“ عُذراً فرنسا .. لا زلنا أحياءً عند الله نُرزق..! ”

اليوم الوطني للشّهيد المصادف للثّامن عشر من فيفري

بقلم: أ. إسماعيل مغزي (أستاذ التّعليم الابتدائي)                      

الشهيد الجزائري وسيْراً خلف مجد المواقف البطوليّة الذي لا يزول سطّر ملحمة تاريخيّة عن جدارة واستحقاق على أرض طيّبة، طاهرة وزكيّة ارتوت بدمائه، هبط كشّلال جارف من أعلى قمم الونشريس والأوراس يُدمّر الحجر والشّجر، يدوس على الأخضر واليابس فشقّ طريقه بنجاح نحو الخامس من جويلية سنة 1962 يوم العزّة و الكرامة والاستقلال.

 

الشّهيد.. قصّة لا تزال تُروى

حضي الشهيد بالتكريم والتبجيل لما خصّه به الله من مكانة حميدة، وعرفانا له لما قدّمت يداه من تضحيات جسام فهو  الذي لبىّ وضحّى بالروح والجسد دفاعا عن الوطن والحرية والشرف  فكان من زمرة الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدّلوا تبديلا، وقد خُصِّص تاريخ 18 فيفري كيوم وطني للشهيد وتهدف هذه المناسبة إلى إرساء الروابط بين الأجيال وتذكير الشباب بتضحيات الأسلاف من أجل استخلاص العبر  والاقتداء بخطّهم الشريف.

 

ماذا تعرف عن اليوم الوطني للشّهيد؟

اتُّخذ يوم 18 من فيفري من كل سنة يوما للاحتفال بذكرى الشهيد عرفانا بما قدمه الشهداء من تضحيات جسيمة ويمثل هذا اليوم وقفة لمعرفة مرحلة الاستعمار التي عاشها الشعب الجزائري في بؤس ومعاناة وهذا لأن التاريخ يمثل سجّل الأمم وتحتفل الجزائر بهذا اليوم منذ 18 فيفري 1991 بمبادرة من تنسيقيّة أبناء الشهداء تكريما لما قدّمه الشهداء حتى لا ننسى مغزى الذكرى واستشهاد مليون ونصف المليون من الشهداء لتحرير الجزائر.

فالجزائر أمّة مقاومة للاحتلال منذ فجر التاريخ خاصة الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الشرس حيث قدمت الجزائر قوافل من الشهداء عبر مسيرة التحرر التي قادها رجال المقاومات الشعبية منذ الاحتلال سنة 1830 مرورا بكل الانتفاضات والثورات الملحمية التي قادها الأمير عبد القادر والمقراني والشيخ بوعمامة وغيرهم من أبناء الجزائر البررة، وكانت التّضحيات جساما مع تفجير الثورة المباركة في الفاتح من نوفمبر 1954حيث التف الشعب مع جيش التحرير الوطني فكانت تلك المقاومة والثورة محطات للتضحية بالنفس من أجل أن تعيش الجزائر حرة مستقلّة، وبفضل كلّ هذا وذاك سجّلت الجزائر استقلالها في الخامس من جويلية سنة 1962.

 

ماذا تعرف عن الشّهيد؟

الشهيد كما هو معروف هو من قُتِل أو استشهِد في سبيل الله بنِيّة الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ولأسباب تسميته عوامل عديدة فالله عزّ وجلّ وملائكته يشهدون له بحسن نيته وإخلاصه وبحسن الخاتمة، ويشهد الله له بالجنة، ومشهود له كذلك بالأمان من النار.

وللشهيد خصائص ومميزات تميزه عن غيره من سائر البشر:

1- أنّه حيّ يُرزق في الجنة … مصداقا لقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ .. سورة آل عمران: 169.

2- يصطفيه الله ويتخذه عن سائر البشر، فالله عزّ وجلّ يقول: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَسورة آل عمران: 140.

3- يرضى الله عنه ويرضى عن الله.

4- تُظِلّه الملائكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لجابر عن أحد الشهداء: ﴿ما تزال الملائكة تُظِلّه حتى يُرفع﴾.

5- يأتي يوم القيامة لونه لون دم وريحه ريح مسك ” والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة لونه لون دم وريحه ريح مسك “.

6- يُحِبُّهم الله ويضحك لهم .. يقول الله تعالى: ﴿إن الله يُحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص .. سورةالصّف: 04.

وللشّهيد كذلك عند الله عزّ وجل خصال يغفر له من أول قطرة دم ليرى مقعده من الجنّة، ويُحلىّ حلة الإيمان، ويُزوَّج من الحور العين، كما يُجار من عذاب القبر، ليُوضع على رأسه تاج الوقار.

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

رَحِمُ الجزائر وَلاَّدٌ للأبطال دوما؛ مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد، محمد العربي بن مهيدى، زيغود يوسف، العقيد عميروش آيت حمودة، البطلة حسيبة بن بوعلي…. والكثير من الشهداء رجالاً ونساء ممن نحتوا بحروف من ذهب أسماءهم في سجّلات التّاريخ الجزائري، قد أدّوا ما عليهم، وحقّقوا حلم الشعب، في انتزاع الحرية، واسترجاع السيادة الوطنية، وإعادة الإحساس بالحياة، بعد أن غُيِّبت عنه أمدًا طويلا، فما عسانا أن نفعل، ونحن اليوم في رحابهم، وكأنّهم بيننا ونحسب أرواحهـم تُعطِّـر أجواءنـا في هـذه اللحـظـات التاريخية المميزة والتي تلزمنا تجديد العهد والوفاء لهم، وأن نكون في مستوى تلك التضحيات، بالعمل وبذل المزيد من الجهد، ونكران الذات، وأن تكون ذكراهم ملازمة لنا في كل ما نقوم به من عمل، وبذلك نكون قد برهنا على أنّنا خير خلف لخير سلف.

 

غادر الشّهيد بعدما لامس بواقعيّة حلم الحريّة، رحل من كان يعتبر الأرض والوطن أغلى من نفسه وأهله، أفِل البطل في هدوء، لتُذرف مع كلّ مناسبة وطنيّة دموع الرّجال والنّساء والشّيب والشّباب يا جزائر، ولسان الحال اليوم يقول انطلقوا من جديد ولتكن ضرباتكم من حديد فتعمّ بيننا البشائر ويرفع الشّهيد سيفه من جديد بعدما شرخ بالأمس القريب كبار المستعمرين في العالم واقفا بشموخ وافتخار فوق قمم الجبال فيصرخ ونصرخ جميعا بعزّة، وكرامة وصوت واحد .. “عذرا فرنسا .. لازلنا أحياء عند الله نُرزق..!

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك