مؤلفه ” أهليل تڤورارين ” نموذجا

" الأهليل " في كتابات الأستاذ محمد السالم بن زايد ...

نموذجا 

عيسى بوذراع . منتج إذاعي 

 

يعتبر غناء ”  أهليل ” ، من الفنون الشعبية الجزائرية التي حظيت باهتمام الباحثين في كثير من المناسبات ، وفي مقدمتهم الباحث الأنثربولوجي مولود معمري رحمه الله ، نهاية الستينات وبداية السبعينات ، لما كان مديرا للمركز الوطني للأبحاث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ ، وهو أول من سلط الضوء على هذا الغناء من خلال بحث أكاديمي أعده وقدمه إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ” اليونسكو”، كما لعب أبناء المنطقة دورا مهما في التعريف به عقب تصنيفه ضمن النوادر العالمية في 05 نوفمبر 2005 م ، من جملة 43 موسيقى عالمية نادرة ، إذ برزت جمعيات وشخصيات ساهمت في إقامة مهرجان سنوي يأتيه سياح من داخل الوطن وخارجه ، ومن بين الجمعيات التي سجلت حضورا قويا في مختلف المناسبات ، الجمعية الثقافية ” تيفاونتزيري ” للمحافظة على الأصالة والتراث بتيميمون ، التي أصدرت بدورها مطلع 2015 م مؤلفا تحت عنوان ” أهليل ڤورارة  ” ، شمل 61 نصا على لسان أحد أعمدة هذا الفن وهو الشيخ التيميموني الحاج بركة فولاني ، وفتحت مدرسة لتعليم الأهليل يشرف عليها هذا الأخير ، كما وردت كتابات وأبحاث في غاية الأهمية من الأستاذ محمد السالم بن زايد ، مفتش التعليم الثانوي ، والباحث في التراث غير المادي لمنطقة تيميمون ، نشرت في مجلة المهرجان الثقافي الوطني أهليل الذي ينظم كل سنة لإحياء هذا التراث الغنائي العريق ، وفي مطلع 2016 م أصدر مؤلفا سماه ” أهليل نتڤورارين ” ، حملت صفحاته كما هائلا من القصائد بلغ عددها 43 نصا في مختلف الأغراض ، جمعها من شيوخ الأهليل في عمل ميداني أخذ تسع سنوات كاملة من 2007 م  إلى غاية 2016 م ، الباحث الأستاذ بن زايد ابن ڤورارة نشأ بحواضر الأهليل ، وترعرع وسط رواد هذا الغناء و هو عازف ماهر على آلة البنڤري ، عاصر العديد من الأسماء الرائدة في هذا الغناء , سمع من شعراء المنطقة أروع قصائدهم ، احتك بالفرق الغنائية منذ صباه وردد خلفهم بعض الأغاني ، إلى أن أصبح عنصرا فاعلا في كل  التظاهرات التي تقام لإحياء تراث الأهليل  ، وأضحى يشكل همزة وصل بين أجيال لها باع طويل في غناء أهليل منهم من رحل ومنهم من هو على قيد الحياة  ، وأجيال تشق طريقها بثبات نحو الاحترافية لتكون خير خلف لخير سلف . للأستاذ محمد السالم مؤلفات وبحوث في ميادين أخرى متصلة بتراث المنطقة ، صدر له :

– أهليل نتقورارين 

– قواعد اللهجة الزناتية 

     –  وله قيـــــــــــــد الطــــــــبع :

قاموس خاص باللهجة الزناتية 

– إرشاد الحيارى في معرفة ما توارى من أخبار الڤورارة 

– المفاهيم الأساسية والمصطلحات لطلبة البكالوريا 

– الأمثال والحكم بالزناتية 

كتــاب أهلــيل نتڤورارين

مؤلف من الحجم المتوسط ، صدر عن دار الإرشاد للتوزيع والنشر  ، يتوزع في  166  صفحة ، حملت بين ثناياها عرض كامل وشامل حول هذا الفن العريق ، قدم فيه الأستاذ بطاقة تعريف لغناء أهليل من منطلق معرفته الجيدة لهذا اللون من الغناء ، وما توصل إليه في أبحاث أخذت منه وقتا طويلا ، عرف برواد هذا الفن من الجنسين حتى يوضح للسائل أن الأهليل يؤدى الرجال والنساء ، ويؤكد أن هذا الفن وجد قبل فجر الإسلام ، متداول بين الأهالي في صورة غير التي هو عليه اليوم ويسمى ( إزلوان )، عكس كما يضن البعض أنه غناء روحي خاص بالرجال ظهر بعد انتشار الإسلام بالمنطقة ، وأرتبط بزوايا تعليم الدين المنتشرة بكثرة بإقليم ڤورارة ، كما أورد الأستاذ مقترحات لحفظه من الضياع وحث على جمعه من صدور أهله ، مع الاعتماد على العنصر البشري المسن أو من هو آهل للسرد من منطلق … الحكمة لا تبيت في رأس من يموت … ، ومن الأشرطة القديمة التي تحوي قصائد لا تردد اليوم نظرا لرحيل أهلها وعجز الجيل الجديد عن فهم معانيها ، ثم يأتي تبويبه ووضع فهرس بأسماء القصائد ” إزلوان ”  وتقسيمه الى مراحله المعهودة الجاري العمل بها لدى شيوخ الأهليل ، كما أشار إلى أسماء لمعت في هذا الفن التقى بهم أثناء جمعه للأغاني وسلموه ما لديهم من نصوص ، في حين تأسف الأستاذ لضياع الذاكرة الشفوية لأهل المنطقة بعد رحيل العديد من الحفاظ الذين لا يتحدثون إلا بالحكمة والألغاز والكنايات والمعاني ، هؤلاء اصطلح عليهم ب( الدوهقانين ) أي حكماء الأهليل لا يتكلمون إلا بالحكمة .

مراحل تأدية الأهليل 

مرحلة المسرح ، تتضمن هذه المرحلة قصائد خاصة بها تؤدى أحيانا بدون الناي ، وأحينا بالناي المعروف ب ” تامنجا ” ، ومن جملتها قصيدة النبي صلى الله عليك أ سيدنا ، وهي التي تفتح بها السهرة ، وكذا قصيدة باسم الله الذي لما تضرو ” ، هذه القصائد لحنت بأسلوب بسيط ليس فيه تكليف ولا غموض لأن الهدف منها تعليم الناس مبادئ الدين الإسلامي ، وبإمكان الهواة أن يدخلوا حلقات أهليل ، للإشارة أن بداية هذه الأغاني يكون دينيا  ، ثم ينتقل إلى مواضيع  أخرى من منطلق أن الأهليل يعالج كل المواضيع حتى الغزلية كما في نوع أوڤروت . 

مرحلة أوڤروت ، وتشمل القصائد الخاصة بالحب والعشق والغزل ، وهذا بعد أن تفتح بذكر الله والرسول ، مثل قصيدة ( آ المحمد ﺁ ربي أهدﺁيي ) ، (سلامو ) ، (الوحيد ﺁ مولانا ) ، ويندرج مضمونها ضمن استرجاع الذكريات ومغامرات الصبا ، والمعاني والألغاز التي ما انفكت أن تصل إلى المناظرات الكلامية ، حيث سيتعرض الكل ما يحفظه من أشعار وأبيات وقصائد وكأنك في سوق عكاظ أيام العرب قبل الإسلام ، وفي أخر المرحلة يتحول اسم أهاليل إلى …الهضار …. وذلك لانسحاب الهواة ودخول ” الدوهقانين ” أي  الحكماء .

 

مرحلة التران أو إتران ، مأخوذة من” إثران ” بالأمازيغية ومعناه النجوم ، وهي المرحلة الأخيرة التي تختتم فيها سهرات ” أهاليل”، حيث يعاد ضبط الآلات الموسيقية مثل ” تامجا ” التي هي آلة نفخ مصنوعة من القصب ، وآلة البنڤري وليس الڤمبري في حلقات الجلوس أو ما يسمى ب ”  ثاڤرابث ” ، وفي هذه المرحلة يتضرع فيها الساهرون إلى الله عز وجل لكي يغفر لهم ويفتح لهم جميع أبواب الرحمة ، وأن يسعدهم في الدنيا والأخيرة ، من جملة القصائد التي تغنى : آ الغني واش انه واحد ، سيدي العالي أهلال ، سيدي العزيز أمولانا ، الله مولانا أعلم ، الصلاة على النبي لحبيب وسلام ، أرسول أرسول .. الخ 

أصل تسمية الأهليل  :

 يذهب الأستاذ محمد السالم في شرحه لمعنى ” أهليل ” عل أنه مأخوذ من ” التهاليل ” ، ويسمى باللهجة المحلية أيضا  ” أﭬرود ” أي تفريغ الخاطر مما يجيش فيه من هموم الدنيا ، ويسمى أيضا ” إز لوان ” وهي التسمية التي تطلق على الأهازيج المغناة في العديد من المناطق المتواجد بها العنصر البشري الأمازيغي ، كما لا يتفق الأستاذ مع أولئك الذين يقولون ” أهليل ”  اسم مركب من اسمين ،”  أهل  الليل ” لكونه يؤدى بالليل ، ويقول ربما ذهبوا إلى هذا الطرح كون ” أهليل ” يجري دوما في الليل ، ولكن لم يكن كذلك فقط إنما يجري في النهار أيضا في العديد من المناسبات وزيارات الأولياء الصالحين والأعراس ، وهناك من يسميه ” أهاليل” بإضافة الألف وهذا المصطلح ليس له معنى في اللهجة الزناتية المتداولة بالمنطقة إطلاقا ، إنما الاسم الحقيقي لأهليل مشتق من ” التهالبل “أي هلل يهلل تهليلا فهو مهلل ويسمى أيضا ” أڤرود ” أي تفريغ الخاطر مما يجش فيه من هموم الدنيا ، ويسمى كذلك “إزلوان ” وهي القصائد الشعرية ، ويسمى ” الهضار ” أو الحضار أو الجذب في مناطق أخرى من الوطن .

الأهليل منهج من مناهج تعليم الدين 

 مع أن أهليل له صبغة فولكلورية يؤدى بإيقاع تستعمل فيه آلات موسيقية ، كالنفخ على المزمار ودق الطبول وحركات الرقص ، إلا أنه وسيلة وأداة تعلم مناهج الدين الإسلامي ، وقد اعتمدها كثير من العلماء لإيصال هذا الدين إلى قلوب العامة وترجمة مبادئ تعاليمه للمجتمع الذي لم يكن يحسن اللغة العربية بعد الفتوحات الإسلامية ، ومن الروايات المتداولة من كبار مشايخ المنطقة ، فان سيدي موسى والمسعود كان يعلم بناته تعالم الإسلام بواسطة الإنشاد واللحن بقصائد أهليل ، كأفضل وسيلة لترجمة الإسلام وتقريبه من المجتمع بعد اعتناقه له ، كما أن الشيخ سيدي الحاج بلقاسم جمع فرائض الوضوء والنوافل وصلاة الضحى في قصيدة بعنوان (ﺁ رسول ﺁ سيدي الله مولانا أعلم ) 

محمد صلي أعلي  ….. …..    صاحب الرسالة 

نومن سيس واتنظري …    الله إرحمو النبي 

وايللي أق أولينو …..     أبلا الديكر كل يوم 

أد خمسة صلوات ….    أدهليغ اتظالليغ

تيظاعنين أد تاكظين …. انجبهم أمحققين 

تيسمسين غاليمام ….آيد البلوغ ان الصلا

ربعة فرض آيد تين ييض …أنجيب ثلاثة سنة 

الشفعي د الوتري ….   هدي تجارت لاخرى

ركعتاين غوري من سعد وي …. تنت إيتظالان 

ركعتاين لفجر …  آيد الدعا غا النبي 

ركعتاين الفرض ….   بالنية هو الصبح 

صباح الخير …..      وقت الربح 

من سعد حتى تصلي الضحى

لغة التدوين عند المؤلف :

وظف الأستاذ محمد السالم بن زايد الحرف العربي في تدوينه لعشرات القصائد جمعها من شيوخ المنطقة ، وهي طريقة رسمها شيوخ الأهليل من قبل لنقل هذه  القصائد مع إضافات أحدثها على الطريقة التقليدية المتداولة ، مما يجعله يؤسس لطريقة حديثة الأصل فيها قديم ومتداول منذ أزمنة غابرة  ،  كما طور في أسلوبه في الكتابة مما يجعل عملية القراءة لعامة الناس من الذين لا يعرفون اللهجة الزناتية سهلة ومسيرة ، وبهذا العمل يكون الأستاذ بن زايد قد أوشك على إنهاء الحديث الدائر في الوسط الثقافي حول الحرف الذي تكتب به الأمازيغية ، خاصة وأنه ألف كتابا في قواعد اللهجة الزناتية ، لذلك نرى في هذا العمل إضافة تسهل القراءة لأولئك الذين يحسبون على المدرسة العربية يصعب عليهم التأقلم مع التدوين بالحرف اللاتيني المطروح بقوة ، مع تغيب الحرف الأصلي لهذه اللغة الذي هو تيفيناغ رغم وجوده بمناطق عدة من الوطن  ، وقد عاينا بعض الكتابات القديمة على صخور رملية موجودة بقصور تيميمون ، مما يعزز فرضية وجود العنصر البشري الأمازيغي بالمنطقة منذ ألاف السنين من جهة وتوظيفه للحرف التيفيناغ

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك