غواية الزنزلخت للمبدع عبد الله رضوان

متابعات

بقلم: رائد محمد الحواري

 

الأدب يبقى جاذبا بصرف النظر عن نوعه أو جنسه، فالنوع ليس مهما بقدر امتلاك النص للنواحي الفنية الأدبية واللغة وطريقة تقديمه، في “غوايات  الزنزلخت” نجد  شكل ونوع وطريقة تقديم ولغة استثنائية، فنحن أمام تشكيل أدبي يجمع أكثر من نوع وجنس، فهناك القصيدة، وهناك الرواية، وهناك الرسالة، وهناك الخاطرة، وهناك المذكريات/السيرة، كل هذا نجده في هذا الكتاب المتميز، وهذا ينسجم مع ما جاء عن نوع الكتاب “رقش خارج النص” فرقش التي تعني تعدد الألوان/الأشكال، تنسجم تماما مع شكل تقديم الكتاب.  

فشكل التقديم ونوعه الأدب الذي نقرأه لا نجد له مثيل في اي كتاب آخر، من هنا لم يتم بطلة النص “ميري

 

المكان

 

السارد يتناول المكان في اكثر من موضع، فهو يحدثنا عن المخيم بقوله: “…تقرع صباح المخيم الطري” ص91، إذا هو فلسطيني مشرد من وطنه، لهذا نجده لا يتوانى عن ذكر فلسطين ومدنها: “…فاليقين مفقود، لكل من ولد سنة الخروج الكبير من فلسطين، لا أرى يالضبط مكان ولادتي، ولا زمانها، ولا تاريخها” ص23، بهذا يكون السارد قد حدد المكان الذي يفترض أنه ينتمي إليه،  لكن المكان الذي يتواجد فيه الآن له أثر عليه ومكانة فيه: “… حلمنا من برتقال يافا، وربما باقة حنون أضحرتها من سفح جبال السلط المطلة على الغور الذي يلوب في سماء الهاجرة صيفا” ص103، وهذا الثنائية نجدها في مكان آخر عندما قال: “…من جبال السلط يدخل الصيف، فيلتهب الغور وتنضج كائنات الأرض، ويهرب الأغنياء إلى “رام الله والبيرة وعين يبرود وبيتين وما لا أدري من القرى والمدن” ص119،  فالمكان ـ إن كان الذي ولد فيه أو الذي يعيش فيه ـ له حضوره وأثره على “علي” بحيث (حيران) بين تحديد هوية مكان: ” …وأعلم أن من حقي أن أعيش وطني وأن أسبح في بحر يافا وعكا” ص134، وقد أوضح لنا السارد هذه الحيرة حينما قال في أحد رسائله لميري: “أحس بضياعي الكامل وطنيا، إذ لا أحس بأنني فلسطيني ليقبني الفلسطينيون، وكل محاولاتي لأن أكون أردنيا باءت بالفشل، إنهم لا يريدونني فأنا غراب أزرق نعم غراب مختلف أزرق” ص211، طبعا لا يمكن أن نأخذ هذا القول على أنه مطلق، أو جاء من خلال حالة واعية، بل كانت من خلال مشاعر مضطربة منفعلة وضعها في رسالة أرسلها لميري ليخبرها مشاعره تجاهها، وعلى أنها أصبحت وطنه.

 

علي

 

الشخصية المركزية في العمل، يحدثنا عن مراحل حياته، وعن أحداث متعددة مر بها، وعن علاقات حميمة وأخرى مؤلمة، وعن أشخاص أثروا فيه، يحدثنا عن طفولته وبداية نضجه جسديا من خلال مشهد الحمام: “… تتحرك الليفة باهزازات جميلة/ ملمس الكتف مدهش ومربك عند الارتكاز عليه خوف الانزلاق، رجرجة النهدين بحرية ودون قيود تملأ الروح فتنة، هناك رائحة ما، هناك رائحة امرأة، ثم كأنني أحسست أن أم محمد قد توقفت أكثر من المعتاد، والليفة تتحرك بين “إليتي” من الأمام ومن الخلف، وكان عودا ينمو ويتورد،  وججهي أيضا  على سرته أحسست بأنه بدأ يتور. ووجه ام محمد بدأ يتورد أيضا” ص23و25، بهذا الشكل كان نضوج الجسد يتنامى مع نضوج الغريزة والأفكار، وهذا الموقف سيكون له تداعيات أخرى صاخبة، بحيث لا يتوانى السارد عن تقديمها رغم ما فيها من (حرج).

من هنا يدخلنا إلى مشهد مؤلم وقاسي عندما تحدث عن مجموعة شباب يقوموا باغتصاب الأولاد: “…رقصت أعيننا خوفا  ورهبة، انكسر شيء داخلنا، قال يوسف، بحده ماذا تريدون؟… بصوت عميق وواثق قال حسن: اشلحوا ..هيا اشلحوا.

 

ماذا تريد؟! …هتفنا بصوت واحد

 

ـ قلت اشلحوا وإلا … وحرك “الموس” في وجهننا… أما يوسف فقد أصبح  مطية لنا جميعا، أصبح في عينه نظرة مغايرة، انكسار حزين، لم يعد يوسف الذي نعرفه لقد أصبح مطية للجميع بما فيهم أنا نفسي، من يومها قرر الولد علي أن لا ينكسر لأحد فنظرة الانكسار في عين يوسف لم تبارحه أبدا/ لذا قال في نفسه مؤكدا “أموت ولا أنكسر، وهو هو الآن في الرابعة والخمسين أو حولها، ولم ينكسر بعد، مرت عليه اأحوال فقر، ومنظمات ثورية، وأحزاب سياسية، وضغط الوظيفة، والحكومة والمخابرات…لكنه ما زال كما هو، لم ينكسر” ص36و37،   رغم أن “علي” نجى من الاغتصاب إلا أن أثر المشهد ما زال حاضرا فيه، لهذا يذكره بالتفاصيل، ويذكر اثره عليه، وكيف أنه جعل منه شخص عصبي على الإنكسار ومستحيل الترويض.

وعن الفقر والجوع يحدثنا عن طفولته: “…يا إلهي! ما يزيد عن مائة خصلة من البلح… تحلقوا حولي… صغار في مثل عمري،  بعضهم  ترى في عينيه حقدا، والآخر بكاء، والآخر رجاء، والآخر نداء طعميني اطعمني، مش أنا أخوك، صديقك، حبيبك؟ يا خوي حبة” ص123،  نلاحط أن السارد يستخدم اللهجة المحكية، فرغم أنه شاعر وكاتب وناقد، إلا أنه يلجأ إلى ما تحفظه ذاكرة الطفل فيه ويحثنا من خلالها، وهذا يؤكد على ان هناك مفاصل في الحياة لا تمحى ولا تزول، وكأنه يقول  من خلال هذا المشهد  يقول: أن الجوع كفر، وأن الفقر مصيبة، وهذا دعوة غير مباشرة   لمحاربة الجوع والفقر.

وعن التعليم وكيف كان فيقول: “…عذاب معلمنا المعقد…يضربنا بالعصا كأننا ابناء العشرين، ونحن الصغار الصغار” ص140، فكل من تعرض للضرب/للتعذيب لا يمكن أن يقبله أو يمارسه حتى بحق من قام بإذيته، وهذا دعوة أخرى للتخلص من عادة ضرب الطلاب والأولاد التي يمارسها المتخلفين، إن كانوا معلمين أم آباء.

 

ميري

 

بعين الطريقة التي كشف فيها “علي” عالمه وما فيه، تتحدث “ميري” عن نفسها كأنثى: “أنظر إلى الوراء لأجد عمي آه عمي الذي يصر على أن يضمني كلما سنحت له الفرصة بداعي المحبة يشد جسدي إليه يحتك بي بقوة، … وصديق أبي الثري، الذي دعانا لقضاء يوم في مزرعته، وفي غفلة عن والدي حاول ان يعلمني السباحة، في البركة الملحقة ببيته الريفي فيمسك صدري بكلتا يديه لئلا أغرق في الماء حسب ادعائه، … فأهرع إلى قطعة القماش الخفيفة، التي كانت والدتي تفردها فوق الملابس التي أقوم بكيها، أربطها ليلا حول ثديي اللذان بدءا يكبران  ليتوقف نموهما، وأحتمل في سبيل ذلك ألما فوق طاقتي” ص196، فالحديث عن نطرة وعلاقة الآخرين لها كأنثى مشتهاة يعد تجاوز للمحرمات، فهذا الأمر لا يجوز الحديث فيه، خاصة عندما يكون صادر عن أنثى، بين لم تبلغ بعد، لكنها تتناول مواقف لأشخاص كان من المفترض أن يكونوا حامين لها ومخلصين لوالدها، لأن الأول كان عمها، والثاني صديق والدها، كما أن فارق العمر بينها وبينهم كبير مع هذا انزلقوا إلى الغريزة الحيوانية دون مرعاة العمر أو القرابة أو الحال التي كانوا فيها، وهذا اشارة إلى توحش الرجل على المرأة التي ينظر إليها كفريسة متى انفرد بها اقتنصها.  

وتخبرنا عن الممنوعات التي يضعها المجتمع أمام المرأة من خلال موقف والدها بعد أن علم  انها ترسم أجساد نساء عارية، وكيف يكون منفعلا وغاضبا: “…خرج أبي. مزق الورقة، سب ولعن ولم يترك مفردة إلا استخدمها،مقسما بكل قيمه، وايقوناته، وربه، أنه سيذبحها ويذبحنا جميعا إذا تكرر ذلك، أصمتـ الصوت العالي لا أحتمله من يومها، وقد قررت أن لا أعطي أحدا شيئا لا ورقة ولا رسما ولا أي شيء، …الصوت العالي لا يطاق، يخترق الدماغ، ويدمر الحواس…قررت أن لا أرسم ولا أكتب، بل أن اتعلم الموسيقى، الموسيقي لا تجسيد مادي لها، هي الروح المطلقة، فيها وبها أرسم وأكتب وأصنع ما أريد، فهي لي وحدي” ص165 و166، فهنا تتماثل حالة ميري الطفولة مع حالة “علي” فكلاهما يحدثنا عن طفولته وبداية نضوجه، وأثر الآخرين عليه.

 

تحدثنا عن “وهاب”  الذي أعجبت به الحامي لها وملاذها وقت الشدة: “…لكني لا أراه كما ترى زميلاتي أحبائهن، باختصار لا اشتيهه، كأنه ليس رجلا، لكنه يشعرني بالأمان حين يكون موجودا،  أكون مطمئنة، كأنني في بيتي، أو حتى في غرفتي، …لكنه لم يحدثني يوما عن مشاعره كرجل، عن اشتياقه ولوعته، لم يشعرني بحاجته الجسدية لي، بل حين ذكرني بلقائنا في العيد الكبير في الكنسية، اشار إلى  أنه أمسك بيدي اليسرى،…وهاب لا يصلح زوجا لي، أريد رجلا خاصا بي، أريد رجلا يشتهيني كامرأة، يحترق من اجلي، أحس بعضوه الذكري، برغبته بي، بجنونه أريده أن يغار علي، أن يكون وترا مشدود دائما حولي  وحوالي، أريد رجلا مغامرا قويا عاشقا لا مجرد زوج، أريده حبيبا” ص180و181، تتمرد “ميري” بما تخبرنا به، ما تريده كأنثى وكامرأة من الرجل، فهي تتحدث بحرية مطلقه عن ذلك الرجل الذي تريده، الرجل الذي ترغب فيه، وهذا يعد ثورة على واقع المرأة، خاصة إذا علمنا أن هذا القول صدر في العقد السادس من القرن الماضي، فهذا البوح  بالكاد نسمع شيئا  منه أو مماثلا له في هذا الزمن، وهذا ما يجعل “ميري” امرأة تتمرد على عصرها والعصر الذي سيأتي لاحقا

تتقدم “ميري” أكثر وتحدثنا عن ليلة الدخولة، وكيف كانت مشاعرها حينما وقعت ووافقت على زواجها من “إلياس”: “شيء هبط في داخلي، بيتي، زواج ورجل ومسؤولية، أسرة، ما الذي صنعته بنفسي؟، حتى لو كان إلياس، أليس نسخة عن أبي، ما هذه الورطة يا ميري، أين عقلك، ما الذي صنعته؟ تمنيت موتي “أو موت إلياس. تمنيت حدوث كارثة ما تعيق الزواج، تمنيت مشكلة كبيرة تعيد الجميع إلى البدايات…كأني ماضية إلى حتفي…أراقب ما يحدث كأنني متفرجة على ما يدور، كأن ميري أخرى لا أعرفها، ولا تهمني، هي التي ستتزوج. …وأنا أتمنى لو أن السيارة لا تصل/ أن نتوه بعيدا، أن تنتهي هذه التجربة، لا زواج ولا هم، لكنها مجرد دقائق صمت، ثم تجمع الركب، أنهينا طقوس الكنسية ثم ذهبنا إلى الفندق، سهرنا، رقصنا، شربنا، وما هي إلا سويعات قليلة حتى كنت وإلياس في غرفة الفندق وحيدين، يمسك بيدي أشعر بخوف، ويداي ترفعان طرف ثوب الزفاف، فجأة ذهب الجميع، ودخان في رأسي، واضطراب بسيط في معدتي، أوصلني السرير، وعاد إلياس إلى الباب، أغلقه باحكام، دخل الحمام، ليخرج بعد دقائق … أشار لي بالدخول…نظرت إلى المرآة، لم تكن ميري، رايت كائنا آخر تماما، وجه مورد بالحمرة، زوغان في نظرة العينين، عرق خفيف على الجبين، دوران خفيف في الرأس رغبة  في النوم، لقد أفرطت في شرب الشمبانيا، …كان بانتظاري جاهزا مستعدا، وخافظا درسه تماما، …ارتخيت حد النوم، ولم أستيقظ إلا صبيحة اليوم التالي، لقد قام بمجمل العملية، كأنه قام بالدورين معا، لاحظت دماء على عدد من المحارم، بقايا دم جافة أسفل فخذي، وطارت عذؤيتي، مثل كذبة صغيرة،…لكنني تساءلت بحرقة: ألهذا خلقنا؟ للدم والولادة، ولرغبات الرجال، قبيحة أنت يا دنيا، بل قحبة كبيرة مجربة” ص186و187،  قلة هن النساء اللواتي تحدثن عن مشاعهن ليلة الدخلة، وهذا يعود إلى المحرمات والممنوعات التي يضعها المجتمع أمام الأفراد، فالحديث عن الجنس من المحرمات التي لا يجوز تناولها ـ حتى من الرجال ـ  فما بالنا بالمرأة، التي تتعرض لضغط مزدوج، ضغط النظام الرسمي، وضغط المجتمع/الأسرةّ!.

من هنا نقول أن حديث ميري بهذا الأمر يعد  ثورة على واقعها كامرأة شرقية، ترفض أن تكون ضمن قطيع النعاج، واللافت فيما قالته، أنها تناولت الحالة النفسية التي تمر بها المرأة وقت دخلتها، فهناك شيء متعلق بالرجال، وكيف امضى تلك الليلة، لكن لم نسمع شيئا عن النساء، إلا ما تحدثت به “نوال السعادوي”, وهذا يضيف ميزة معرفة ونفسية عن حالة المرأة.

 

ميري وعلي

 

الدوافع لإقامة علاقة بين الرجل والمرأة تأتي لأكثر من سبب، يوضحها علي بقوله: “…إن الحالة التي وضعتني فيها ميري هي أكثر عمقا وخصوصية من ذلك، حالة اقرب إلى التواصل الصوفي، مع اقترانه بلذه  مادية عميقة، شباييك في الرأس تفتحت، لتسيل منها اللذة كنبع فاض عن حده، أقصى ما أردته أن أحضنها، أضمها إلى صدري، ربما ألمسها لمسا خفيفا كما ألمس الزهور، …حاز كهرومغناطيسيا يحيط بالجسد، يدافع عنه، ولا يستطيع باختراقه طوعيا..  اقتربت مني، ضممتها برفق، ضاعت اللغة، لا داعي للغة التي تقف حاجزا بيننا،  حضنتها بيدي، اقتربت من وجهها دون وعي أو قصد أو ادراك، كأننا دخلنا العالم معا، كأننا نعرف بعضنا من الف عام… كنت أشرب ولا أرتوي، …يا إلأعب ولا ارتويـ …أنفاس متوالية تدخل الشهقة إلى الداخل، لا خروج ولا رواء، وهي مستسلمة، كالنائمة، وجه فتان، وجسد أكثر فتنة وبهاء، لكن الحالة لا علاقة لها بالجنس، أو هي فوق الجنس، أو جنس من نمط آخر، فللعشق لغة مختلفة، لا يعرفها إلا من أكتوى بالحب” ص147-148، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع نجد في تداخل وتشابك بين العلاقة الروحية والجسدية، فالبداية كانت من خلال القوة الكهرومغناطيسية، الناتجة عن الرغبة/الإشتهاء الجمالي والروحي والجسدي فيهما، ورغم أن هناك وصف لعلاقة جسدية، إلا أن “علي” يؤكد انها ليست جنس، أو هي ليست الجنس المتداول، بل هو حالة آخرى، حتى هو نفسه لم يستطع توضيحها.

 

 المجمع بي الجسد والجمال والروح نجدها في إحدى رسائله: “ليتي الماء لأشربك، أو أشري نفسي، هذه القطرات التي تتوزع على جسدك، كيف أصل إليها، أتوق إلى شربها، إلى الارتواء من جسدك، وبجسدك، …أريد أن أصب الماء عليك، وأحرك رغوة الصابون، أدورك، وأدور حولك بقدسية واحترام، وبرغبة، وشبق، وحلم، وتطلع، …جسدك المقدس، …وأنت واقفة ببهائك العالي، عشتار العظيمة مانحة الخصب والماء، أرى تفاصيل جسدك، أراك بعيني وبروحي” ص221، بهذا الشكل نتأكدة أننا امام رجل وامرأة، أمام عابد ومعبود، أمام رسام ولوح، أمام جسد وروح، أمام حبيب وحبيبة.

 

 نوع وجنس الكتاب

 

سنتوقف عند بعض ما جاء الكتاب، لتبيان أن الشكل يتمرد على النوع/على الجنس، وعلى أننا امام نوع أدبي جديد غير معهود، فهناك مجموعة مقاطع شعرية كان يمكن أن يكون ضمن ديوان:

“قبلتها موسيقى البوح

نكهة تفاح سكر

تلدغ بالنرجس

ممكلة العشاق

تنادي

خذني في ملكوت رضاك

أنا الأجل

قبلتها غزال رف حساسين يرغول في غبطة

يصاعد بين فراشات اللذة

مكتمل

ثمل قبلتها أمل” ص21،

في هذا المقطع نجد الباطن المطلق، حيث تجتمع الفكرة البياض مع الألفاظ، تشكل معا حالة شعرية (غارقة) في الجمال، واللافت أن المرأة توجد/تخلق عنصر فرح آخر هي الطبيعة التي نجدها في: “تفاح، سكر، بالنرجس، غزال، حساسين، فراشات” ونجد العنصر الثالث الكتابة/الفن الذي نجده من خلال: “موسيقى، تنادي، يرغول” وبهذا تجتمع ثلاثة عناصر للفرح، المرأة الطبيعة، الكتابة/الفن معا، ويبقى عنصر واحد لم يستخدم وهو التمرد/الثورة.

من هنا  يمكننا القول أن وجود مقطع بهذا المستوى الرفيع في كتاب نثري، يمثل (مغامرة) من الشاعر، لكنه تعمد أن يكون ضمن بناء أدبي جديد لم يُطرح/لم يُقدم، فكان رهانه صائبا وصحيحا.

 

ويقول في موضع آخر:

 

“هل كنت أحلم في الضحى

 

أم أنها

حضرت

فأشرق ظلها  

ما بين شوقي

في المنام وصحوتي

ذا شعرها

شلال ليل ساحر

بل فتنة

ذا وجهها شمس من الأقمار

حلم ساطع

 يفيض الاشتهاء مجسدا

في حده

شفتان كمثري

قوسان

عند الباء

جنة عاشق

نون من الدحنون

زهرة الجلنار

والسين خلق

كالثعلب

ينسلون خطئية

والميم

موتي في التقاء حدودها

دفء الرضاب

توحد عينان

 

برق خاطف” ص42و43، ما يحسب لهذا المقطع إحساس الشاعر الذي يظهر  في الكلمات والحروف، فهناك مجموعة كلمات متعلق بلفظ الشروق: “فأشرق، ظلها،   صحوتي، ليل، شمس، الأقمار، ساطع” وهناك ألفاظ تتكون حروفها بما يمثل حروف شوقي: “فأشرق، شعرها، شلال، شمس، الإشتهاء، شفتان” وهناك الفاظ  تشير إلى الرغبة بلقاء الآخر/الحيبية، رغبة بالثنائية: “شفتان، قوسان، عينان”، فمثل هذا المقطع هو مقطع شعري متميز، كان يمكن الإحتفاظ به والمفاخرة بهذه اللغة وهذه الألفاظ  وهذا المعنى.

كما نجد مجموعة رسائل في خاتمة الكتاب، وهذا الوجود في النهاية يشير وكأنه هناك نهاية أراد الكاتب أن يوضح مواقفه مواقف”ميري” مما جاء من أحداث في الكتاب، فالرسائل كانت مبتادلة بينهما، يقول في رسالة “حبيبتي وطني”

اعترف أن حبك مختلف، وأن إحساسي بك مختلف، أعترف أنني أحس بضياعي الكامل وطنيا، إذ أحس بضياعي الكامل وطنيا، إذ لا أحس بأنني فلسطيني لباقي الفلسطينيون، وكل محاولاتي لأن أكون أردنيا باءت بالفشل، إنهم لا يريدونني فأنا غراب أزرق نعم غراب مختلف أزرق، أتدرين يا حبيبتي، كنت قبلك معلقا، أو لأقل جالسا على جبل من هواء، رجلاي تضربان الريح، ورأسي يعانق السحاب، لكن بلا وطن، بلا وطن، فهل تقبلين أن تكوني وطني، ميري أنت وطني … وطني.. وطني …وطني … وطني” ص211، عنصر الفرح الذي لم يتناوله في الشعر، التمرد/الثورة نجده في الرسالة، وكأنه السارد يريد القول أن المرأة/ميري أوجدت وخلقت بقية عناصر الفرح كاملة، وبدونها سيفقدها، وهذا تأكيد على قوة حضورها وأثرها عليه. 

وهناك رسالة لميري توججها لعلي معنونة “أحبك”:

“ساعة وراء ساعة، لا أشعر بمرور الوقت، وتركت العالم كله خلفي وهربت إليك، رأسي على صدرك، وأنت تقرا لي قصيدتنا، للمرة الأولى في حياتي أعرف ما معنى أن أكون امرأة  امرأة، بالمعنى العميق، وأن لي رجلي، هو لي وحدي فقط، وأنا أعشقه، بجنون أعشقه، وأن حبيبي يكتب أجمل قصائده لي، لي وحدي فقط، آه يا حبيبي، كم أنا سعيدة ومكتفية وشبعانة، ليس لي في الحياة غيرك. بحبك” ص233، نلاحظ أن اللغة لغة أنثى، وأنها تختلف تماما لغة الرسالة السابقة، بمعنى ان هناك وجود شخصين مختلفين يتبادلان الرسائل، ولكلا منهما لغته واسلوبه في الكتابة، وهذا ما يثري الكتاب ويؤكد ‘لى أن لغة الشخصيات فهي تتميز عن بعضها البعض.

وإذا ما اضفنا سرد الشخصيات للأحداث نكون أمام أكثر جنس أدبي ونوع موجود في كتاب “غواية الزرزلخت”، حيث يجتمع فيه أكثر من نوع ادبي، وهذا ما يميزة عن بقية األانواع الأدبية.

الكتاب من منشورات  دار اليازوري  العلمية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2010.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك