لماذا يشارك الإسلاميون في الانتخابات

مفارقات

بقلم احسن خلاص

 

غالبا ما ينتظر الرأي العام موقف أحزاب التيار الإسلامي “المعتدل” من الانتخابات كل ما حل موعد من مواعيدها غير أن التوقعات لم تصب يوما في مصب يجعل هذه الأحزاب تختار المقاطعة، فبعكس أحزاب ما يسمى التيار الديمقراطي التي تتخذ من المقاطعة أسلوبا للضغط على السلطة لم يعرف للاسلاميين أنهم سلكوا سياسة الكرسي الشاغر إلا في القليل النادر الذي يؤكد القاعدة لاسيما في الانتخابات التشريعية والمحلية. فما الذي يقف وراء هذا التوجه العام والثابت لدى الإسلاميين نحو خيار المشاركة حتى لدى الأكثر منهم حدة في انتقادهم للسلطة وتعبيرهم عن التحفظ من سلامة العملية الانتخابية وعدم ثقتهم في الجهات المنظمة لها. 

في بداية عهد التيار الإسلامي بالحياة السياسية التعددية دخل في جدل داخلي حول جدوى المشاركة في الانتخابات من الناحية السياسية ومدى مشروعيتها الدينية وكانت الجهود قائمة لدى الأطراف المعتدلة من هذا التيار لإقناع الأطراف المتشددة من الناحية الدينية بجواز خوض الانتخابات الذي كان ينظر إليه البعض بأنه جزء من الممارسة السياسية التي تصنف في خانة البدع، حيث أن لا مكان في الإسلام للانتخابات لأن أصل اختيار أمراء المؤمنين إنما هو البيعة على السمع والطاعة ولا مكان فيه لحكم الشعب أمام الحاكمية الإلهية. كانت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية التجربة الديمقراطية تجد صعوبة لإقناع الأجنحة المتشددة بضرورة خوض الانتخابات المحلية والتشريعية بالنظر إلى إنكار المتشددين مجرد التفكير في إدخال كتاب الله وسنة نبيه إلى البرلمان واخضاعهما لمناقشة ومصادقة نواب لا حظ لهم من العلم الديني فلا شيء يعلو على حاكمية الله العزيز الجبار المهيمن. كانت تلك القيادة تبرر خيارها انطلاقا من ثقتها في أن الشعب الجزائري المسلم سيختار حتما الدولة الإسلامية وسينبذ التيارات “الكافرة” المختبئة وراء العلمانية والديمقراطية فلا خوف على قدرة الخيار الإسلامي على الهيمنة الشاملة. وكان بعض هذه القيادة يعد مناهضي الانتخابات بأن الانتخابات الرئاسية التي استعجلوها آخر انتخابات في تاريخ الجزائر. 

وفي ضفة التيار ذي المرجعية الإخوانية لم يكن الاهتمام بالانتخابات قويا في بداية الأمر، كان يرى أن أولوية التيار بجمعياته وأحزابه تكمن في إعداد الفرد والمجتمع المسلم المؤمن برسالته الحضارية قبل التفكير في الوصول إلى السلطة بشكل من الأشكال بما فيها المرور على صندوق الانتخابات. وفي نهاية هذا الجدل والتردد الذي صاحبه كانت الغلبة للجناح الذي قبل برهان الانتخابات خاصة وأن الانتخابات المحلية لعام 1990 بينت جدوى هذا المسار بعدما حدثت تحولات “إسلامية” داخل البلديات التي استحوذت عليها الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورأينا كيف نزع شعار من الشعب وإلى الشعب من أعلى مقرات “البلديات الإسلامية” واكتسب الكثير من هذه البلديات استقلالية عن سلطة الولاية ونشزت عن أحكام قانون البلدية والولاية. 

لكن سرعان ما بدأ الانخراط في التوجه الانتخابي يتراجع لاسيما بعد إيقاف المسار الانتخابي عام 1992 وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بأغلبية المقاعد وحل “البلديات الإسلامية” ومطاردة المنتخبين المحليين والمرشحين الانقاذيين الذين فازوا بالدور الأول للتشريعيات. كانت فترة وقف المسار الانتخابي الممتدة ما بين يناير 1992 ونوفمبر 1995 قد أخرست ألسنة الإسلاميين الانتخابيين وأعطت كل المبررات للمتشددين الذين ينادون بالعنف سبيلا لإقامة الدولة الإسلامية. 

غير أن حركة نحناح اختارت كسر الحاجر عندما دخلت معترك الانتخابات الرئاسية لعام 1995 وفازت بالمرتبة الثانية وهو ما أمد الإسلاميين المعتدلين بنفس جديد جعلهم يطمحون في الاستثمار في سوق الانتخابات بسقف أهداف مقبول لدى السلطة لا يتيح لها الحلم بالوصول إلى السلطة بل تكتفي بالمشاركة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية. كان ظل تجربة الإنقاذ يخيم على المواقف السياسية لهذه الأحزاب فلا مجال المغامرة بالمغالبة الشعبية للوصول إلى السلطة. ولم تكن حركة النهضة تغفل عن هذا الخيار فقد شاركت هي الأخرى كما شارك الإصلاح وفتح الطريق لأن تصبح المشاركة في الانتخابات موقفا ثابتا إلى درجة أن لا أحد انتظر في يوم ما مقاطعة حمس أو أي حزب إسلامي معتمد الانتخابات لاسيما الانتخابات التشريعية والمحلية. 

ظل التيار الإسلامي ذي المرجعية الإخوانية مقتنعا أن الطبيعة لا تحتمل الفراغ وأن الظفر بالقليل خير من لا شيء، كانت أحزابه تدخل المعترك الانتخابي وهي تعلم أن عدد المقاعد التي تحصل عليها مجتمعة لا يتعدى في العادة ثمانين مقعدا تنال منها حركة مجتمع السلم حصة الأسد في الوقت الذي قضى فيه انقسام عائلتي نحناح وجاب الله على حظوظهما في رفع حصة المقاعد.

لم يشذ الإسلاميون هذه المرة عن قاعدة المشاركة الانتخابية وهم يدركون أن العائلتين الممتدتين صارتا اليوم عائلات نووية تبحث عن مواقع لها في البرلمان ضمن سباق محموم على زعامة التيار من جهة وفرض شروط تفاوضية بعد الانتخابات إذا ما استطاعت الظفر بنصيب معتبر من المقاعد يجعلها مؤهلة لأخذ حقائب في الحكومة المقبلة. فضلت هذه المرة تفادي التحالفات الانتخابية بعد فشل تجربة التحالف الأخضر عام 2012 وتجربة العدالة والبناء في 2017. لقد أدركت العائلة السياسية الإسلامية أن لا حياة لها خارج المؤسسات المنتخبة بالرغم من أنها لم تكف يوما عن الطعن في نتائج الانتخابات والادعاء بأن التزوير ظل يحول دائما دون إبراز مكانتها الانتخابية الحقيقية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك