لوبيات ضاغطة تقف وراء محتوى تقرير ستورا

إنقاص متعمد لأهمية الأرشيف

ملف من إعداد : فرحاني طارق عزيز 

  • دور خفي ليهود الجزائر، الحركى، والأقدام السوداء
  • إسقاطات خارج سياقها التاريخي والجغرافي
  • 157 صفحة منها 57 صفحة مخصصة للتشكرات والملاحق

 

 

فتح التقرير الذي قدمه المؤرخ الفرنسي بناجمين ستورا حول ملف الذاكرة بين الجزائر ،وفرنسا باب النقاش بين المؤرخين والباحثين الجزائريين، الذين قدموا وجهات نظرهم الشخصية ،وقراءاتهم التي انطلقت من تحليل معمق لفحوى التقرير، وأدلوا لجريدة الوسط بتصريحات تتمحور حول أهميته خصوصا وأنه يعكس وجهة النظر الفرنسية ورؤيتها ،واعتقادها تجاه الملف، وانعكاساته المستقبلية على مسار المفاوضات الجزائرية الفرنسية. 

 

الأستاذ الدكتور مولود عويمر، جامعة الجزائر 02

مسألة الذاكرة مصيرية 

 

قال الأستاذ الدكتور مولود عويمر بأنه يوجد هناك فرق بين التقرير الذي يقدمه الخبير للهيئة العلمية، والتقرير الذي يقدمه لهيئة سياسية. في المثال الأول، لا يخضع المقرِر إلا للضوابط العلمية ليحافظ على مصداقية الموضوع وسمعته بين أقرانه، بينما في المثال الثاني يسترشد المقرِر بالتوصيات التي أخذها من الشخص الذي كلفه بالمهمة التي يعتبرها مهمة علمية، وفي نفس الوقت يحسبها مشاركة منه في إنجاح المشروع المرسوم لاعتبارات مختلفة. يتضمن تقرير ستورا الذي حوى 157 صفحة منها 57 صفحة مخصصة للتشكرات والملاحق، عرضا لكل الجهود السابقة من أجل المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري على المستوى الرسمي والجمعوي والبحث العلمي. ثم يدعو إلى تكوين لجنة مشتركة لمواصلة العمل، وفق 27 اقتراحا (وليس 22 كما هو متداول جدا)، منها 1 و2 و10 وجزء من 11 له علاقة بالحركى والجنود الفرنسيين، فبالنسبة للحركى فإنه يقترح يوم 25 سبتمبر يوما وطنيا في فرنسا للحركى، كما يقترح السماح لهم ولأبنائهم بزيارة الجزائر. وبخصوص الجنود الفرنسيين فإنه يقترح على اللجنة المشتركة أن ترسِّم في فرنسا يوما وطنيا لهم دون تحديده. أما غالبية الاقتراحات الأخرى فإنها تتعلق بفتح الأرشيف بين البلدين، والتعاون بين الباحثين الجزائريين والفرنسيين في مجال البحث التاريخي، وتنظيم ملتقيات دولية حول بعض الشخصيات الفرنسية التي عارضت سياسة الحكومة الفرنسية خلال الثورة الجزائرية، واسترجاع للجزائر بعض المسروقات الفرنسية مثل سيف الأمير عبد القادر وأشياء أخرى. اعتمد ستورا على حوارات عديدة مع الشخصيات السياسية والعلمية الفرنسية والجزائرية، واستخدم مراجع كثيرة منشورة باللغة الفرنسية وقد كان ستورا منسجا مع قناعاته فأعاد في هذا التقرير ما كتبه في كل كتبه ومقالاته، وفي مداخلاته التلفزيونية والاذاعية سواء في فرنسا أو في الجزائر، شخصيا لا أرى أشياء جديدة في هذا التقرير إلا في بعض التفاصيل التطبيقية فقط، هذا العمل جاء مستعجَلا (بفتح الجيم) بضغط ما حدث في فرنسا خلال تحرير التقرير والتحديات الانتخابية القادمة في فرنسا، لقد ركز ستورا تماما على فترة 1954-1962 وأهمل الفترات الأخرى من التاريخ الاستعماري في الجزائر، واختصر الحديث عن جرائم جيش الاحتلال في القرن التاسع عشر، ولم يخض في تجريد المجتمع الجزائري من أملاكه، وحرمانه من مقوّماته الثقافية خلال 132 سنة، أنا مقتنع دائما أن تاريخنا تكتبه أقلامنا أولا، ولا تكون كتابتنا في مستوى آمال أبنائنا وطموحات أحفادنا إلا إذا التزمنا دائما بضوابط المنهج العلمي، وارتقينا إلى مستوى المتطلبات المعرفية والطموحات التنموية، أما الذاكرة، فإنها لم تعد اليوم مسألة تاريخية صرفة ليهتم بها فقط المؤرخون أو السياسيون، وإنما أصبحت مسألة مصيرية متعددة الجوانب تحتاج إلى كل العقول المفكرة والمبدعة لتشكيلها بما يحافظ على روح الماضي ويسدد رهانات الحاضر ويحقق أمل المستقبل.

 

الدكتور عبد الحميد دليوح، جامعة تيبازة

جهات أثرت في صياغة التقرير

 

أكد الدكتور عبد الحميد دليوح بأن التقرير الذي أعده المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا جاء صادما ومجحفا خاصة وأنه أتى من رجل ذو خلفية بحثية وعلى دراية تامة بالمطالب الجزائرية ومدى مشروعيتها، لكن الرئاسة الفرنسية لم تتنكر لعاداتها مع شركائها ممثلين في اللوبيات الثلاث: يهود الجزائر، الحركى، والأقدام السوداء بخصوص ملف الذاكرة الذي يتمحور حول الاستعمار الفرنسي للجزائر، وما رافق الملف من تفاهمات على أعلى مستوى من البلدين، لكن تعيين ستورا كان نتيجته مثل هذا التقرير الصادم والمجحف الذي يا حاول أن يثبت حقوق هاته اللوبيات قبل الولوج في أي إجراء اعترافي، ومن جهة أخرى جاء التقرير ليؤكد على عدم وجود نية فرنسية سياسية لفتح ملف الذاكرة، وطي صفحة الاستعمار الفرنسي للجزائر والجرائم المرتكبة في حق الشعب الجزائري والاعتراف بها. 

وأشار الدكتور عبد الحميد أيضا إلى غياب مقاربة جزائرية بخصوص ملف الذاكرة ولا أدل على ذلك من تكليف عبد المجيد شيخي للعمل حول هذا الملف، وهو بعيد كل البعد عن هذا الملف وعن ميدان البحث التاريخي والعملي الذي انطلق منه الفرنسي بنجامين ستورا، وعدم وعي لدى صانعي القرار في الجزائر بثقل هذا الملف وما يعينه حتى لفرنسا في الجانب الأخر، وفي هذا الإطار ستكون المطالب الجزائرية مطالب طوباوية فقط. 

حيث أكد على أنه كان من الأجدر فتح نقاش في الجزائر يخص الباحثين والأسرة الثورية حول جدوى الاعتراف وماذا نريد بالاعتراف؟، هذا هو السؤال الذي يلح بطرح نفسه، وهل سيضيف شيئا، ومن وجهة نظري المتواضعة أرى أن فرنسا خسرت عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا في الجزائر، فما جدوى هذا الاعتراف الذي نطالب به؟ وإلا فالأمر أصبح بمثابة عملية استجداء وتسول رخيص في نظري، ويرهن نضالات الشعب الجزائري التي تواصلت لمدة 132 سنة كاملة، وهذا هو الأمر المستنكر في جانبا الجزائري، فالواجب الضروري الأن والذي يفرض نفسه علينا هو العمل في فتح نقاش جامع للباحثين الجزائريين وهم من يحددون مطالبنا بخصوص ملف الذاكرة، وما على السياسيين إلا الإصغاء وتنفيذ ما يتم تقريره من طرف المرجعية التاريخية ممثلة في الأسرة الثورية بتنظيماتها وتشكيلاتها والباحثين، وبعد ذلك الانتقال لفتح نقاش معمق مع الجانب الفرنسي وفقا للأرضية المعدة سلفا، بخالصة ودراسة كاملة للجرائم المرتكبة من طرف الاستعمار الفرنسي، وحينها يمكنك رفع سقف المطالب. 

ومن جهته استنكر التلويح بقانون تجريم الاستعمار ووضعه في سياق رد الفعل والسيجال السياسي وهو أمر مرفوض ومرفوض بشدة، لأن الاستعمار الفرنسي مدان ومجرم وكان من الأفضل إصدار هذا القانون في ظرف عادي، وليس في ظرف سيجال سياسي مع فرنسا، ويجب أن يفرج على هذا القانون في ظرفه العادي ،وليس في ظل السجال السياسي الحاصل اليوم، وكل من يتكلم بتجريم الاستعمار عندنا أو فرنسا فعندنا هذا فعل مجرم، لهذا أستنكر التلويح بإصدار هذا القانون في هذا الظرف الذي يثبت من عزائم أبنائنا المجاهدين ومناضلي الذاكرة الوطنية. 

 

وطالب الدكتور عبد الحميد دليوح بضرورة العمل على إدماج التاريخ وإعطاء الأولوية لمادة التاريخ في التربية وفي كل قطاعات الدولة الجزائرية ،وأن نحتفي بها ونعطيها مكانتها الحقيقية وأبعادها، وأن نربي الناشئة من أجيالنا على هاته الخلفية التاريخية للشعب الجزائري، لأن كل دول العالم تقدس تاريخيها ،وتحترمه إلا نحن، حيث نقوم بربط التاريخ بمواد أخرى مثل الجغرافيا والتربية المدينة ونقلص من حجمها الساعي الذي لا يغطي أهميتها العملية ،ومكانتها في المجتمع، مع التقليل من معاملها في الامتحانات هو ما يجعلها مادة ثانوية لا ترقى لمصاف المواد الأساسية الأخرى. 

ويرى الدكتور عبد الحميد دليوح كذلك بأن الجانب الفرنسي منظم فيما يخص ملف الذاكرة، وله شركاء اجتماعيين وهم: الحركى، والأقدام السوداء ويهود الجزائر، الذين يمثلون ركيزة أساسية للسلطات الفرنسية ،وأدوا أدورا معقدة خلال الثورة الجزائرية، ولهذا جاء تعيين المؤرخ بنجامين ستورا كضمانة لهاته الأطراف الثلاثة لإعطائهم نوعا من الطمأنينة والأريحية ورسالة تفيد بأن الدولة الفرنسية ستعطيهم حقوقهم المزعومة. 

يضيف الدكتور عبد الحميد دليوح بأن مسألة الأرشيف الذي أخذته السلطات الاستعمارية الفرنسية من الجزائر غداة الاستقلال، ملف المهم يكتسي بعدا ذو دلالات عميقة وهو أهم حتى من مسألة الاعتراف الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، بعد الهزيمة التي تلقتها فرنسا الاستعمارية في الجزائرية، وهو لن يقدم ولن يؤخر شيئا، ويجب على السلطات الجزائرية أن تلجأ إلى التحكيم الدولي لأجل الحصول على الأرشيف وكما نعرف فرنسا وقعت على كثير من الاتفاقيات الدولية فيما يخص شفافية الأرشيف ،وهو الأمر الذي سيدفعها في النهاية إلى الرضوخ للمطالب الجزائرية في هذا الجانب. 

وفيما يخص النقاط التي تضمنها التقرير الذي أعده المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا اعتبر الدكتور عبد الحميد دليوح بأن ستورا قال من يريد في تقريره باعتبار أنه أستاذ تاريخ وأثرى المكتبة التاريخية المشتركة بين الجزائر وفرنسا بعدة مؤلفات وهذا لا يمكن أن ننكره وقد درسنا على كتبه في الجامعات، لكن ما يريد منا كمؤرخين جزائريين أن نفتحها، فليتفضل وليقم بفتحها هو بنفسه إن أردا ذلك، والتي تغاضى عنها المؤرخ الجزائري كما ادعى بنجامين ستورا والذي اتهمه بأنه حبيس التاريخ الرسمي، وبالمناسبة أكد الدكتور عبد الحميد دليوح بأنه لا يوجد شيء اسمه تاريخ رسمي وتاريخ غير رسمي وهي مغالطة كبيرة، فالتاريخ واحد وجزء لا يتجزأ، وإذا اكتشف ستورا أخطاء في التاريخ فعليه كشفها وتقديم الأدلة على ذلك، وفي هذا الخصوص أقول بأنه نستطيع تسمية الأمور بمسمياتها تاريخ صحيح وتاريخ مزور. 

وفي هذا سياق الأولويات يرى الدكتور عبد الحميد دليوح بأنه توجد أولويات للمدرسة الجزائرية التي لم تنتهي من كتابة تاريخينا الوطني والتعريج على كافة النقاط فيه وإماطة اللثام على كل الأحداث والوقائع التي عاشتها الجزائر عبر مختلف العصور والحقب، وكتابة الخطوط العريضة والتعمق في دراسة الدقائق والتفصيلات التاريخية، ومنذ الاستقلال ونحن نعمل جاهدين لأجل كتابة تاريخينا، الذي يجب أن نعود فيه إلى الأرشيف أحد روافد الكتابة التاريخية. 

وكما كان متوقعا فقد ثبت بنجامين ستورا في تقريره بعض النقاط التي تهم اللوبيات الثلاثة التي تمت الإشارة إليها، خصوصا يهود الجزائر والأقدام السوداء الذين يضغطون على الحكومات الفرنسية باستمرار لتثبيت مطالبهم التاريخية المزعومة، في إطار الحوار مع الجزائر في إطار ملف الذاكرة. 

وفي هذا السياق وجه الدكتور عبد الحميد دليوح نداء إلى المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا وطالبه بعدم نسيس التاريخ وعدم جعله مطية للمهاترات السياسية ولتصفية حسابات ضيقة، وكان يجب عليه كمؤرخ ألا يمر مرور الكرام أهم حيثيات ومفاصل تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ومر على المجازر دون أن يعيرها أهمية نظرا لثقلها التاريخي حيث تعد وصمة عار تلطخ جبين الفرنسيين الذين يدعون الحضارة في خطاباتهم الرسمية متناسين الدماء التي أراقوها في الجزائر. 

كما نوه الدكتور عبد الحميد دليوح في تدخله إلى العراقيل التي تواجه الباحث الجزائري واعتبر أن الأرشيف الذي صادرته السلطات الفرنسية غداة استقلال الجزائر نقطة مهمة يجب أن نعمل لأجل استرجاعه والاستفادة منه لكتابة تاريخينا خصوصا الحقبة الاستعمارية، مشيرا في ذات السياق إلى ضرورة فتح الباب من طرف القائمين على الأرشيف الوطني أمام الباحثين الجزائريين حتى يتسنى لهم الاستفادة من الوثائق التي يحتويها، معتبرا تصريحات السلطات الفرنسية بعدم وجود نية لديها للاعتذار على جرائمها الاستعمارية في الجزائرية انتكاسة للدبلوماسية الجزائرية خلال هذه الفترة. 

 

الدكتورة حليمة مولاي،”كراسك” وهران

الذاكرة فرصة للتصالح وليس للصراع

 

كما اعتبرت الدكتورة حليمة مولاي بأن العلاقات الجزائرية الفرنسية لطالما تأثرت بسبب السجال ،والنزاع الذي خلفة التاريخ المرتبط بالحقبة الاستعمارية ولذلك كان لابد على السلطة السياسية في كلا البلدين إيجاد حلول تخفف من وطئه هذا الصراع بهدف خلق حالة من التصالح والتسامح بين الأجيال القادمة في كلا البلدين لكن لا يمكن تحقيق ذلك بغض الطرف على ما ارتكبته فرنسا من جرائم ضد الجزائريين ،وهذا ما حاول المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا الإشارة اليه في اكثر من موضع لكن من خلال تفكيره كفرنسي ينتمي للدولة الفرنسية حيث علينا الانتباه ان لكل دولة ذاكرتها الخاصة بها وهو ما وقع فيه المؤرخ حينما حاول التقريب بين الشعبين من خلال طرحه ما يسمى بالذاكرة المشتركة لكن للأسف من حلال وجهة نظر فرنسية حتى وان ذكر مجموعة من الأسماء والاحداث المرتبطة بالجزائريين الا انها كانت اجتهادا شخصيا منه أدى به الى انتقاء احداث معينة دون غيرها وهذا غير ملزم للطرف الجزائري الذي بدوره له الحق والحرية في وضع ملف يضم وجهة نظر جزائرية ورؤية وطنية للذاكرة التي بإمكانها خلق هذا التصالح مع الدولة الفرنسية.

كما يجب أن نقر ونعترف أن هذا الملف وأن تم إنجازه من طرف مؤرخ ذاع صيته عالميا ومرتبط ارتباطا شخصيا وأكاديميا بالجزائر إلا أنه كشف النقاب على أن مشكل الذاكرة لا ينحصر بين فرنسا ،والجزائر بل إن الفرنسيين أنفسهم لم يتصالحوا بعد مع هذه الذاكرة التي يريدوننا تجاوزها من خلال مجموعة من المقترحات التي تخص الطرف الفرنسي والدليل على ذلك هو تغييب كلي لمطلب الاعتراف بما اقترفته فرنسا ضد الجزائريين جميعهم وليس فقط ضد اشخاص دون غيرهم، بالإضافة الى استبعاد فكرة الاعتذار التي حسب وجهة نظري الشخصية ليست هي المطلب الأساسي لتجريم الاستعمار فكل الاعمال الاكاديمية المنجزة داخل فرنسا -لان الملف يخصها- توثق لتلك الجرائم بل وتدينها وهو امر مهم جدا بل و مفيد للطرف الجزائري. بل وأكثر من ذلك وردت مسالة الاعتراف بكل هذه الجرائم وعلينا التركيز جيدا عليها فلن نترك تعاطينا الحاد مع الملف يدفعنا لإهمال هذه المسائل المهمة جدا.

ما يجب التركيز عليه أن الملف ضم حلولا قوية باسم الذاكرة لكل مشاكل فرنسا السياسية وأخص بالذكر نلك المرتبطة بالحركى الذين يشكلون هاجسا لها منذ استقلال الجزائر إلى غاية اليوم فلا يزالون يذكرونها بمعاناتهم لأجل فرنسا وحرمانهم من الجزائر للحصول على المزيد من الامتيازات، بالإضافة إلى الاقدام السوداء الذين كثير منهم لا يزال ناقما على دولته بسبب استقلال الجزائر بل ويتأمل في عودته واسترجاع ممتلكاته وليس فقط تمتعه بزيارات للبلد الذي ولد او تربى بها، اما بخصوص قضية مقابر اليهود فهو فعل أخلاقي تمارسه الجزائر لحماية كافة المقدسات الدينية لكل الأديان وليس فقط اليهود ولذلك كان لابد على المؤرخ بن جامين ستورا أن يوضح في مقترحاته الفئات المعنية بهذه المصالحة خصوصا أنه يدرك حساسية هذه المواضيع عند الطرف الجزائري الذي ربط كل من وقف ضد الثورة التحريرية “بالخائن” يل هو نفس الموقف الفرنسي  ،وخصوصا الراي العام الفرنسي عندما يتعلق الأمر عندهم بمن تعامل مع النازية خلال الحرب العالمية، لكن علينا دائما النظر للقضية من وجهة نظر فرنسية ، وأعيد وأكرر فلكل دولة ذاكرتها التي تخصها وأن الطرف الفرنسي تعامل مع هذا الملف بجدية كبيرة نظرا لأهميته القصوى فهو بالنسبة له قضية أمة ومستقبل فرنسا السياسي خصوصا .ولابد من الاعتراف ان الأسماء الجزائرية التي ذكرها الملف من أجل إعادة الاعتبار لها من خلال مجموعة من الرموز التي تجسد الذاكرة هي أسماء مرتبطة بتاريخنا الوطني وذاكرتنا الجزائرية بل ولها مكانة مهمة داخل المجتمع الجزائري إلا أنها تعد واحدة من عدة شخصيات وطنية عانت بشكل كبير جدا في ظل الاستعمار الفرنسي ،وتعرضت للتعذيب ،والاغتصاب والتهجير فشخصية الأمير عبد القادر مثلا قد حظيت منذ عهود بالتكريم ،و الاعتراف العالمي في كافة انحاء المعمورة في حين لا تزال أسماء جزائرية من مقاومين و شهداء الثورة لم تعترف بعد فرنسا بجرائمها ضدهم وأقل فعل لأجلهم هو تمثال لأحدهم بقلب باريس.

إن الحديث عن الذاكرة المشتركة لا يمكن أن يحمل ذاكرة انتقائية ولذلك لابد من التفكير جديا في إنجاح هذه المفاوضات ،وعدم جعلها صراع جديد من أجل الذاكرة وإلا فلن نحقق الهدف الرئيسي من بعثها من طرف رئيسي الدولتين ،ويكون ذلك بوضع استراتيجية نحدد من خلالها شكل هذا التفاوض ،والالتفاف حول ما يجمعنا بدل التركيز على ما يفرقنا وأقصد تلك المسائل التي طرحها الملف والمتعلقة بفتح باب البحث أمام الجزائريين وقضية الأرشيف والاطلاع عليه بالإضافة إلى تسهيل الحركة البحثية بين البلدين، إلى جانب نصب التماثيل و إقامة الشراكات العلمية، وفي الختام أرى أنه علينا أن ننظر للملف بموضوعية حتى لا نقع في شعبوية الخطاب التي تبعدنا جميعا كباحثين في الحقل الأكاديمي من النقد البناء الذي يساعدنا على إنجاز ملف جزائري لأجل تحقيق الهدف الأول من هذا التفاوض أو المصالحة لأنه مسار للتلاقي ولابد ان تنجح الجزائر في هذا المهمة دون التأثر الإيجابي أو السلبي بالملف الفرنسي.

 

الدكتور مولود قرين، جامعة المدية

ستورا ميّع الموضوع وقام بإسقاطات خارج سياقها التاريخي والجغرافي. 

 

أشار الدكتور مولود قرين إلى أن ملف الذاكرة، أو بما يصطلح عليه بالذاكرة المشتركة بين فرنسا والجزائر، ملف معقد جداً، يستدعي تضافر جهود الجميع من المؤرخين الأكاديميين والقانونيين والمختصين في الأرشيف وحتى الذين عايشوا الحقبة الاستعمارية أو الذين لا يزالون إلى يومنا يعانون من عواقبها الوخيمة، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم شخص واحد بإعداد ملف متكامل يعالج فيه بدقة كل المسائل العالقة بين البلدين، يمكنه طبعاً الأشراف على الملّف فقط مع فتح باب النقاش للجميع، والاستناد إلى دراسات علمية دقيقة وبحوث أكاديمية تجعل من حتى يكون تقريره قوي بحجج علمية دامغة بعيد عن العاطفة.

وما يفرض علينا الجدية والحزم أكثر والتعامل مع الملّف بأكثر مسؤولية هو التقرير الذي أعدّه المؤرخ الفرنسي “بنجامين ستورا” حول الذاكرة المشتركة التي أبان فيه الانحياز لمصالح فرنسا بالدرجة الأولى، والرّكون إلى دراسات ذات توجه إيديولوجي واحد، خاصة لما أبدى رأيه في قضايا حساسة كملف الحركى، والأقدام السوداء، وملف المفقودين. 

وقد عبّر عن وجهة النظر الفرنسية في موضوع استرجاع الأرشيف، إذ يرى بأن الأرشيف هو أرشيف فرنسي يرتبط بالسيادة الفرنسية، باعتبار أن الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية كانت قانونيا مقاطعة فرنسية، متناسياً أن إلحاقها كان إلحاقاً قسرياً واحتلال استيطاني قمعي اغتصب السيادة الوطنية وحاول جاهدا القضاء على كل ما يرمز للامة الجزائرية، وفي ذات الوقت متناسياً القوانين الدولية، والتي تنص على أن الأرشيف ملك للبلاد التي كتب فيها، فهذا عمل المختصين في القانون الدولي حتى يدرسوا الموضوع من جوانبه القانونية فتكون حجتهم قوية. كما أن طرح جملة من الشروط إذا كان هناك توافق على استرداد الأرشيف، وهو أن الإدارة الفرنسية تنتقي السلاسل التي تقدمها، وهذا ما لا يجب أن يقبل به الطرف الجزائري، لأن فرنسا بطبيعة الحال لا يمكن أن تقدم ما يدينها من وثائق ومستندات.

والخطأ الذي لا يجب أن يقع فيه الطرف الجزائري، هو أن الأرشيف لا يقتصر على التقارير الإدارية ومصالحها المختلفة، بل يشمل كل الوثائق التي اغتصبتها فرنسا سنة 1962م خاصة المخطوطات التي تشكل ارث حضاري للأمة الجزائرية.

وفي موضوع الاعتراف بجرائم فرنسا نلاحظ أن ستورا قد ميّع الموضوع وقام بإسقاطات خارج سياقها التاريخي والجغرافي عندما قارن بين الاحتلال في الياباني لكوريا والصين واعترافها بجرائمها والاحتلال الفرنسي للجزائر، كما أنه لم يعطيه حقه، واعتقد أن هناك خطوات كبيرة تسبقه، وكذلك لم يتطرق إلا عرضاً للتجارب النووية الفرنسية. لذلك المفاوض الجزائري يجب أن يكون كيساً فطنا وأن يقدم حجج دامغة تثبت جرائم الاستعمار في حق الإنسانية في الجزائر، خاصة وأن أثارها لازالت ماثلة إلى يومنا هذا، مثل ضحايا التفجيرات النووية والإشعاع الذي لازال في بعض المناطق إلى يمنا هذا، وكذلك الألغام والقنابل المنتشرة على الحدود خاصة الحدود الشرقية للجزائر. وما يجعل المهمة شاقة أكثر هي موقف الرئيس الفرنسي الذي تناقلته مختلف الصحف، الذي بعد أن اطلع على تقرير ستورا، قال بأن مسألة الاعتراف بالجرائم الفرنسية مسألة غير واردة.

وأعتقد أن كل الملفات ستبقى عالقة، وأن العلاقات بين البلدين لا تكون طبيعية إلا بالاعتراف الفرنسي الرسمي بمختلف الجرائم وإبطال قانون 23 فبراير 2005م الذي بموجبه أصبح الطّلاب في فرنسا يدرسون بأن الاستعمار كان رسالة حضارية لشعوب شمال إفريقيا.

 

الدكتور إبراهيم مرزقلال، جامعة المسيلة

ستورا عمل جاهدا على طمس أهمية الأرشيف 

 

أكد الدكتور إبراهيم مرزقلال على أهمية الأرشيف ودوره الفعال في قضية الحال والمتعلقة بملف الذاكرة المشتركة بين الجزائر ،وفرنسا خاصة بعد تسليم بنجامين ستورا المكلف رسميا بالملف ممثلا عن الطرف الفرنسي لتقريره إلى السيد ماكرون الرئيس الفرنسي. حيث أشار إلى أن القضية الجوهرية في ملف الذاكرة هي الوثائق الأرشيفية التي استولت عليها فرنسا من الجزائر، أو مختلف التقارير والكتابات التي تضمنت تفاصيل لفعاليات المجتمع الجزائري خلال فترة الاحتلال الفرنسي وفي هذا السياق يؤكد على المقترح الذي تضمنه تقرير المؤرخ بنجامين ستورا حيث أتاح للجزائر إمكانية استرجاع بعض المحفوظات الأصلية دون سواها. وهي في اعتقاده دليل إثبات لسوء نية الطرف الفرنسي في إيجاد تسوية عادلة للملف حيث تختفي وراء الوثائق غير المتاحة فظاعة الجرائم المرتكبة خلال فترة تواجدها بالجزائر. كما أن منح إمكانية التعامل مع الوثائق الأرشيفية المحددة سلفا وبتعداد لا يتجاوز العشرة باحثين جزائريين يبقى أمرا غير منطقي وينم عن خبث فرنسي يسعى إلى ربح رهان الزمن وإطالة مدة التعتيم حول قضايا إجرامية ارتكبتها فرنسا الاستدمارية. وفي مقابل ذلك واستنادا إلى تقرير السيد بنجامين ستورا دائما تظهر فائدة الأرشيف بالنسبة للملف. فقد تضمن السماح للطلاب الفرنسيين بالوصول للأرشيف الجزائري لتنقّب فرنسا أكثر. رغبة منها في استكمال كتابة حلقات تاريخها، بينما تظل أطنان الوثائق التاريخية ذات الأهمية لملف قضية الذاكرة حبيسة رفوف المكتبات ومراكز البحث ودور الأرشيفات الفرنسية، وبالتالي كل اقتراح لا يمنح حرية استعمال الأرشيف يبقى مجرد تصور نظري لحلحلة القضية ومادامت الوثيقة الأرشيفية غائبة تبقى تبعا لذلك القراءة للمشهد تكتسيه الضبابية وفق قراءة أحادية للقضايا ذات الصلة بملف الذاكرة وأبسطها إدانة الاستعمار في حد ذاته. ويبقى المطلب الأساسي لإيجاد مقاربة وتصور لملف الذاكرة المشتركة هو تدقيق التقرير وذلك بنزع الإشارات التي تتضمن قضايا هامشية من شأنها أن تصرف النظر عن أم القضايا وهي استعادة الأرشيف كاملا بما حوى. إنّ المؤرخ بنجامين ستورا عمل جاهدا من خلال تقريره على طمس أهمية الأرشيف وتكريس تصور لمناقشة ملف الذاكرة وفق نظرة سياساوية فرنسية تغيب فيها حقائق الأرشيف.

 

الباحث فتحي براي، جامعة المسيلة

فرنسا لازلت تتعنت في معالجتها لقضية الذاكرة 

 

واعتبر الباحث فتحي براي بأن التقرير المقدم من طرف المكلف رسميا بملف الذاكرة وممثل السلطة الفرنسية فيه. والذي حوى العديد من القضايا التاريخية خلال فترة الاستدمار الفرنسي بالجزائر التي تمثل محاور اختلاف جوهرية وتوضح رؤى متباينة بين الطرفين أن فرنسا لازلت تتعنت في معالجتها لقضية الذاكرة بتكريسها مبدأ التستر عن جرائمها ومحاولة ذر الرماد بالعيون. وتوظيف سياسة المناورة للحيلولة دون ظهور الحقيقة بما تختزنه دور أرشيفاتها. وهي القضية التي يراهن عليها المؤرخون والمختصون في تقديم رؤية شفافة لحقيقة التواجد الاستدماري بالجزائر وتوفير أدلة إدانة قوية. ونؤكد في هذا السياق أن تحويل الأرشيف يمنح فرصة أكبر أمام الباحثين والمهتمين لكتابة تاريخ وطني للفترة المعنية بعيدا عن التأريخ المؤدلج أو التأريخ بأقلام مأجورة لصالح المقاربة الاستعمارية. كما أن نظرة سريعة لما تضمنه تقرير بنجامين ستورا يوحي بما لا يدع مجالا للشك أنه يسوق النظرة الرسمية الفرنسية التي تعمل على طمس الحقيقة والترويج لنظرة أحادية يمكن من خلالها-في اعتقادهم-رأب الصدع الحاصل منذ 1830م بين الجزائر وفرنسا الاستدمارية. والمناورة في تفعيل تاريخ مشترك يساوي بين الضحية التي يمثلها الشعب الجزائري بمختلف فعالياته والفرنسيين ومنهم الأقدام السوداء باعتبارهم جزء من التكوين البشري بالأرض حيث لا يمكن الاستغناء عنهم في كتابة تاريخ الجزائر. والدعوة إلى منحهم بعض الحقوق تحت غطاء الشرعية التاريخية لهم، جاء تقرير السيد بنجامين ستورا هزيلا، مخيبا للآمال بما حواه من اقتراحات جوفاء لا تسمن البحث التاريخي بالجديد ولا تغنيه بإضافات أقل ما توصف به هو صرف النظر عن القضايا الجوهرية محل الخلاف كالاعتراف بجرائم فرنسا بالجزائر بدءاً من سلبها سيادتها عقب الحملة ثم ممارساتها الشيطانية طوال مائة وثلاثون سنة من تواجدها. وبالرغم من أن ستورا معترف له بتضلعه في قضايا التاريخ الفرنسي بالجزائر إلا أنه عبر من خلال تقريره عن رؤية قاصرة لازالت تكرس مبدأ التاريخ يكتبه المنتصر، فراح يملي شروطا تعجيزية كالاعتماد على الرواية الشفهية بخصوص الممارسات المشينة لفرنسا ضد الشعب الجزائري، واقتراحات أخرى تفيد بعدم الجدية في معالجة الملف المشترك للذاكرة كتلك المتعلقة بسرية بعض الملفات والتي لا يمكن بأي حال التوصل لها، يبقى في اعتقادنا أن حسن النية لمعالجة الملف غير متوفرة من جهة فرنسا، بينما بالنسبة للطرف الجزائري فإن طي الملف يبقى رهين قوة وصلابة المكلف رسميا أمام الضغط الممنهج من قبل الخصم. ولا يخفى على مهتم بالموضوع أن الجزائر تمتلك بمؤسساتها ومراكزها البحثية قدرات وخبرات بشرية فنية يمكنها الذهاب بملف الذاكرة المشتركة إلى أطوار متقدمة.

 

     

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك