لا يُصلح العطار ما أفسده الدهر

عن الواقع التربوي في الجزائر:

بقلم :جمال نصرالله شاعر وناقد أدبي

 

الأسرة نواة ومؤسسة مصغرة,بينما المجتمع مؤسسة أكبر وأكثر رحبا…أما المدرسة فهي مصنع ومُركب ضخم يعمل على صناعة وعجن العقول التي لها قابلية على العلم والتعلم…هكذا شرح لي الأستاذ المحترم والخبير التربوي (جوادي لعزازي) هذه المحطات  الثلاث في مناحي الحياة العامة وخطوط الطول والعرض عبر مسارات ومراحل الدورة التربوية…مُصرا على أن العوامل البيداغوجية هي الأساس ليس في رسكلة الفرد فقط , وإنما هي في الأصل من أجل البناء المرحلي خطوة بخطوة. والأكيد أن كثيرا من المتابعين يوافقون رأي الأستاذ بينما في المقابل هناك من يرون بأن الآليات البيداغوجية ما هي إلا مجرد هياكل مادية مُشرعة نوافذها , رسالتها الأولى والأخيرة هي أن تستقبل الإنسان في بداية مراحله التعليمة وأن قوة التأثير تأتي من الأسرة والشارع…فماذا لو كان لدينا واقعا تربويا مُحكما وفعالا  وهياكل أكثر عصرنة وتقنية ,في ظل وجود أسرة جزائرية ممزقة وشارع لا يصدّر إلا الحالات النكرة والمغضوب عليها؟ا الأكيد المؤكد بأن الموازين تختل وتُرجح الكفة للثاني أي الشارع والظروف الاجتماعية العائلية القاسية والتي يتربى عليها الطفل..فهي صاحبة القول والقوة والسيطرة وهي من تتحكم في توجيه قدراته وطاقاته

بينما الهياكل التربوية ما هي إلا مكملات ومحصنات….في الدول المتقدمة هناك نوع من التوازن والتقارب في درجات التأثير ..لذلك تعمل الميكانيزمات التربوية والمقررات براحة تامة.. لأن هذه المؤسسات تكمّل وتعزز بعضها البعض ولا توجد هناك نقاط تباعد بينها.وبالاختصار المفيد فإن العالم العربي والجزائر خاصة إذا ما حاولنا استقراء الواقع التربوي نجد بأن رائحة الأزمات موجودة في كل المؤسسات.وأن صاحبي العزازي كان يلوم النواحي البيداغوجية كونها لا تعمل عملها بصورة دقيقة بل هي تتماهى وترخي الحبل حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه (هناك تميّع علني داخل المؤسسات التربوية وشرخ واضح بين المدراء والمساعدين التربويين.وكذا بين كل الطواقم) لذلك فهذه الأخيرة عجزت عن السير الحسن فوق السكة…بل حادت عن السبل المنشودة.والدليل هو ما نشهده وما نسمعه من مشاكل صادرة من هذه الأوساط التربوية.نظير غياب الصرامة وتطبيق كافة اللوائح التي لم تعد إلا مسجلة على الورق؟ا وبالتالي فإن صاحبنا ينفي التهمة عن الأسرة والشارع وهو حسبه أنه مهما كان حجم خطورتها فإن المؤسسة التربوية كفيلة بتقويمها وإرجاعها إلى جادة الصواب…بينما في الضفة الأخرى يرى فريق آخر بأن الأسرة هي الأصل  أو قل الصفحة  

 

الأولى من كتاب متعدد الفصول ….والمراد والمبتغى هو أن يكون هنالك تكامل وتلاحم بين جميع هذه المؤسسات التي سبق ذكرها.حتى يتسنى لنا أن نحدد المسؤوليات.,تشخيص الداء أينما حل وارتحل وليس أن نلقي الجميع في سلة واحد ونتهمه بأنه قد أفرط أو تقاعس في أداء دوره الحضاري.وتلك أمنية عصية على المنال…وتحتاج إلى جهود كافة الأطراف والفعاليات.وتلزمها أموال ضخمة ,وعقول عدة تعمل لسنوات بهدوء ودون ضغط,حتى تتمكن من تطبيب ما يمكن تطبيبه,وإصلاح ما يمكن إصلاحه.متى يحدث ذلك يا ترى؟ا

هذا التكامل الذي تم ذكره لا يمكنه أن يكون تحصيلا حاصل .داخل واقع جزائري متشابك ومعقد…واقع يحيا على واقع العنف والجريمة بمختلف صيغها المعنوية والمادية منها…لأن الجميع اعتاد عن أن الشارع هو صاحب قول الفصل (الآمر الناهي) فهو أي الشارع ظل ومازال مكشرا عن أنيابه الحادة.ليكون بشراسته هو سيد المكان والزمان معا؟ا ولا أحد باستطاعته تحديه ومحاولة التغلب عليه أو قبره..لا لشيء سوى أنه يتغذى من قشور الأشياء وفتاتها.متكئا أو قل معتمدا على الكم العددي الهائل من النمو الديمغرافي للبشر؟ا ـ وبالتالي لا مناص إلا من إيجاد آليات جديدة.ترسم لنا مشروعا حضاريا بعيد الأمد….يسعى من خلاله المشرفون على إنتاج نوع جديد من الذهنيات خاصة تلك التي تتبوأ مسؤوليات كبرى وحساسة.

إن ما نشاهده اليوم أمام أعيننا وتنقله لنا كل مواقع الإخبار,لا يعدو سوى نتائج حتمية لسياسات ارتجالية متعاقبة..ولا يمكن بأي حال إصلاحها وتوجيهه بل التحكم فيها بين عشية وضحاها. بل وجب علينا أن نوفّر العامل الزمني,حتى تكون لدينا القدرة على القفز فوقه…أما مسألة التعايش معه فهي واقع حاضر وآني…يجب تجنب نتائجه…فقد حدث الذي حدث بسبب أن السلط المتعاقبة لم تراع منذ الاستقلال أهم المحطات ونقصد التربوية التعليمية.لذلك فها هي تجني الحصاد المر…يوم بات العقل الجزائري لا يفكر إلا كيف ينهي يومه وبمختلف الطرائق والصيغ …عقل يستهلك أكثر مما ينتج كما سبق وأن أشار المفكر الجزائري محمد أركون .حين وصف ذلك بالسياج الدوغماتي المغلق أي وأد كل ما هو غير مفكر فيه والهلهلة والترويج للسائد الروتيني الممل القاتل ؟ا

نحن إذا أمام مهمة حضارية كبرى ..هي بالأساس تتويج العقل المفكر..والعقل المفسر..صاحب الرؤى البعيدة والتأويلات الناجحة..ولن يتأتى ذلك إلا بصناعة الإنسان المثقف في شتى المجالات….الواقع الجزائري الحي والجاري حقا أفسده الدهر..فهل يؤدي المثقف العضوي أي الفعال  على الأرض,دور العطار..أم المنقذ ..أم المخطِط  والمهندس…  أم فقط النموذج الذي يمكن أن يُقتدى به داخل المجتمع والمؤسسات.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك