عبد الحميد بن حملة

المجالات الحيوية للكومندوس الحكومي

ترجمة احسن خلاص

الجزء الثاني والأخير 

وتجدر الإشارة إلى أن كل ما يقال عن الجباية المحلية لا يتعدى كونه محض خطاب لأنه يعتبر جزء من النقاش حول مشروع المجتمع، لأنه مرتبط بتوقف الإدارة المركزية عن التفكير في مكان المنتخبين المحليين. ينبغي إذن إعطاء الأفضلية للبدء في إصلاح تدريجي للجباية المحلية وحينئذ سيصبح المنتخبون المحليون مسؤولين أمام الدولة حول الديون العمومية وأمام الناخبين احتمالا بسبب الارتفاع المفرط للضرائب المحلية أو عدم نجاح التنمية المحلية.

 

على صعيد آخر سيأخذ الكومندوس الحكومي في الحسبان النمو الديمغرافي والاستهلاك المفرط للمساحات الزراعية. لهذا، يجب اعتبار قطاع العمران الحضري والبيئة كقطاع سيادي لوقف هدر الأرض والحفاظ على الطبيعة وتنمية الاقتصاد الدائري. ويمكن أن يكون هذا القطاع مصدرا لتزويد السوق بالمادة الأولية المتأتية من الرسكلة.

 

يمكن لكتابة الدولة للاقتصاد الدائري أن تفعّل آلية لدفع الاستثمارات في ميدان جمع النفايات المنزلية والرسكلة فمراكز الردم التقني قد بينت أنها محدودة في قدراتها فهذه المراكز تستهلك حقولا كثيرة وتنتج الميثان بكميات غير قابلة للاستغلال. إن غزو العمران الشرس على العقار الزراعي في شمال البلاد يدعو إلى الفصل العاجل لقطاع العمران عن السكن والبناء بشكل عام.

 

وتعود المشكلة إلى فقدان التقاليد الموروثة حول تسيير الكثافة السكانية في الشمال إذ تقوم الحكومات المتعاقبة في كل عام بتسوية مخططات عمرانية هي في الأصل مشاريع يفترض تجسيدها على المدى المتوسط. لقد حدث ما يحدث في كل وقت أن بنت السلطات العمومية على أراضي فلاحية ثم قامت بتسويتها في وقت متأخر لأنها كانت تستجيب للطلب لدواعي سياسية فرضت نفسها عندما كان من الضروري شراء السلم الاجتماعي بأي ثمن.

 

لقد تم تبيان جميع العيوب في الشكل والممارسات أثناء النقاش حول القانون التوجيهي للمدينة الذي بادر به الوزير المنتدب الأسبق للمدينة المرحوم عبد الرشيد بوكرزازة. ومن هنا فإذا اجتمعت التهيئة العمرانية والتخطيط والاستشراف وحدث بينها التكامل ستعود بالنفع. ينبغي في هذا القطاع خفض الضغط على الشمال وتأهيل الهضاب العليا والجنوب بالسكان. 

 

ومن جانب آخر سيكون من المفيد جدا أن تجمع القطاعات الملتهمة للميزانية بإعادة هيكلة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لتشمل معها التسيير المالي والاجتماعي للمجاهدين وذوي الحقوق بحيث تأخذ اسم وزارة للعمل والشؤون الاجتماعية والتضامن. لقد حان الوقت أن تتم هيكلة قطاع الرياضة بعيدا عن قطاع الشباب ويمكن أن تنشأ وزارة الرياضة المدرسية والجامعية والنجاعة على أن توكل اللجودة لنيابة وزارة. والشيء ذاته قد ينطبق على وزارة الشباب والثقافة والسياحة التي ينبغي أن تزود بكتابتي دولة أولهما مكلفة بالثقافة والسياحة والثانية مكلفة بالإنتاج السمعي البصري والصناعة السينماتوغرافية. 

 

سيأتي تمويل هذه القطاعات من استرجاع الأموال التي صادرها “البوسم” و”الرهان الرياضي الجزائري” الذي ينبغي أن تعاد هيكلته ويجدد ويسمح للناس بأن تحلم بعد أن تتحمل الدولة عبء تحويل هذه النشاطات إلى الحلال. لقد صار عندنا عاديا أن نجري القرعة حول الحج إلى درجة أننا نحرم أفرادا قادرين على أدائه ثم يموتون قبل أن تختارهم القرعة والعربية السعودية تضبط الحج حسب إمكاناتها المادية مع أنه مفتوح لجميع المسلمين القادرين على أدائه. لابد من إعادة النظر في الرهان الرياضي الجزائري لتحديثه لأن السلطات العمومية لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام بؤس الشباب دون أحلام.

 

وثمة قطاعان كبيران يجلبان انتباهي وأشعر كمناضل بالمسؤولية تجاههما، أردت الحديث عن قطاع الطاقة والمناجم، فالمناجم لا علاقة لها بوزارة الصناعة التي أعلنت عن تراخيص استيراد السيارات لاستنزاف ما تبقى من الأموال.

 

لابد أن تتزود وزارة الطاقة والمناجم بكتابة دولة للطاقات الجديدة بدء من الطاقة الشمسية في الصحراء خاصة المناطق الصخرية والتي من الصعب الاستفادة منها.

 

تعترض قطاع الفلاحة مشكلة كبرى وهي مشكلة المساحات الزراعية الصحراوية لذا ينبغي أن تحل الوضعية الإدارية للمساحات التي لا يمتلك أصحابها عقودا خاصة. لا أفضل أبدا اعتماد الحلول النهائية لكي لا تبدد الأراضي العامة ولا أن يجرد أصحاب القرارات غير المعترف بها بعد عام 1970. بالمقابل نقترح إحصاء سريعا لهذه الأراضي والسماح لمن يطالب بملكيتها بأن يستغل هذه المساحات وتستأجر لمستغلين آخرين ذوي القدرات المالية لفترة 10 سنوات. وهو القوت الكافي للسلطات للقيام بالتحقيقات الضرورية. ومما يبعث على الارتياح أن لا تضيع الجزائر بذلك 10 سنوات وهي تنظر بسلبية إلى المساحات الكبرى الخصبة وهي تضيع هباء منثورا.

 

كانت هذه بعض النقاط التي يمكن ان تمثل مقترحات حقيقية لنقاش مثمر. ليس هناك بلد في العالم يمكن أن يقاد بعيدا عن الحياة السياسية بالرغم من وجود توجهات ملكية وديكتاتورية في كل العالم دون نتيجة. مثل هذه البرامج بحاجة إلى دعم النخبة والسياسيين والمجتمع المدني ولابد من البحث عن هذا الدعم وإثارته واستفزازه بجميع الطرق.

 

ويمكن للحكومة عن طريق الإذاعات المحلية أن تكون في كل صباح بجانب ربة المنزل، أي الأم والزوجة والجدة والبنت وسائق السيارة دون الحديث عن جاليتنا بالخارج عن طريق النت. ومن هنا لماذا لا يعاد تأسيس قطاع الاتصال بأن يضاف إليه بشكل تضامني وتعاضدي القطاع الرقمي وتكنولوجيات الاتصال. وهل من الضروري أن نوضح أن معركة التنمية التكنولوجية هي أيضا معركة محتوى.

 

إن الحكومة المقلصة بهذا الشكل ستربح عامل الوقت من البداية فمركز القرار يكون موحدا ومجردا من البيروقراطية لن يكن مبعثرا ولا متفرقا.

لا يمكن أن تتلاءم الدولة الحديثة مع اقتصاد ريعي ومن يفكر في مصير الموظفين الذي يجدون أنفسهم على هامش إعادة الانتشار هذه يحسن بهم البحث والتفكير في تأهيل الكفاءات في المسار الاقتصادي أو الاستثمار في مجالات اقتصادية أخرى مثل الخدمات والصناعة والتجارة والفلاحة فكل قطاعات النشاط تعيش العجز في مجال الكفاءة والمعرفة.

 

لا ننسى أيضا أن الصندوق الوطني للتقاعد على وشك الإفلاس الذي سيكون بالنسبة لنا جميعا ودون استثناء إفلاسا احتياليا من الناحية السياسية.

 

كان القس مارتن لوثر كينغ يقول ما معناه: “الليل لا يدفع الليل إنما النور هو الذي يدفع الظلام”. يمكن لي أن أختتم هذه المساهمة المتواضعة بالدعوة إلى الحد من وتيرة حياة الدولة ثم تقليصها قبل أن تصبح جزءا بسيطا من النفقات الكبرى لدولة قوية بفضل جدارتها ليس إلا.

لندعو الله الرحمن الرحيم جميعا أن يهدي كل جزائري إلى الوحدة والصحة والازدهار والاطمئنان.

عبد الحميد بن حملة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك