في الذكرى الـ 160 لتأسيس مدينة الجلفة سنة 1861

ذاكرة و أماكن

الجـــزء الأول

 الحفناوي بن عامر غول الحسني

بتاريخ العشرين من شهر فيفري سنة 1861 قررت فرنسا تخطيط مدينة الجلفة بعدما وجدت بعض التجمعات السكانية مترامية الأطراف على حدود المدينة عاصمة الولاية اليوم ،كانت المنطقة تعرف ببلاد أولاد نايل تسمية أطلقها الأتراك وقد حاولوا إخضاعها بعدما توسعت الخلافة لحدود المنطقة الجنوبية ابتداء من سنة 1719 حيث كانت تتبع بايلك التيطري،وكان يتمركز بالمنطقة العديد من البيوتات المبنية بالطوب والحجارة ومجموعة من الخيم لعروش وقبائل أولاد سيدي نايل ،والسحاري وبعض الأفراد من أعراش وقبائل مختلفة جاورت سكان المنطقة ثم سرعان ما انصهرت فأصبح بينها نسب وخؤولة.مع انه قد سبق ذلك تمركزا للقوات الفرنسية سنة 1850 بقيادة الجنرال يوسف المالطي الذي كان يلاحق الثوار ويترصد للمقاومة التي انطلقت منذ أن وطأت أرجل المستعمر المنطقة.خاصة وأن الجنرال يوسف قد بدأ في سنة 1852 بوضع الحجر الأول لبناء أول برج فرنسي بالجلفة. كمحاولة لصد هجمات الثوار التي كانت تباغت القوات الفرنسية في كل مرة .فكان القرار بأمر من الإمبراطور نابليون الثالث والذي أصدرأمرا ببناء المدينة بمساحة تقدر بـ 1 775 هكتارا و 29 آرا و 63 سنتيآرا، مع الإسراع في بناء كنيسة بالجلفة لتأخذ النمط الأوربي ،للتمييز على مركز عين شنوف حيث تتواجد بالمخرج الشمالي زاوية عين شنوف لتحفيظ القرآن ،وتدريس العلوم الشرعية ،ومقر خلافة الأمير عبد القادر والتي يتمركز بها طلبة ومريدو الرحمانية بإشراف الشيخ الشريف بلحرش،وقد حاولنا إبراز ذلك في بعض مؤلفاتنا خاصة في الكتابين ( منطقة الجلفة وأولاد نايل، أبحاث وآراء ) و( نصوص ووثائق في تاريخ الجلفة ) أما المنطقة المعروفة حاليا بولاية الجلفة فلم تكن عامرة بالعمران كما هو شأن الكثير من مدن الوطن ، حيث لوحظ تمركز بعض التجمعات منذ الفترة الرومانية خاصة بمسعد ( دمد ) وزنينة وبعض القرى ذات الطراز البربري عبر بعض النواحي ،أما جلفة فإنها لم تأخذ هذه التسمية إلا في العهد القريب وقيل أن سبب تسميتها ( جلفة ) يرجع إلى تجلف الأرض في الفترة التي تعقب سقوط الأمطار.

 

نبذة عن فترة ما قبل التاريخ

 

منطقة الجلفة ( الولاية) كانت في السابق تتشكل من بحيرات وغابات كثيفة , ومع مرور العصور أخذت شكلها الحالي , عبر فترات تمتد مابين مليون و 5 آلاف سنة قبل الميلاد .وأول ما برز العصر الحجري القديم الأسفل , المنتمي لـ : الآموابليس ظهر الإنسان الحجري الأول –  غير الناطق – وبرع في تشكيل الكثير من المواد الحجرية, حيث بدأ في صنع الأدوات الحربية , وهذا منذ أكثر من مليون سنة , وامتدت فترته حتى بروز الفترة المعروفة بالآشولية .ثم ظهور العصر الحجري القديم الأعلى المنتمي إلى ألـ أوموفابير , وبدأ عصر الرجل الصانع , إذ برزت بعض الأعمال التي تساعد على التكيف مع المحيط ،وخاصة الأدوات المنزلية إلى جانب بعض السهام المستعملة في الحرب , إذ تم العثور على أدوات من الحجر الصلب المصقول ، وعلى أدوات تعود إلى حوالي 50 ألف سنة . و آثار ترجع إلى المرحلة التي امتدت مابين 20ألف و07 آلاف سنة تعرف بالكايبسيان , وتتمثل في وجود حجر من نوع الصوان مهذب بدقة , صغير الحجم , مصقول الجوانب يستعمل للتقطيع , ولصنع السهام , وأدوات الصيد.

أما العصر الحجري الحديث فيبدأ في الفترة مابين 5700 و 5000 سنة, وبرزت فيه الفؤوس المصقولة, والكثير من الرسوم والنقوش الصخرية , حيث يلاحظ النعام، الأسود , البقر الوحشي والفيلة . مع العلم انه وجدت آثار للديناصورات بمنطقة عمورة .

 

الرسوم والنقوش الصخرية

 

تحوي الجلفة الكثير من الرسوم والنقوش الصخرية يعود تاريخها إلى ما قبل العصر الحجري بأكثر من 5000 سنة قبل الميلاد تقارب 1000 رسم موزعة على أكثر من 140 محطة تم اكتشافها من طرف رعاة المواشي وهم من دلوا عليها الكثير من الباحثين الذين زاروا المنطقة وأشهرهم هنري لوت  Henri Lhote (1903-1991) والتي ضمنها كتابه ( النقوش الصخرية بالأطلس الصحراوي جبال أولاد نايل ومنطقة الجلفة)،وقد تم تصنيف الكثير من المواقع بلغ عددها حتى الآن حوالي 160 مركزا أهمها عين الناقة وصفية بورنان وبوسكين وضاية السطل ،حجرة سيدي بوبكر وزكار وواد الحصباية والهيومي ، ضاية جقليل ،فايجة اللبن وصفية البارود ..الخ

كما تم اكتشاف الجاموس العتيق أو الحيرم المعروف علميا باسم بيلوروفيس BELOROVES  وكذلك انتيكوس ONTECOUS ،عثر عليه في قرية أم الخبيزات ( 56 كلم ) بدائرة الشارف غرب الجلفة سنة 1985 .وهو حيوان منقرض عاش منذ العصر الحجري القديم الأوسط المعروف بالبليستوس الأعلى ( 000. 80 سنة قبل الميلاد ) حتى العصر الحجري الحديث النيلوليتيك , كان يتغذى على النباتات والأعشاب ( حسب انحناء رأسه ) متواجد بالمتحف المحلي بالجلفة . وقد برز هذا الحيوان ضمن النقوش الصخرية الموزعة عبر الأطلس الصحراوي , وتبين النقوش الحيوان إلى جانب الإنسان في حالات كثيرة .

 

الحضارة البونيقية والتمركز الروماني

 

يتشكل العنصر البشري من مكونات مختلفة حسب الفترات التي تعاقبت على الجلفة ،وقد دلت الحفريات على وجود آثار ليبية وللجيتول الذين أقاموا في السهول العليا والمراكز الصحراوية هربا من اضطهاد الملك الروماني يوبا الثاني، وهذا الضغط حمل الكثير من البربر إلى اللجوء للصحراء مما أدى إلى اتساع ظاهرة البداوة .وأشهر مجموعاتهم البتر التي تشكل قبائل متعددة أهمها زناتة , لواتة , ونفوسة . ومعظمهم رحالة ولإدراكهم لرابطة النسب مع العرب , وتشابههم في الخصال لم يجد الفاتحون منهم مقاومة كبيرة مع بداية الفتح الإسلامي على عكس البرانس وأحلافهم من القبائل ( أوربة ) خاصة.وتتواجد بالناحية بعض القبور تعرف بالدلمن  وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الأحجار المتراكمة على شكل نصف دائري , تشبه إلى حد ما الأهرامات الموجدة بمصر,وتحكي الروايات أن هذه القبور ليست سوى مساكن ابتناها البربر أثناء فترة الجفاف والمجاعة التي ضربت المنطقة وكانت البيوت ترتكز على عمود خارجي يستدير قليلا بالداخل , وما إن ينتهي زاد كل عائلة حتى يباشر الزوج بإسقاط العمود الموضوع عليه صخرة كبيرة تسقط مباشرة لسد الفتحة وهذه القبور موجودة بمسعد خاصة .

وتوجد كذلك بعض القرى والمداشر جاثمة على قمم الجبال مثل قرية ( كاف الدشرة ) بالجلفة , بالإضافة إلى نقوش تمثلت بحروف منقوشة على الصخور تنسب إلى التيفيناغ ولها بعض الشبه مع الكتابة البونية القرطاجية تعرف كذلك بالكتابة الليبية – البربرية وهذا  يمثل لجوء البربر إلى التمسك بلغاتهم المكتوبة قبل العهد الروماني مثل البونيقية والليبية و إلى اللهجات المحلية .

كما سكنها الرومان الذين تمركزوا بالمنطقة إبتداء  من سنة 198م ، وتميز الوجود الروماني بالمنطقة بتأسيس عدة مراكز متقدمة كقصر زكار , ومركزي وادي الشعير ودمد هذا الأخير الذي أسسه ( كستيلوم سيتيم سيفير ) في عام 198 بعد الميلاد وقد أخلى سنة 238 من طرف غوريديان الثالث , ثم وجود نصب تذكارية كنصب سيريس ( عيد 03 ماي ) الذي نقش أيام حكم ماكسيميان عام 235 , ونقش عليها اسمه في عام 238 إثر تحرك قورديان قبل إخلاء المركز .ثم النصب التذكاري الذي نقش في حكم أقينوس باسيونوس في الفترة مابين218 و 222 بعد الميلاد .

وكان الإمتداد الروماني داخل المنطقة عبر العديد من المدن كالإدريسية التي بنتها الأميرة الرومانية (زنينة ) وأصبحت تعرف فيما بعد باسمها , وقصر تعظميت , والشارف وبرج عبد المجيد بناحية عمورة , وعمورة هذه قبيلة رومانية معروفة منذ القدم.

 

الفتح الإسلامي

 

 

 

 تواجد العنصر العربي الشامي كان بارزا منذ أن استقدمهم الرومان خلال التوسع الذي عرفته المنطقة وخاصة من سوريا وفلسطين. كما شهد هجرة للعرب الذين حملوا رسالة الإسلام أثناء الفتح المبارك للشمال الإفريقي. وقد عمد والي مصر عمرو بن العاص لإرسال طلائع لدعوة سكان تلك الجهات للدخول في الإسلام وكانت أولها بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح سنة 647 م,و اشترك فيها الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم وبجيش يفوق عدده عشرين ألفا . ثم تلتها الحملة التي قادها معاوية بن حديج الذي كان آنذاك يمثل قيادة الجند في مصر . ثم بقيادة الصحابي الجليل عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه سنة 670 م حيث ابتنى مدينة القيروان التي كانت عبارة عن مركز لتوجيه الفتوحات جنوبا وغربا , وقاعدة لقادة الفتح حيث دخل كثير من البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين . ثم جاء دور أبي المهاجر دينار وكسيلة زعيم البربر بعد إسلامه فتوغل الإسلام داخل الجزائر, ثم يعود عقبة مجددا قائدا لجنود الفتح التي اجتازت المنطقة مرتين مابين 086 و 386 م , و تدل على ذلك الآثار التي خلفوها حيث يلاحظ وجود قبور تتميز بطولها تتراوح مابين أربعة وستة أمتار وارتفاع حوالي متر, بمناطق مسعد , وتعظميت , وعمرة وبوتريفيس وهذا حسبما ذكره العديد من المؤرخين ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الوهّاب بن محمد النويري الذي يذكر مسارا يمتد من مناطق واد جدى و دمد ثم تعظميت إلى زنينة حتى تيهرت .

 

 

 

قدوم بني هلال

 

 

 

عرفت المنطقة تمركز بني هلال الذين هاجروا في القرنين الحادي والثاني عشر ميلادي ، وشهدت المرحلة الثانية من القدوم العربي, هجرة جماعية للكثير من القبائل أهمها بنو سليم , وبنو هلال ,و دامت حركة هجرتهم مدة نصف قرن .

وقدم بنو هلال نحو الجزائر ودخلوها من جهات عدة منها (جهة الصحراء حيث تكثر خيام [ قبائل] زناته الخاضعة لبني حماد، تقدموا إليها من ناحية سبيبة إلى تبسة, وانتشروا جنوب أوراس على قرى الزاب وإنتهوا أيام الموحدين إلى ميزاب وجبل راشد ) .ودافعتهم زناته عن هذه الجهة , وكانت أملك للبأس من صنهاجة لبداوتها وتقارب مابين حياتها وحياة العرب ،( وتغلب العرب على الضواحي في كل وجه وعجزت زناته عن مدافعتهم بإفريقية والزاب .وصار الملتحم بينهم في الضواحي بجبل راشد ومصاب ).والتحم العنصران العربي والبربري , فاستعرب البربر لما وجدوا في العربية ثروة لفظية وأدبا راقيا , وإعانة على فهم الدين , واستبدلوا بحياتهم حياة عربية  كما ذكر الشيخ الميلي في كتابه تاريخ الجزائر.

وكان قدوم بني هلال إلى المنطقة عبر مراحل أثناء القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر, حيث تمركزوا ببعض المناطق, وسجلت الجلفة آنذاك كمركز عبور للنواحي المجاورة . وأخذت تتشكل بعض التجمعات عبر سلسلتي جبل حواص وجبل الصحاري  .

وهناك من يعتقد أن أولاد نائل هم من بني هلال . لكـن بني نائل الذين هم أبناء عروة بن زغبة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال فلم يتمركزوا بالناحية وذكر ابن خلدون بعضا من أولاد نائل و كان يقصد بهم النوايل االهلاليون الذين دخلوا أفريقيا أوساط المئة الخامسة , وهم الآن مستقرون بيالة طرابلس الغرب, بل عبروا هذه المناطق ليصلوا إلى جبل مشنتل وصولا إلى المغرب الأقصى . وكانوا أحلافا لأولاد محيا من العمور. وإثر انتصارهم على الزناتيين حوالي سنة1060 م .انتشر بنوهلال حيث استوطنوا بين بسكرة وجبل راشد وهم ما يعرف بقبائل العمور , وهــم  من عمائر الاثبج , ويقال أنهم من ولد عمور بن عبد منـــاف بت أبي ربيعة بن نهيك بن هلال. فبقوا بتلك النواحي ليصبح اسم الجبل يعرف منذ ذلك الحين بجبل العمور و يقول المؤرخ عبد الرحمان بن خلدون  (… وجاء العرب الهلاليون  وغلبوا على الضواحي كل من كان بها من صنهاجة وزناته وتحيز لهم إلى الحصون والمعاقل وضربت عليهم المغارم إلا من كان ببلاد القفر مثل جبل راشد فإنهم لبعدهم عن منازل الملك لا يعطون مغرما إلا أنهم غلب عليهم هناك العمور من بطون الهلاليين ونزلوا معهم وملكوا عليهم أمرهم وصاروا لهم فيئه … ).اهـ

 

 

 

سيدي نايــل

 

  قدوم محمد بن عبد الله الخرشفي المعروف بسيدي نايل كان في بداية القرن الخامس عشر ميلادي حسبما ذكره المؤرخ ” نويري “، و أولاده اليوم يشكلون أكبر مجموعة سكانية بالجلفة والمناطق المجاورة تشير الإحصائيات أنهم متمركزون في أكثر من اثنتي عشرة ولاية بتعداد يقارب العشرة ملايين نسمة.أما محمد بن عبد الله المعروف بسيدي نائل فهو محمد بن عبد الله بن علال بن موسى بن عبد السلام بن احمد بن علال بن عبد السلام بن مشيش بن ابوبكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سلام بن مزوار بن علي حيدر بن محمد بن إدريس الأصغر بن ادريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ،ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قدم إلى المنطقة بعد أن تتلمذ على شيخه سيدي أحمد بن يوسف الملياني المتوفى سنة 1542 م وأذن له بالرحيل .أما نائل فهو لقبه من نال ينال فهو نايـــل على وزن فاعل، لأنه نال رضا وبركات شيخه سيدي أحمد بن يوسف , وهـو من السبعة المذابيح المشهورين من تلاميذه.

ولد بفقيق في عهد انسحاب العرب من الأندلس , وقد كان حاكما لإقليم الساقية الحمراء يتمتع بتقدير واحترام كبيرين بفضل صفاته الرفيعة وأخلاقه الكريمة . وبعد انهزام المغاربة في حربهم ضد تونس وبصفته القائد الأول للجيش جمع ما تبقى من شتات الجيوش وقادهم نحو منداس بجبل أفليته عوض أن يتجه بهم إلى المغرب حيث التحق به كل أقاربه وأصدقائه مصحوبين بعائلاتهم، و يذكر الشيخ عامر محفوظي في كتابه إرشاد السائل عن تاريخ سيدي نائل ( وسبب رحلة سيدي نائل من المغرب طلب العلم ..).ثم تابع مسيرته نحو الشمال الشرقي وتوقف بكل من العتبة وجبل بوكحيل وذلك قبل أن يتمركز عدة سنين في المنطقة الحالية بوسعادة ووادي الشعير وتزوج هناك بابنة الشيخ سيدي حملة حيث مكث به ورزق الكثير مـــن الأولاد ثم تابع مسيره نحو مناطق الجلفة وانتهت به رحلته إلى نواحي منطقة سيدي عيسى حيث وافته المنية بضاية وادي اللحم بتراب بلدية بوطي السايح.و اشتهر سيدي نائل بالفروسية والصيد والشجاعة كما عرف عليه بعض الكرامات والريادة في العلوم إلى جانب السخاء حتى قيل إنه فاق بكرمه حاتم الطائي ، و يشهد له بالإيثار و محبة الآخرين و المحافظة على العلاقات وحسن الجوار.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك