفقهاء والمؤلفين ومشاهير العلماء، فأحمد بابا التنبكتي نقل عنه في كتابه “نيل الابتهاج”، وابن مريم التلمساني في “البستان” ، والزركلي في “الأعلام”.

 طبع الكتاب أوّل مرة بمدينة كلكته سنة 1911م،  بإشراف مولاي محمد هدايت حسين، ولاحظ “نويهض” أنّ هذه النّسخة ينقصها الفصل الذي ذكر فيه ابن قنفذ تصانيفه، كما أنّها تفتقر إلى تحقيق الأسماء وتصحيح أغلاط تواريخ الوفيات، وفي سنة 1939م قام المستشرق “هنري بيريس” بإعادة نشر الكتاب، وأضاف إليه قصيدة ابن فرح الإشبيلي ” غرامي صحيح” في مصطلح علم الحديث، وهذه الطبعة أيضا خالية من التصحيحات والتعليقات، أمّا “نويهض” فاعتمد في تحقيقه على نسختين خطّيتن، الأولى حصل عليها من مدينة تلمسان سنة 1963م، وهي بخطّ أحد أعلامها “إبراهيم بن قاسم بن سعيد بن محمد العقباني”، وتاريخ نسخها يرجع إلى مرحلة متقدمة، وهي القرن التاسع الهجري، والنّسخة الثانية حصل عليها من مدينة قسنطينة، ولم يشر إلى مصدرها، وقال بأنّها غير مؤرخة.

وضع “عادل نويهض” دراسة عن المؤلّف وكتابه، رجع فيها إلى ما دونه عنه الأستاذ محمد بن شنب في مجلة  “هيسبريس ( المجلد 8 سنة 1928م )، فترجم لابن قنفذ موضحا نسبه وعلمه وشيوخه، ونقل فيها الفهرسة التي وضعها ابن قنفذ لأسماء مؤلفاته، وأضاف إليها ثلاثة كتب له ألّفها قبل وفاته ولم يذكرها في ثبته، من بينها كتابه ” طبقات علماء قسنطينة” الذي سبق أن تحدث عنه المستشرق الفرنسي “شيربونو”، وقال بأنّه أثناء تحقيقه لجزء الفارسية اكتشف مخطوطا ثمينا غير مطبوع يفيد لمعرفة الطبقات، أي طبقات علماء قسنطينة. وقعت يد “نويهض” على نسخة من هذا الكتاب النّادر، عثر عليها في إحدى الخزائن بالجزائر العاصمة، ولم يحدد الجهة التي استلم منها هاته المخطوطة، وذكر بأنّه يعمل على تحقيقها، غير أنّ عمله هذا لم يظهر له أثر، ولعلّه ما زال قابعا في مكتبته، ليبقى هذا المعجم الخاص بعلماء قسنطينة –إلى الآن- في حكم المفقود.

  • معجم أعلام الجزائر:

لاشك أنّ ” معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر”،” للدكتور “عادل نويهض” من أحسن المعاجم التي في ألّفت في هذا الفنّ بعد الاستقلال، من حيث تقديمه بطريقة علمية منهجية، وشموله لتراجم الكثير من الفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرّخين من مختلف أنحاء القطر. تخمّرت فكرة تأليفه بداية من سنة 1962م، عندما انتدب للعمل في الجزائر، فكان ينشر من دار الإذاعة أحاديث عن مشاهر العلم في التاريخ الجزائري، ثمّ تحولت هذه الأحاديث إلى فكرة وضع كتاب جامع يتناول كل الأعلام الذين دوّنت أسماؤهم في كتب التاريخ والسير والتراجم والأدب والفقه وغيرها، بداية من صدر الإسلام حتى الستينيات من القرن المنصرم، وهذا المعجم هو فاتحة حياته العلمية، صدرت طبعته الأولى سنة 1971م.

 رتّب أسماء أعلامه على حروف المعجم، ورجا أن يُتبعه بطبعة ثانية يستدرك فيها ما فاته، غير أنّه انشغل عنه مدّة بمعاجمه الثلاثة( معجم المفسرين، ومعجم أعلام لبنان، ومعجم أعلام فلسطين)، ليظهر المعجم في طبعته الثانية سنة 1980م وهي أفضل من سابقتها، لم يلتزم فيها الترتيب الأبجدي لأسماء الأعلام وإنّما لشهرتهم المتداولة، واستدرك ما فاته من معلومات أو شخصيات، وكاتَبَ في ذلك زملاءه من الباحثين والمحققين، فلم يجد من يمد له العون باستثناء اثنين، وهما الدكتور محمد ناصر والأستاذ الهادي الحسني، واستعان بمصادر كثيرة، وبمراجع جزائرية حديثة، كتاريخ الجزائر العام، ونهضة الجزائر الحديثة، وأعلام الإصلاح في الجزائر، ومؤلفات أحمد توفيق المدني والدكتور أبو القاسم سعد الله وغيرها. 

اتهم بعض الكُتّاب “عادل نويهض” بالسّطو على كتاب ” تعريف الخلف برجال السلف” لأبي القاسم الحفناوي، والمتتبع لمضامين مصادره يجد في هذا الادّعاء تحاملا على جهده الذي لا ينكره إلّا جاحد، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة طبعتان لمعجمه، الأولى عن دار الأبحاث سنة 2013م، بدعم من وزارة الثقافة، والثانية عن دار الوعي سنة 2020م، ولا جديد في الطبعتين غير النّقل، وكم وَددتُ لو عرض المعجم على أهل الاختصاص لمراجعة مادّته، واستدراك ما فات مؤلفه، فالأستاذ “نويهض” يقرّ بأنّه « غابت عنه أسماء أعلام كثر »؛ لأنّ جهد البحث والاستقراء يحتاج إلى أمد طويل، « وهذا الميدان يقصر عن اقتحامه جهد فرد مهما كانت معارفه التاريخية ».

 والمطّلع على معجم أعلام الجزائر سيقف على مواطن خلل تعتريه، كإغفاله لبعض الأعلام أو الكتب، وعلى سبيل المثال أسقط ترجمة أحمد بن يوسف التيفاشي، وزيان بن فايد الزواوي، صاحب النظم المشهور في علم النحو المعروف بنظم الزواوي، وغيرهما، ولم يشر إلى كتابلباب المحصول في علم الأصول”، للشيخ الحسين بن رشيق المسيلي، ولم يذكر كتاب” الجواهر المنثورة في تحقيق معاني رسالة الاستعارات  للشيخ الحسين بن محمد السعيد الورتلاني أثناء ترجمته له، وأخطأ في تسمية بعض الكتب، ككتاب ” الإكليل المغني” للمغيلي، فذكره باسم “الكيل المغني”، ونسب للشيخ محمد بن محمد بن أحمد الملقب بابن مريم تعليقا على رسالة خليل، في ضبطها وتفسير بعض ألفاظها، والصحيح أنّه تعليق على رسالة أبي زيد القيرواني، وفي ترجمته لعيسى بن محمد الجعفري الثعالبي أضاف إليه كتابين،  وهما “مشارق الأنوار فِي بيان فضل الْوَرع من السّنة وَكَلَام الأخيار” و كتاب “تحفة الأكياس في حسن الظَّن بالنَّاس”، تبع في ذلك البغدادي مؤلف كتاب “”هدية العارفين”، فالبغدادي عند عرضه لمؤلفات الثعالبي أشار إلى الكتابين المذكورين، ويبدو أنّه لم يطلع على ترجمته الطويلة التي أفردها له “محمد أمين المحبي” في كتابه “خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر”، أو أنّ الأمر غمّ عليه فلم يتبين له كلامه فوقع في هذا الخلط، لأنّ المحبي في معرض حديثه عن شيوخ “الثعالبي” أشار إلى شيخه “علي المصري” العارف بالله صاحب التصانيف الكثيرة، وذكر منها (تحفة الأكياس في حسن الظن بالناس)، و(مشارق الأنوار في بيان فضل الورع من السنة وكلام الأخبار)، وهذا الخطأ نفسه وقع فيه قَيمُ مكتبة دار الكتب المصرية معتمدا على كتاب “هدية العارفين”، عندما سجل بالحبر الأزرق على الورقة الأولى من نسخة خطية لكتاب ” تحفة الأكياس ” الملاحظة التالية: «..كتاب تحفة الأكياس في حسن الظن بالناس، هو لأبي مكتوم جار الله عيسى بن محمد بن محمد بن أحمد بن عامر المغربي الجعفري الثعالبي الهاشمي نزيل المدينة ثمّ مكة، محدث مسند، أصله من وطن الثعالبة من أعمال الجزائر، استقر بمكة وتوفي سنة 1080هـ ».

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك