كورونا وحرب اللقاحات.. الترقب

خلال العام الجاري

د. بن عجمية بوعبد الله كاتب صحفي

 

 

بدأت سنة 2021 ولا يزال الموضوع الرئيسي فيها كما السنة المنقضية 2020 هو وباء كورونا الذي يتصدر المشهد السياسي والإعلامي على المستوى العالمي بعدما تفاءلت البشرية بإمكانية تراجعه أو الحد منه أو القضاء عليه مطلع السنة الجارية، لكن هذه التوقعات والأحلام والأماني كلها تأجلت لأجل غير مسمى.

لقد تجددت ذات التساؤلات التي كانت سابقا حول هذا الوباء في الكثير من الدول والمجتمعات ملخصها:

  • هل ستكون سنة 2021 سنة الوباء كذلك؟ أم أنه سيخفت تأثيره ويتراجع فتكه؟
  • هل اللقاحات التي بدأت بالتداول والتسويق والاستخدام ستأتي أكلها ونفعها مع موجة التفاؤل الكبيرة حول جدواها؟ أم أنها مجرد حل طبي مؤقت قد يعطل الوباء ولا يقضي عليه؟
  • هل سيستمر الحجر الصحي والذي عاد بقوة خاصة في بعض الدول الأوروبية؟ أم سيشهد العالم تخفيفا كبيرا له خاصة مع بداية حملات التلقيح؟
  • ما حقيقة ما يتم تداوله من وصول موجة ثالثة من الوباء هي أكثر فتكا وشراسة والتي بدأت في المملكة المتحدة وتنتقل تدريجيا إلى باقي دول العالم؟
  • هل سيستمر إغلاق الحدود بين الدول؟ هل ستتواصل الأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالكثير من الدول لدرجة أنها غيرت وجوها سياسية وغيرت المواقع في الكثير من الدول؟

أسئلة كلها تعتبر مشروعة وأصبح كل فرد فينا يطرحها وبقوة وإصرار من دون وجود إجابات كافية وشافية في ظل الغموض والترقب الذي تعيشه البشرية جمعاء.

لكن الحدث الأبرز في تطورات الوباء منذ ظهوره السنة الماضية هو اللقاح الذي تم الوصول إليه بعد أشهر طويلة من البحوث المعمقة والمتواصلة، لقاح سارعت العديد من الدول للإعلان عنه والتسويق له وبيعه لمن يطلبه، ويمكن حصر هذه اللقاحات حسب الدول إلى الآتي:

  • اللقاح الألماني الأمريكي (فايزر وبايونتيك) والذي أعلن عنه في وقت مبكر قبل اللقاحات الأخرى وتمت الدعاية له بشكل كبير جدا، وهو تحت الطلب بشكل أيضا كبير جدا نظرا لجدواه وفاعليته كمما يقول عنه الذين اخترعوه.
  • اللقاح البريطاني الذي أعلن عنه رئيس الوزراء والذي أطلق عليه اسم (أكسفورد إكسترا زينيتا) والذي وصف بالفعال والحيوي وبدأ البريطانيون باستخدامه بشكل كبير جدا.
  • اللقاح الروسي والمسمى (سبوتنيك) والذي شهد إقبالا كبيرا من قبل العديد من دول العالم وهو في منافسة كبيرة وشرسة بينه وبين باقي اللقاحات الأخرى.
  • اللقاح الصيني (سينوفاك) فالصين التي كانت مصدرة الوباء للعالم بأسره تعود وتصدر كذلك لقاحه مجددا للعالم في محاولة منها للحد من هذا الوباء.

إذا أردنا أن نحلل خارطة هذه اللقاحات الأربعة والسياقات التي جاءت فيها من خلال تداعيات وباء كورونا منذ بدايته إلى الآن فيمكن الإشارة إلى الملاحظات المهمة التالية:

الكثير من الدول بدأت باستخدام وتجريب هذه اللقاحات في تسارع كبير خوفا من الموجة الثالثة للوباء خاصة وأننا في فصل الشتاء وهو الموسم المثالي الذي تتزايد اعداد الإصابات بالوباء.

في مقابل الحملة المتسارعة والمتزايدة التي تدعو إلى استخدام اللقاح، يقابلها كذلك حملة تشكيك واسعة من نجاعة هذه اللقاحات، وخوف من نتائجه وقد عبر الكثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي رفضهم للتلقيح كونهم مقبلون على المجهول مع هلع من تداعياته المحتملة وآثاره الجانبية.

لم تظهر نجاعة هذه اللقاحات حتى هذه اللحظة وبخاصة في الدول التي بدأت عمليات التلقيح مبكرا كدول الاتحاد الأوروبي التي لم تنخفض فيها أعداد الإصابات ولا الوفيات بل زادت مثل المملكة المتحدة، بل وعادت بلدان أخرى إلى التشدد مجددا في فرض إجراءات صارمة للحجر المنزلي على بعض الأنشطة والأماكن مثل فرنسا، مما عزز مخاوف الذين كانوا متوجسين خيفة أصلا من اللقاح.

ما قلناه سابقا حول تداعيات الوباء من أنه خلف حروبا على المسرح العالمي بين القوى الكبرى كالحرب الاقتصادية والمالية والحرب الاستخباراتية في تتبع أصل هذا الوباء، إضافة الى حروب الزعامة على القرار العالمي الجديد، في الوقت ذاته كانت تدور حروب علمية وتنافس كبير بين القوى الكبرى حول السبق والسباق لاكتشاف لقاح له وفي الأخير فإن الدول العظمة المتنافسة هي نفسها من وصل إلى اللقاح قبل الآخرين: كمحور أمريكا وبريطانيا، وكذلك ألمانيا كأقوى بلد أوروبي، ينضاف اليهم المارد الصيني وروسيا اللتان تحاولان افتكاك زعامة العالم بكل الوسائل والطرق.

هذه الحروب المعلنة والخفية انعكست كذلك على محاور أخرى شملت الدول التي لم تكتشف اللقاح كدول الاتحاد الأوروبي التي تبنت اللقاح الأمريكي الألماني وطلبت نصف الكمية المنتجة لدول الاتحاد، في حين وجدنا تركيا مثلا تنبت اللقاح الصيني، في حين حرمت إيران كل لقاح مصدره أوروبا وأمريكا، فحتى عملية اقتناء اللقاحات تحكمت بها التكتلات والأيديولوجيات والتنافس والحروب بين الدول طبعا في انتظار أي اللقاحات سوف يثبت فعاليته في القضاء على وباء كورونا أو على الأقل الحد منه.

مهما كانت التباينات بين اللقاءات الأربعة السالفة الذكر فإن الدول التي انتجتها وتملك حصرية بيعها وتسويقها ستدر عليها أموالا طائلة ومداخيل خيالية سوف تنهض باقتصاداتها لأن كل الدول مستعدة للشراء وهذا الذي سيخلق واقعا اقتصاديا وماليا ما بعد كورونا لصالح هذه الدول وما ستكسبه من بيع اللقاح.

في الأخير نسجل بكل أسف وحصرة أنه ومهما كانت هذه اللقاحات إيجابية أو سلبية إلا أن دول العالم الثالث ستبقى السوق المربحة لاقتصادات الدول الكبرى، دول ما تزال غارقة في مشاكلها الداخلية وحروبها التافهة وغير المنتهية في حين أن القوى العظمى تتنافس من أجل شعوبها لفرض واقع جديد على المسرح العالمي.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك