قانون بين فساد انتخابي وتفسخ السياسي

مفارقات

بقلم احسن خلاص

 

نزلت مسودة مشروع قانون الانتخابات إلى الرأي العام بنفس المسار الذي نزل به مشروع تعديل الدستور وستباشر الطبقة السياسية بعد أيام فقط دراسة المقترحات بعد تحليلها في جوانبها السياسية والتقنية لاسيما منها الأحكام المتعلقة بتثبيت صلاحيات السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات وإبعاد الإدارة العمومية عن العملية الانتخابية من أولها إلى آخرها وتلك المنصبة على وضع الحواجز أمام دخول المال الفاسد غير الخاضع لمراقبة المؤسسات العمومية في العملية الانتخابية إلى جانب الأحكام الجديدة المرتبطة بنظام الاقتراع.

 

وتعد هذه المحاور الثلاثة عنوان الثورة التي أتى بها النظام الانتخابي وهي التي طالما اعتبرتها السلطة رهانا محوريا للتخلص مما علق بالانتخابات السابقة من شبهات التزوير والفساد وأدى إلى الطعن في مصداقيتها وأفضى مع مرور الأعوام، في نظر السلطة ذاتها، إلى عزوف الناخبين عن صناديق الاقتراع. وتعتقد السلطة أن تغيير النظام الانتخابي وتقديم أكبر الضمانات الممكنة حول نزاهة العملية الانتخابية من شأنه أن يعيد النظر في الموقف السياسي الوطني من الانتخابات لاسيما لدى الشباب الذي صار اليوم الهدف الذي تنشده السلطة اليوم لضمان قوة المشاركة الانتخابية إذ صار القانون يحث على إشراك الشباب الأقل من 35 سنة في قوائم الترشيحات بمقدار الثلث  ويعد بمشاركة خزينة الدولة بنسبة 50 بالمائة من تمويل الحملات الانتخابية للشباب. وإذا ما أضيفت إليها مشاركة النساء بفضل “الكوطة” النسوية بما لا يقل عن 30 بالمائة التي فرضها القانون على الأحزاب والقوائم الحرة فإن السلطة تكون قد ضمنت في نظر أصحاب هذا الاقتراح التخلص نهائيا من العزوف الانتخابي من جهة وتمثيل محترم لأهم شريحتين في المجتمع.

 

وتنطلق هذه المقاربة في واقع الأمر من نظرة شعبوية للعملية الانتخابية وتعد في نظر الكثير من المتابعين تدخلا غير مباشر في اختيارات الناخبين فضلا عن أنها تقصي كفاءات ذات خبرة طويلة وتعوضها بشباب ونساء لا خبرة لهم بالعمل السياسي ولا بأبجديات شؤون الدولة بالنظر إلى ضحالة العمل السياسي والركود الذي تعيشه الأحزاب. ويعد هذا الخيار في نظر هؤلاء نوعا من الهروب إلى الأمام ورغبة في تمييع المؤسسات المنتخبة والحيلولة دون بروز النخب بشكل تلقائي وطبيعي. 

 

وعلى الطريق ذاتها التي سلكها نظام الكوطة المرتبطة بتمثيل النساء في المجالس المنتخبة تستند سياسة إشراك الشباب في العملية الانتخابية على الحضور الكثيف والغالب للشباب في مسيرات الحراك الشعبي وهو ما يوحي أن الشباب استطاع اكتساب وعي سياسي خارج الأطر الحزبية وأنه قادر على ولوج المؤسسات المنتخبة دون أن يمر بالضرورة على الأحزاب التي لم تعد للسلطة رغبة في التعامل معها كشريك كما دأبت على ذلك وتعتبرها كلها شريكة بشكل أو بآخر للسلطة السابقة قبل أن تنهال عليها الانتقاد وتقديم صكوك الولاء للسلطة الجديدة.

 

لا يمكن أن يستبق أي من المراقبين مآلات هذه الخطة التقنية ويحكم بفشلها كما لا يمكن البتة المراهنة عليها لوحدها لإغراء الشباب والنساء بالمشاركة في العملية الانتخابية فضلا عن أن تجلب أكبر عدد من الناخبين.

 

 ومن جانب آخر تعتمد التعديلات الجديدة على قانون الانتخابات مبدأ الرقابة القبلية على الأموال التي تصرف في الحملات الانتخابية فبالإضافة إلى تأكيد منع التمويل الأجنبي ما لم يكن مصدره الجالية الجزائرية في الخارج وإجبار أصحاب القوائم على التعامل البنكي وتنصيب محافظي الحسابات أمناء على المالية الانتخابية. وهي التدابير التي تأتي لتستفيد من التجربة الانتخابية السابقة التي ظل فيها التمويل الموازي سيد الموقف وجعل المجالس المنتخبة منتديات لرجال المال الباحثين عن الحصانة والنفوذ كما جاءت لتبحث ما أمكن لها عن أفضل السبل لإنقاذ صدقية ونزاهة مؤسسات الدولة لاسيما المؤسسات السياسية منها. ولعل هذا ما كان يحرص الرئيس تبون منذ انتخابه على اتخاذه رهانا أساسيا من رهاناته الانتخابية وهو الوقوف في وجه الفساد في كل مكان وهو ما يفسر أن أغلب المواد الجديدة الواردة في القانون الانتخابي تصب في هذا الهدف: محاربة الفساد الانتخابي بشقيه وهما الرشوة والتزوير.

 

وفي سبيل مكافحة الفساد الانتخابي قررت اللجنة المكلفة باقتراح التعديلات على قانون الانتخابات اعتماد نظام القائمة النسبية المفتوحة في الدائرة الولائية والتي ستمكن الناخب من المزج بين اختيار الأفراد واختيار القوائم إذ يتعين على الناخب اختيار عدد نواب ولايته من بين جميع المترشحين بدل الاكتفاء باختيار القائمة. غير أن هذا النظام قد يطرح على السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات عوائق تقنية عديدة مرتبطة بصعوبة أداء الاقتراع على المواطنين البسطاء والعجزة والأميين كما قد تشكل صعوبات جمة في عمليات الفرز فضلا عنها غير واقية من عمليات التزوير الذي عهدتها المواعيد الانتخابية السابقة. ومن جانب آخر سيمكن هذا النظام من الوقوف في وجه السلوكات التي اعتادها رؤساء الأحزاب في ترتيبهم المشبوه للمترشحين في القوائم وقد بينت الاعترافات الأخيرة في المحاكم حجم الفساد الذي طال مشاركة الأحزاب الكبرى في الانتخابات.

 

ومع ما تبين من إرادة لدى السلطة في مكافحة الفساد الانتخابي إلا أن صدقية الانتخابات لا يمكن استرجاعها بين عشية وضحاها كما لا يمكن أن يتم بمجرد وضع نصوص قانونية جديدة فعودة الاعتبار للانتخابات يمر حتما عبر عودته للسياسة والعمل السياسي النزيهة.  

 

   

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك