لحظة الحراك الفاصلة بين لحظتين

في ذكرى انطلاقته الثانية

بقلم: احسن خلاص

لا يخلو الحديث عن الحراك الشعبي لدى الجزائريين وهم يحيون الذكرى الثانية لاندلاعه من الرغبة في القيام بوقفة تقييمية لمنجزاته وإخفاقاته. غير أن المتابعين لتطور الشأن السياسي الجزائري لا يختلفون في أن الحراك مكسب من المكاسب التاريخية للشعب الجزائري في مساره الحداثي، إذ يمكن لنا بيسر أن نميز بين ما قبل فبراير 2019 وبين ما بعده وكأنه تاريخ مفصلي بين عهدين مختلفين تماما مثلما كان أول نوفمبر فاصلا بين مسارين للحركة الوطنية، مسار النضال ومسار الكفاح وكما كان أكتوبر 1988 فاصلا بين مرحلتي الأحادية والتعددية ومرحلتي الاشتراكية واقتصاد السوق. قد يصعب توقع مآلات هذه الحركة التاريخية التي انطلقت منذ عامين كاملين على المدى البعيد إلا أنها فاصلة بين نمطية اجتماعية سياسية عمرت لما يقرب من 30 سنة ونمطية أخرى تبنى بصفة تدريجية وتتطور لتأخذ شكلها النهائي.

 

عشية انطلاق الحراك الشعبي وجد الجزائريون أنفسهم أمام نظام لم يكتف باستهلاك أزماته الداخلية لوحده وإعادة إنتاجها لنفسه بل انتقل بها وصار يوزعها على المجتمع وأصبح بذلك عامل تهديد للأمن القومي ولتماسك النسيج الاجتماعي. لقد شاهد الجزائريون عشية اندلاع الحراك جزائرهم وهي على وشك الانهيار كدولة بعد أن أبان الأفراد الذين كانوا يمثلون واجهة السلطة المؤسساتية والحزبية عن ميوعة وابتذال سياسي وأخلاقي فضيع لم تشهد له الجزائر مثيلا من قبل. كان الجزائريون يصيبهم الذهول والدهشة يوما بعد يوم وهم يشاهدون على قنوات التلفزيون العامة والخاصة ويرون في الشوارع والساحات صورا لعبادة الفرد وكأنها انتقلت إليهم فجأة عبر الزمن من عهود العبودية إلى العصر الحديث، كانت الفضائح تتابع بالجملة أمام المتابعين الدوليين وهم يرون الرئيس بوتفليقة الغائب في الواقع لا يظهر إلا في شكل “كادر” تحمله الأيدي وتتزين به الجدران ثم يقال لهم إن رئيسهم يتابع كل صغيرة وكبيرة ويسير البلد باقتدار مثل ما كان من قبل. لم تتوقف الفضائح عند هذا الحد فقد انتقلت إلى المؤسسة التشريعية التي شهدت معركة غلق باب مبنى المجلس الشعبي الوطني ب”الكادنة” لمنع رئيس المجلس من الدخول إلى مكتبه، ولم تكن هذه الواقعة إلا جزء من الوضع البائس الذي كانت تعيشه مؤسسة تشريعية ظلت تمثل رمزا للتزوير الانتخابي والفساد المالي والتسيب السياسي وولاء انتهازي لقوى خفية تسير البلد من وراء الستار باسم رئيس دولة مقعد. 

 

كانت الجزائر على تلك الحال فريسة لابتزاز قوى أجنبية كانت ترى في تلك السلطة المتهلهلة الفاقدة لأسس الشرعية السياسة والقاعدة القانونية والدستورية الصلبة الشريك المناسب الذي يسهل ابتزازه وتركيعه بحثا عن سند خارجي للتغطية عن غياب الدعم الشعبي الحقيقي. كانت الحياة السياسية قائمة على الزيف والبهتان بكل أشكاله ومعانيه وهي تمرغ شرف الجزائر والجزائريين في التراب وتعرض الوزراء للإهانة في مطارات فرنسا مثل ما حدث لوزير الاتصال حميد قرين. كثيرة هي الأمثلة التي يطول سردها للوضع البائس الذي دمر صورة النظام القائم وأوشك أن يجر معه بلدا بأكمله إلى الهاوية.

 

جاءت الانطلاقة الأولى للحراك لتنفض غبار الذل والهوان بعد أفاضت الكأس قطرة إعلان الرئيس السابق عن نيته دخول المعترك الانتخابي الرئاسي للمرة الخامسة، خرجت جموع الجزائريين في هبة شعبية لم يشهد لها البلد مثيلا ولم يضاهيها إلا خروج الجزائريين إلى الشارع تعبيرا عن الفرحة بإعلان الاستقلال. لقد أراده الجزائريون خروجا إلى الشارع وخروجا عن المألوف وقد كسر جدار الصمت والخوف وظهر بمظهر سلمية سريالية فاقت في سلميتها وحضاريتها المظاهر التي تقدمها التظاهرات في البلدان الغربية حتى أن تظاهرات الحراك تزامنت مع تظاهرات ما يسمى السترات الصفراء في فرنسا وبينت الفرق بينها في درجة سلميتها التي حطمت ما كانت تخوف به السلطة من انزلاق المسيرات والتجمعات الشعبية إلى العنف.

 

لم يكن يحتاج الحراك الشعبي إلا أسابيع قليلة لطي صفحة الأمر الواقع الذي أرادت القوى الدستورية فرضه على الشعب وقد انتهى الأمر ببوتفليقة إلى الانسحاب بعد مناورات لم تنطل على الجماهير التي لم تغادر الساحات وقد انضمت إلى مطالبها قيادة الجيش والقوى الأمنية التي سهرت على حماية المتظاهرين ومنع أي انزلاق إلى العنف. 

 

لم يكن الحراك منذ بدايته ملكا لأحد فقد تجاوز أطرافا من السلطة كما تجاوز الأحزاب والمنظمات وحتى النشطاء السياسيين والحقوقيين فقد كنا أمام لحظة فريدة من نوعها لحركة أفقية شاملة عنوانها رفض الأمر الواقع ومخرجات نظام شاخ ولم يعد ينتج إلا الانحرافات الأخلاقية والسياسية وبات خطرا على مصير الدولة والمجتمع. لقد ولد الحراك على الفطرة قبل أن تستثمر فيه القوى السياسية من سلطة ومعارضة في سبيل قولبته فكريا وسياسيا وفق الأجندات المختلفة. واليوم ونحن نحيي الذكرى الثانية صار الحراك ملكا مشاعا وملكية شاغرة جعلت أطرافا سياسية مثل قيادة حزب جبهة التحرير الوطني تحتفل بهذه الذكرى.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك