متى يتحدث الصحافيون عن أنفسهم؟

مفارقات

بقلم احسن خلاص

“تحياتي لكل الصحفيين الذين لايزالون يتمسكون بجمر المهنة رغم كل شيء…ضحايا تكريس الرداءة وتهميش الكفاءات مع سبق الإصرار والترصد . في مقدمتهم زميل من أجمل الأقلام الصحفية التي أنجبتها المهنة ..خدم الوطن والمواطن بكل مصداقية .ووجد نفسه مضطرا للعمل في سوق الخضر والفواكه .. يحمل صناديق الخضر وينظف الشلاظة ويزيل الأوراق الذابلة خلال الساعات الأولى من صباح كل يوم ..قبل أن يلتحق بعمله كصحفي ” قد الدنيا” .. بعد أن مرضت زوجته ..لا أحد يعلم بحالته سوى الله … ولا تسألوني  من هو لأنني لن أقول … علمت بحالته صدفة .. صدفة عجيبة أحزنتني حزنا عميقا ..فليعذرني لأنني تحدثت عنه في هذا اليوم . هو راض بوضعه وحامد الله لأنه قادر على العمل ولا ينتظر أي شيء من أحد …وما أكثر أمثاله من الذين لم تعترف المهنة بجميلهم ..فهذه المهنة لا تعترف بالجميل إطلاقا ..تأكل الانسان لحما وترميه عظما ..وما عند الله خير وأبقى”.

هذه صرخة وجدتها في صفحة الزميلة حياة بن بتكة على موقع الفايس بوك، نقلتها دون إذن منها. هي أرادت أن تحييى بها مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة على طريقتها وتنقل معاناة زميل لنا وإن لم تذكر اسمه إلا أنه واحد من النسخ الكثيرة المعبرة عن الوضع المزري الذي يعيش فيه الآلاف من الصحافيين. وأنا دعتني الصورة التي قدمتها لأن أثير الانتباه إلى أن الوقت قد حان ليلتفت الصحافيون في الجزائر إلى أنفسهم وموقع مهنتهم وأحوالهم المادية والاجتماعية ومكانهم من إعراب القيم والاعتبارات الاجتماعية. 

ظلت النظرة إلى المشتغلين في الصحافة ثابتة لم تتغير منذ عشرات السنين من التجربة الإعلامية الجزائرية، فالصحافيون هم أولئك القوم الذين يتحدثون عن الآخرين كثيرا بينما قل ما يتحدثون عن أنفسهم إلا فيما يتصل بحرمانهم من القدرة عن الحديث عن غيرهم. في كل مناسبة تتذكر فيها السلطات الصحافة والصحافيين ينطلق الحديث وسط أبناء المهنة عن الصحافيين في السجون ومن تعرضوا للضغط والإكراه بسبب كتاباتهم إلا أن الحديث عن أوضاعهم الاجتماعية والمادية يصبح من المحرمات، تقيم هيئات رسمية حفلات تكريمية يمنحون فيها جوائز رمزية قبل أن يسدل الستار مساء ويعود الصحافيون في الغد إلى بؤسهم الذي لا يعتبر الواقع الذي نقلته الزميلة حياة بن بتكة على صفحتها إلا صورة من صور كثيرة لم تنقل عمن لم تعترف لهم المهنة بالجميل وأكلت لحومهم ورمت عظامهم.

حان الوقت للصحافيين للحديث عن أنفسهم ونقل معاناتهم، فهم لا يحتاجون إلى تكريم ولا إلى احتفالات فلكلورية للتباهي بإرساء حرية التعبير وبإنشاء العشرات من الصحف أكثرها لا يدفع رواتب الصحافيين ولا يصرح بهم لدى الضمان الاجتماعي وعدد كبير جدا منهم رواتبهم لا تفي بحاجاتهم والسواد الأعظم يعيش تحت نظام إقطاعي حديث.

ينقل الصحافيون يوميا معاناة وصرخات الوطن والمواطنين، ويفتحون الصفحات أمام مختلف الاحتجاجات المهنية والاجتماعية والإضرابات والتظاهرات التي يطالب من خلالها عمال التربية والصحة والحماية المدنية وحتى الشرطة بحقوقهم دون أن يلتفت إلى وضعهم أحد فمن لا يلتفت إلى نفسه لا يلتفت إليه أحد.

في آخر بيان لها تحدثت وزارة الاتصال عن 8500 عامل في قطاع الصحافة الجزائرية، دون الإشارة إلى أن أغلب وظائف القطاع هشة وأغلب الصحافيين عرضة لنهش دخلاء منتفعين من الريع. يتحدث الصحافيون على الفساد في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية لكنهم يغفلون عن الفساد الذي يعشش تحت أرجلهم ويعيشون تبعاته القاسية في أيامهم التي اخترنا منها هذه الصورة.

في فترة العشرين سنة الماضية كان عدد الاحتجاجات في الجزائر يتجاوز العشرة آلاف احتجاج في السنة، احتجاجات لم تمر دون أن تؤتي أكلها في نظام كان يبحث دوما عن ضمان السلم الاجتماعي فقد استفاد موظفو جميع القطاعات من السكن والأجور المعتبرة والمنح والخدمات الاجتماعية الأخرى وبقي نضال الصحافيين منصبا على المثل والقيم الديمقراطية وحرية التعبير وإقامة دولة العدل والقانون. لقد صار الصحافي بمجرد أن تعتاد أنامله الكتابة يتحول إلى مناضل في ميدان حقوق الإنسان ومطالب بتغيير النظام السياسي ومحاربة الفساد والاستبداد بينما تبعات الفساد تنخر جسمه وعقله، أمام العدد المتزايد من حالات الوفاة في سن مبكرة في صفوف الصحافيين وحالات الإصابة بأمراض السكري والقلب وحالات الانهيار العصبي نتيجة تظافر إرهاقات الحياة المهنية مع ضغوط الحياة اليومية التعيسة.

لا يمكن النهوض بصحافة جزائرية راقية بشعارات حرية التعبير والتباهي بزيادة عدد الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزية دون الاهتمام بالوضع الاجتماعي للصحافيين ودون إرساء نظام يغني الصحافيين عن السعي المتزلف وراء منظومة الفساد للحصول على السكن والامتيازات. ولا يمكن لذلك أن يتم دون أن يتحدث الصحافيون عن أنفسهم كما يتحدثون عن غيرهم.

    

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك