قصة قصيرة : “جنة إبليس”

 

نال منها الهرم وصارت عجوزا قبيحة المظهر، تتصرف بصبيانية، يغيب العقل في فعلها وكلامها، هجرها الأبناء وأصابتها الغربة وكأن حدود الروح ضاقت فجأة! أنهكها المرض والوحدة قد سحقت الأنس سحقا فجعلت منها ظلا هزيلا لا يشبه صاحبته.

لم يبق في منزلها غير ظلها القاتم الذي يبدو أكثر حياة منها، كانت الأمور تجري قبل أن تسوء بخير، والآن البيت لا يساوي نفسه، لقد غرقت في فراغ داكن بعد موجة عنيفة أظهرت أن غضب الحياة أعنف من غضب البحار، تنتشر رائحة الفزع وتغلق الأبواب في وجه الطمأنينة وهكذا تمر الأيام

زمن ينطلق نحو الغموض ويصل إلى نقطة الوصول قبل الانطلاق، انقلب الأمر كله من ضحكت لاعبت الدموع خديها، ومن علمت جهل عليها، ومن تفوقت تطايرت أحلامها مع ريح الفشل

كل ليلة تسمع العجوز حركات غير عادية تدمر جزيئات الهدوء، تنهض بكل خوفها وحيرتها تبحث وتبحث لعلها تجد اللص الخبيث الذي يسرق منها السكون، ويمحو نومها كي يرسم الحيرة ويبعثر الشجاعة فتشعر المسكينة بضعف شديد، ولا تتمكن من جمع شتاتها مجددا، يتكرر الأمر كلما حل الظلام وتزداد وضعية المرأة المسنة سوءا، تحدث نفسها طويلا، تشكو لغيرها من الجيران والمارة لكنهم لا يصدقونها، بل يقولون إنها عجوز مثل اللعنة لا يمكن يتعاملوا معها أو تنال رحمتهم، ربت الأبناء وتعبت لأجلهم لكنهم هاجروها فأصابها الخذلان وجنت..

لا أحد يقترب منها أو من منزلها فهم يظنون أن البيت مسكون وأن الشيطان قد سكن جسدها. إنه بيت شاسع وكأنه قصر مهجور من زمن بعيد، لكنه سجن حقيقي تدين له بالكثير لذلك وجب أن تتمسك بالوفاء وإن خسرت الأمان، هنا ذكرياتها وشبابها وكل الأحلام والآلام.. لم تكن مجرد جدران إنها قصة عمر.

صارت المرأة المسنة لا تنام ليلا، وتقضي نهارها في التفكير لإيجاد طريق صائب يمكنها من النجاة ولكن يبدو أنها تحارب المجهول، العدو غير مرئي لذلك التوصل إلى حل يعتبر دربا مسدودا، تحت مظلة السهاد لم تكن العجوز أحدا سوى فريسة لأنياب الشكوك، يتهاطل من قلبها الذي حرق في جهنم الدنيا ويل ويحدث فيضانا من الأسئلة اللامتناهية في رأسها الملفوف بهموم العمر..

وبينما المسكينة تعاني من اتهامات الناس لها بالجنون ومن عزلة خانقة طرق فكرها حل مفاجئ، خرجت العجوز المنهارة باتّجاه المتجر وجلبت بدل حاجياتها الضرورية دلوا من البنزين، لم تتمكن من إغماض عينيها وهي تنتظر في لهفة واضطراب معركة مع عدو وإن وجد فهو مجهول.

رددت: والله سأقتلك، سأحرقك، سأشعل السلام من جوف النار..

وفعلا حصل ما سهرت لأجله، إنها حركات مزعجة جدا تحتل المنزل، بدأت تسمع أصواتا غريبة وفظيعة تمزق شرايين الراحة وتفتح آفاق الموت البطيء، قامت بعنف وقوة أفرغت من القوة وهي تسأل بغضب شديد: أين أنت؟ الجبن طبع العدو والخذلان من شيم الأحبة، تعالى فقط وواجهني، تمسح دموعها: كيف يتخلى الأبناء عن الأم! الهجر القبح قاتل أيها العدو..

وكان المجهول يرد بحركة دخيلة وكأنه يقول: أنا هنا وأحارب خلف الأنظار حتى أخذ منك موطنك.

ومع زيادة قوة الحركات حملت المرأة المسنة الدلو بكل تهور وبعد أن أفرغته رمت عود الثقاب وهي تقف بين بوابة منزلها الشاسع الذي أخذ منها الأمن والإيمان. بمجرد أن بدأت النيران في الاشتعال فجئت العجوز المسكينة بجيش من الفئران يخرج عبر جحر ملتصق بجدار البوابة، حينها وقعت أرضا فاقدة للوعي يحتضنها العراء لا أحد لها وليست هي لأحد!

بقلم الكاتبة الأستاذة: زهرة سايب

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك