فنية إيصال الفكرة في قصة “عزاء خلف القضبان”أيمن الشرباتي

بقلم/ رائد محمد الحواري

 

في الآونة الأخيرة ازداد الانتاج الأدبي للأسرى في سجون   وازداد عدد الأدباء الأسرى أيضا، وهذا يحسب لفلسطين ولأسراها الذين يؤكدون بهذا الأدب على أنهم أصحاب قضية تحرر وطني، يعملون على التحرر من احتلال استيطاني عنصري، واللافت في أدب الأسرى أنه خرج من ثوب الاهتمام بالفكرة/المضمون إلى الاهتمام بالفنية والشكل الأدبي الذي يقدم فيه هذا الأدب، في قصة “عزاء خلف القضبان” تتحدث عن حياة الأسرى  داخل المعتقل،  وكيف يتلقى الأسرى أخبار الفواجع،  فمن خلال “أيمن الشرباتي” يسرد لنا القاص ـ والقاص هنا هو نفسه الكاتب أيمن الشرباتي ـ الطريقة التي تلقى بها خبر وفاة شقيقة “ذياب أبو خالد”، وهذا ما يجعل القصة واقعية، لكن هذه الواقعية في القصة اقتصرت فقط على (الحدث)، وترك القاص لنفسه  التحدث باللغة الأدبية التي يتقنها، بعيدا عن الانفعال والمباشرة والصوت العالي.

 فعنوان  القصة مطابق لمضمونها ومنسجم معه، وبما أن المكان هو السجن فإن له حضوره وأثره على القصة وعلى القاص، كما أن شخصيات القصة بمجملها شخصيات حقيقية، يفتتح القاص بقوله: “من غيوم الزمن المخيمة فوق رؤوس الأيام تسرب ضوء المصباح إلى زنزانتي فتقهقر الظلام المستحكم في زواياها، فتحت عيوني بكسل فالشتاء حتى فراش السجن يحوله إلى مغناطيس دافيء، حاولت الاحتيال على البرد فسرقت بعض الدقائق من محفظة الوقت لاشتري بها مزيدا من الدفء” بهذه الفاتحة يجذبنا القاص إلى القصة، فنحن أمام نص أدبي  يتحدث عنة المكان والوقت بطريقة أدبية لافتة بعدا عن المباشرة، والقاص لا يكتفي بهذا بل يستخدم لغة تمحو وتزيل قتامة السجن، كما أن الصور الأدبية الجميلة  تُجمل المشهد، بحيث تجعل المتلقي يشعر بأنه أمام نص متخيل عن السجن وليس صادر عن سجين أو من داخل السجن،  من هنا يكمن جمال وتميز القصة.

وإذا ما توقفنا عند المقطع السابق، سنجد أثر الوقت/الزمن على القاص من خلال ذكرة بأكثر من لفظ: “الزمن، الأيام، الدقائق، الوقت” وهذا ما يشير ـ بطريقة  غير مباشرة ـ إلى ما يسببه الزمن/الوقت من ثقل على السارد/القاص، وإذا أخذنا حالة الزمن، الشتاء وما فيه من برد: “فالشتاء، دافيء، البرد، الدفء” يتأكد لنا أن الزمن هو الهاجس عند القاص وهو يشكل عصر ضغط عليه. ونلاحظ أن السارد يستخدم أربعة ألفاظ متعلقة بالزمن وأربعة متعلق بحالة الزمن،  وهذه الثنائية الرباعية تأخذنا إلى الجدران الاربعة التي يعيش فيها السارد، الذي أوصل لنا المكان من خلال حديثه عن الزمن/الوقت، وهذا يضيف جمالية آخرى للقصة، وتحسب فضيلة للسارد/للقاص.

من خلال  هذه المقدمة يمكننا القول أن القاص استطاع أن يقدم فكرة قصة مؤلمة بأدوات جديدة غير مباشرة، وبألفاظ ولغة ناعمة وبصور أدبية، تجعل المتلقي يصل إلى الفكر بأقل الأضرار، فالألفاظ المتعلقة بالسجن والألم محدودة، واقتصرت على: “زنزانتي، الظلام، المستحكم، السجن، فسرقت” وإذا ما أخذنا المقطع بشمولية سنجد أن هذه الألفاظ تذوب  وتختفي بين تنايا اللغة الجميلة والصور الأدبية، بحيث لا تستوقف القارئ ولا تؤلمه.

السخرية

يأخذنا السارد إلى شكل يتحايل فيه على المكان/السجن وعلى السجان معا، فمن خلال اللغة الساخرة التي يتداولها الأسرى، نكون نحن القاراء قد خرجنا من أجواء السجن القامة،  وخرج معنا كذلك أبطال القصة، بحيث لا نشعر بأننا امام أدب سجون ومعتقلات، أو أمام أدب أسرى أو مساجين،  فعندما يسأل السجان “أبو شادي”: “ما الذي يجبركم على الخروج إلى الرياضة والجو على هذا الحال؟ تطوع أبو صالح المصري بالإجابة بطريته الملتوية: يا أبو شادي إننا نخصب اليورانيوم لأغراض سلمية فنستمد منها الطاقة، لا تقلق فليس هناك داعي لإخبار الجهات المختصة فيمنوعنا من الخروج إلى الفورة”.

 ولم تقتصر السخرية على الحديث عن مسألة الرياضة فحسب، بل طالت أيضا الحديث عن السجن والمحكومية التي يقضيها الأسرى في الأسر: “..عبد الهادي أبو غنيم “أبو ثائر” محكوم بالسجن سبعة وعشرين مؤبد، وحتى ولو حصل على قرضه بربا من أعمار أحفاده لما استطاع قضاء مدة محكوميته” بهذا الشكل الساخر أستطاع السارد أن يوصل فكرة السجن وقسوته للقارئ، لكن دون أن يسبب له الأذى أو الألم، فهو يقدم  مضمون وأفكار مؤلمة بطريقة فكاهية، وهذا ما يحسب له وللقصة.

وعندما يتم الحديث عن أسباب الأسر نجد هذه الصيغة: “…ياسر داوود، مسئول عن اشعال الحرائق في هشيم المناكفات،  فقبل ثلاثة عشر عاما خرج بسيف ليغزو أحد الشوارع في القدس الغربية، طعن كل من وصل إليه حد سيفه، جرح عدد من المارة كان يهتف الله أكبر واه قدساه، كنا نرد على مشاكسته لنا بتشبيهه بأحد جنود صلاح الدين من حطين، لكنه مع الأسف تاه في الطريق فوصل القدس متأخرا فلم يميز بين الصليب ونجمة داوود” 

 والأسير ينتصر على المكان/السجن من خلال اختراع أشياء جديدة وبتسميات جديدة: “محمد خان، حيث يرفع الأثقال المائية والتي عبارة  عن مجموعة من العبوات البلاستسيكة  المملوة  بالماء /مربوطة ببعضها بخيط من القماش يصل بين المجموعتين بعود خشبية عي عصى القشاطات، لقب بالرياضي البرمائي” بهذا الشكل الأدبي استطاع الأسير الفلسطين أن يتجاوز السجن والسجان وينتصر عليهم، فهو لا يتحدث بلغة مؤلمة أو بشكل قاسي، بل باللغة ناعمة وشكل جميل مُفرح، وهذا يشير إلى أنتصاره على المحتل حتى وهو في الأسر، وما يجعل أدب الأسرى الفلسطينيين متميز ولافت، فالمتلقي يتوقف عنده، ليس من باب التعاطف أو الواجب الوطني فحسب، بل من باب المتعة الأدبية التي يحصل عليها القارئ لهذا الأدب، من هنا نقول أن  أدب الاسرى الفلسطينيين استطاع ان يتجاوز حالة التعاطف الوطني/الإنساني إلى مرحلة التعامل معه كأدب مجرد، يمنح المتعة والفرح للقارئ، إضافة إلى الفكرة/المضمون الإنساني الذي يحمله، وبهذا يكون أدب الأسرى أدب كامل وشامل وجامع.

هذا الشكل وهذه الغة كانت قبل سماع الفاجعة: موت شقيق القاص “ذياب أبو خالد” لكن بعد الفاجعة كان هناك شكل آخر استخدمه القاص لإيصال ما يريده للقارئ، فكانت الصور الأدبية هي الشكل الأنسب: “…تدحرجت الدموع على وجهي تركتها بعفوية تكتب ما يدور في وجداني، فدموع من العواطف والعيون تسبقه، فأنا لا اعتبرها انتهاكا لذكورية الشرق” الصورة الأدبية التي قدمت الدموع وكأنها تتدحرج من أعلا إلى أسفل، واعطائها صفة بشرية/تكتب، تجعل الموقف ـ رغم صعوبته ـ خفبف الوقع على المتلقي، وهذا ما يوحي له بأن القاص يهتم بمشاعره، فهو لا يريد ازعاجه/إلامه بمشاهد وأحداث وبموقف مؤلمة، من هنا سيتقدم أكثر من أحداث القصة للاستمتاع ولمعرفة المزيدعن احداثها.

يقدمنا القاص من هذه اللغة والصور بقوله: ” حاول أبو  القسام منعي من الانزلاق على أرض فاجعتي فهي لا زالت رطبة من رذاذ الأحزان” بهذا الشكل استطاع السارد أن يخفف على القارئ قسوة الحدث، فهو يستخدم لغة وصور تمحو الألم وتخفف الوجع، فمشهد الأخير يشير إلى أن “مروان البرغوثي” أبو القسام لم يخفف على “أيمن الشرباتي” فقط، بل خفف أيضا على القارئ، من حلال اللغة التي جاء بها المشهد، وهذا ما يوحد القارئ مع صاحب الشأن/القاص ويجعله يشعر بشعوره.

بعد أن يستوعب القاص الفاجعة، يحدثنا بعين الغة التي بدأ بها القصة، اللغة الساخرة، يحدثنا عن صالح  الذي حاول التقاط بث محطة الحرية التي ستنقل مباشرة المسيرة التي رافقت عملية الدفن: “أما صالح فبقى منهمكا وينصب الكمين لمحطة الحرية” وعندما استطاع أن يلتقط الصوت، قدمه لهذه الصورة: ” كان التشويش ينهش بصوت أيمن القواسمي حتى التهمه، …رغم أن حبال صوته طويلة لكنها لم تتمكن من تسلق جدران السجن” إذن نحن أمام قاص يمتلك القدرات الفنية الأدبية، لهذا نجده يحرص على مشاعر وذوق المتلقي، بحيث يُوصل الفكرة  بأشكال جميلة وفرحة ـ رغم  القسوة ـ، ويستخدم لغة ناعمة وصور أدبية شيقة،  وهذا ما يجعل قصة “عزاء خلف القضبان”  تتجاوزالحدث  الواقعي/المؤلم و تتجاوز العنوان المباشر، وبهذا يكون “أيمن الشرباتي” قد زاوج بين أكثر من شكل أدبي في قصته.

 القصة منشورة على موقع “حنظلة” للأسرى والمحررين.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك