عبد الحميد بن حملة

كومندوس حكومي للخروج من الأزمة

ترجمة احسن خلاص

الجزء الأول

 

ليس خفيا اليوم عن عامة الناس أن البلد الذي لا يتجدد سيكون عرضة للتأخر والتقهقر. وأقل ما يمكن أن يقال عن وضع الجزائر أنه اليوم في مفترق الطرق، وأن الشعب وضع في حالة انتظار وترقب لحكومة جديدة. وهنا ينشأ التساؤل: ما هو التغيير الحكومي المنتظر؟ إذا كان هذا التغيير يعني استبدال وزير بآخر فهو شيء يدعو إلى الإحباط إذ لا جدوى ولا فائدة منه. أتذكر مقالين صدرا في السابق، أحدهما على صفحات جريدة “الجزائر الأحداث” وهي أسبوعية تعددية ضحى بها التفكير الأحادي والثاني كان في جريدة المجاهد. محتوى المقالين لا يزال يشكل حديث الساعة مع أن عمرهما يقارب أربعة عقود الأول مقال بعنوان: “اشتراكية البقرة الحلوب” لنور الدين بوكروح والثاني بعنوان:”اقتصاد البازار” لعمار بلحيمر.

 

بين صدور المقالين واليوم هناك تنوعات ومتغيرات تطورت على خط مستقيم وغير مثمر. في الحقيقة لم تتغير الجزائر بالنسبة لهذا كما لم تتغير بالنسبة لذاك وكأن شيئا لم يتغير منذ ذلك الوقت. وإذا عدنا إلى الواقع المر المعاش اليوم فنجد أن المتوقع لعام 2021 عجز في الموازنة يقارب 17.6 مليار أورو (حسب توقعات صندوق النقد الدولي على ما يبدو).

 

الملاحظ بكل أسف أن النشاط السياسي المتين والنشاط الجمعوي الحيوي قد تقلصا كثيرا وحتى الخطاب السياسي والاقتصادي والاجتماعي ذي الصدى، إن وجدناه، فهو وليد الرئاسة أو الإدارة وورشات التنمية أيضا إن وجدت فمصدرها الإدارة البيروقراطية. لقد صار كل خطاب يحمل أملا من الحكومة لا يعدو أن يكون وهما لأن الجميع ينتظر التخلص من هذه الحكومة في بضعة أسابيع على أبعد تقدير. هذا هو التحليل العام للملاحظين.

 

لقد اكدت التجربة السياسية في كل مكان أن لا أحد يمكنه أن يدخل السرور إلى الشعب دون علمه وهذه العبارة استعرناها من أستاذ جامعي كبير.

 

حدثونا من قبل عن مليون سكن ينتظر الإنجاز في خمس سنوات. هذا شيء جيد في ذاته غير المتوقع في البداية كان إنجاز المليون الأول لنجد أنفسنا اليوم وقد أنجزنا أربعة ملايين وحدة سكنية ومع ذلك لا يزال البلد يعيش ويحتضن الأزمة السكنية ذاتها ولا شيء تغير أمام مجهول خطير في المعادلة اسمه النمو الديمغرافي السريع الذي لم يؤخذ في الحسبان في جزائر تراوح مكانها بين الممنوع والحرام فمعتقداتنا  التقليدية شديدة الإيمان بأن كل طفل يولد يحمل معه رزقه لكن المستقبل سيجعل كل طفل يجد قسطه من الديون لتسديده.

 

الجزائر التي تنتج الخمور وتدر بها مداخيل ضخمة تستفيد منها خزينة الدولة هي نفسها التي تغلق أو تغض الطرف عن غلق متاجر ونقاط بيعها مع أنها تمول بدورها الضرائب. مع كل متجر مغلق تفتح ثلاث إلى ست “محشاشات” في الخفاء ولاستعمالات تتعدى تجارة الخمور.

 

ستبقى جزائر التناقضات على حالها لزمن أطول لأننا، نحن المؤمنين، نستحل اليوم ثروات أولادنا الآن وثروات أولادنا في المستقبل.

 

تحضر الجزائر في هذه الآونة لانتخابات جديدة دون أن ندرك ما الفائدة منها وما إذا كان هناك ما يدعو إلى التعجيل بها لأن الانتخابات التي لا تحدث القطيعة ستؤدي منطقيا إلى النتائج ذاتها. وإذا كانت الديمقراطية ضرورة فهي ليست كذلك لبلد في طور البناء إن لم نقل على حافة الانفجار. فرحم الله سي سليمان عميرات الذي كان يقول “بين الديمقراطية والجزائر سأختار الجزائر”.

 

من الذي سيزكي القانون العضوي المتعلق بالانتخابات؟ قد يكون من الأفضل أن يصدر على شكل أمرية من أن يمر عن طريق نقاش برلماني. قد يقال إن هناك تحيزا للرئيس غير أن هذا أفضل من أن يمر على برلمان معترف به أمام المحاكم بأنه ممثل في جزء منه للشكارة.

 

بعد الانتخابات تتوجه الأنظار إلى الحكومة التي ستنبثق عنه البرلمان الجديد ويسود الترقب حول أصالة هذه الحكومة ودرجة تمثيلها للسيادة الشعبية فضلا عن خصوصيتها وبرنامجها المفصل الذي ينبغي أن يحتوي على أهداف قصيرة ومتوسطة المدى بحيث يكون مفهوما ودقيقا حول الزمان والمكان ومقبولا لدى أسماع وأبصار المراقبين.

 

لقد تأكد اليوم أن الظرف لا يسمح اليوم للشعب ولا للرئيس بأن نكتفي بحكومة بسيطة يتم فيها استبدال تركيبتها من النساء والرجال فالمطلوب إعادة بناء معمقة لحكومة مكافحة.

 

قد يكون من الأفضل أن تنشأ وزارة كبرى للاقتصاد والمالية لإعادة تنظيم المساهمات الرأسمالية للدولة وضمان استثمارها. وللقيام بذلك لابد أن تكون قريبة من مركز القرار على أن تدعم هذه الوزارة بنواب وزير وكتاب دولة.  وفي غياب كيانات سياسية نشطة وممثلة ينبغي تنظيم ملتقيات تفكير تلقائي مع المختصين والجامعيين لتحديد أفضل التحركات وأقلها تكلفة من الناحية السياسية. ومن هنا فإنه من الضروري رسم سياسة نقدية متطابقة مع القدرات الخاصة للاقتصاد الوطني وإمكانياته الحقيقية

وإعادة النظر في قيمة الدينار (نحو دينار جزائري الجديد؟) لامتصاص الكتلة النقدية المتداولة في السوق الموازية ولا بد من الذهاب أبعد باتخاذ قرار تغيير الأوراق البنكية الكبرى مع منح الوقت الضروري للأموال المكتنزة لتعود إلى المسالك البنكية (التفكير في عفو جبائي لفائدة الذي يعيدون أموالهم إلى المسلك العمومي). كان المرحوم عبد الحق بن حمودة يقول لنا إنه يؤيد عفوا لفائدة الذين حولوا أموالهم إلى الخارج بشرط أن يعيدوا إدماجها في مسالك اقتصاد البلاد.

 

إلى جانب الإصلاح النقدي يمكن إحصاء وإعادة تقييم مستوى استغلالية المناطق الصناعية ومناطق النشاط وإشراك المستثمرين في تأهيل مجموع مواقع النشاط الاقتصادي، يضاف إليه إجراء فحص سريع حول رؤوس الأموال المتنازل عنها مع حل المؤسسات وإعادة هيكلة الوكالة الوطنية للوساطة والضبط العقاري بتحديد مهامها لتتطابق مع ما تتطلبه الاختيارات الصناعية للدولة.

 

في مجال الاستثمار أيضا يمكن التوجه إلى تقليص المزايا التي تمنحها الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار لتوجه فقط إلى القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالإقلاع الاقتصادي.

يتبع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك