كيف نخرج إلى العالم بعد الكوفيد

مفارقات

بقلم احسن خلاص

في رسالة بعثها الرئيس عبد المجيد تبون إلى عمال القطاع الصحي في مارس من العام الماضي أشار إلى أن موجة وباء كورونا لا يمكن أن تمر على العالم دون أن تحدث تغييرات جوهرية على الخارطة الجيوسياسية في العالم ودون أن تؤدي إلى رسم جديد لعلاقات الجزائر بمحيطها الإقليمي والدولي. هذا ديدن الأحداث الكبرى التي مرت بالعالم فالبشرية لا تخرج مما ألم بها من بلاء كما دخلت. 

 

عند بدء انتشار كورونافيروس المستجد لم يجد أمامه مؤسسات أممية قوية موحدة إذ اضطر الدول والتكتلات الجهوية ومنتظمات المجموعة الدولية إلى الانغلاق على نفسها والبحث عن أفضل السبل لحماية مواطنيها من أن يأتي على الأخضر واليابس دون أن ترتقي لبلورة استراتيجية دولية وعقد مؤتمرات عالمية وتنسيق الجهود بينها لمكافحة انتشار الفيروس كما فعلت لمواجهة التغيرات المناخية مثلا أو ظاهرة الإرهاب العالمي والجريمة المنظمة. لذا ظل تحدي مواجهة الكوفيد وطنيا بل محليا لدى جميع البلدان مع أنه ظل لأشهر عديدة الشغل الشاغل الوحيد لكل الحكومات التي اضطرها الفيروس لغلق حدودها وتوقيف جميع النشاطات والتظاهرات الاقتصادية والرياضية.

 

 بعد تحقيقها الخطوات الأولى للانتقال السياسي الذي أعقب الحراك الشعبي وسقوط القيادة السياسية السابقة كانت العودة القوية إلى الساحة الدولية طموحا مشروعا لبلد مثل الجزائر بالنظر إلى أهمية موقعها الاستراتيجي ورصيدها الديبلوماسي الذي تجمد بفعل الركود الذي عرفه النشاط الديبلوماسي الذي كان مرض الرئيس بوتفليقة وقعوده أحد عوامله الرئيسية فضلا عن التذبذب الذي عرفه الجهاز الديبلوماسي أمام غياب سياسة خارجية مرنة ومتأقلمة مع المستجدات السريعة على الساحة الدولية.

 

كانت على طاولة الجزائر وهي تستعد للعهد الجديد ملفات إقليمية عالقة فالملف الليبي ظل يراوح مكانه بينما لم يجد ملف المصالحة في مالي طريقه إلى التجسيد وعصف بالرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كايتا يضاف إليها التوتر الذي نشب مع بداية السنة الماضية وراء حدود الجزائر الغربية أمام انسحاب غير معلن للأمم المتحدة عن الملف الصحراوي وعجزها عن تجديد مهمة المينورسو وتعيين مبعوث جديد للأمين العام في المنطقة. هي إذن وضعية مضطربة ومنذرة بالانفجار في أية لحظة وهو ما جعل الجزائر تتابعها بحذر وباهتمام شديدين لاسيما وأن المنطقة صارت ميدانا لحرب مواقع بين قوى إقليمية ودولية.

 

وبالرغم من تعقد الوضع ظل طموح الجزائر قائما للعودة التدريجية للمساهمة في بناء علاقات إقليمية مبنية على التعايش والتعاون والسلم مع جيرانها المغاربة والأفارقة والأوروبيين مع الحفاظ على اتفاقيات السلم والدفاع بين دول جنوب وشمال البحر الأبيض المتوسط إلا أن انتشار الكوفيد حال دون أن تصاحب هذا الطموح ديناميكية قوية لدفع الملفات العالقة وإعادة الاعتبار للمواقف الجزائرية كطرف لا يمكن لأي سياسة أن تقوم في غيابها أو على حساب دورها التقليدي.

 

ومع اقتراب الانفراج العالمي الذي تبشر به اللقاحات واتجاه الدول إلى استعادة دفء العلاقات الدولية تستعد الجزائر لانتهاج مقاربات سياسية جديدة تقوم على تعزيز مكانتها وإزالة الفتور والجمود الذي عرفته آلتها الديبلوماسية والبحث عن توافقات جيو استراتيجية تستجيب للمرحلة الجديدة التي تعرفها المنطقة العربية والعلاقات الدولية بشكل عام. ستكون الجزائر على موعد لاستضافة القمة العربية التي تجمدت منذ العام الماضي بسبب عائق الكوفيد، ولا ريب أن هذه الاستضافة لن تكون موعدا روتينيا للجزائر إذ بإمكانها أن تكون فرصة للجزائر لأن تعيد ترتيب أوراق العمل العربي المشترك وأن تعيد النظر في خارطة العلاقات بين الدول العربية والكيان الصهيوني. فهل ستنجح الجزائر من خلال استضافتها القمة العربية المقبلة في استعادة صوتها المفقود في المحفل العربي حتى أدى بالرأي العام الجزائر لمطالبة السلطة باتخاذ موقف الانسحاب التام من الجامعة العربية. سيكون هذا الموعد حاسما للجزائر لتبت في مصير علاقتها بالعمل العربي المشترك.

 

 ومن جانب آخر ستتجه الجزائر نحو إعادة تنشيط دورها الإفريقي في الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره إلى جانب التفكير جيدا في تثبيت مكانتها في السوق الإفريقية في ظل نظام منطقة التبادل الحر. فالجزائر التي تعتبر أحد مؤسسي الاتحاد الإفريقي مدعوة للعب دور نشط بفضل ترأسها لمجلس السلم والأمن الإفريقيين وعلاقاتها الوطيدة مع أعمدة القارة الإفريقية.

 

 أما دوليا فإن مؤشرات كثيرة تظهر أن الجزائر ستجد حضنها الطبيعي في تعزيز علاقاتها على أكثر من صعيد مع الشريكين الروسي والصيني دون أن تستغني عن علاقاتها التقليدية مع دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ضمن إطار العلاقات الثنائية أو العلاقات متعددة الأطراف ضمن الحوار المتوسطي. ومن بين مؤشرات الدعم الذي ينتظر التوجه نحو روسيا والصين أن الجزائر استقرت على اقتناء اللقاح من هذين البلدين وهو الذي يضاف إلى رصيد التضامن الذي أظهره هذا البلدان مع الجزائر في محاربة الكوفيد. وهو تضامن متبادل عبرت من خلاله الجزائر عن أن الأزمة الصحية العالمية أظهرت لها العدو من الصديق. 

وينتظر أن تقتحم الجزائر مجالات جيو استراتيجية جديدة قد تولدها تداعيات الأزمة الصحية العالمية في ظل عالم يبحث عن مفاهيم جديدة للتعاون الدولي تقوم على وجوب قيام مفهوم التضامن الإنساني على طغيان التكتلات المبنية حصريا على المصالح المتبادلة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك