متى يطهر الإعلام من الفساد؟

مفارقات

بقلم احسن خلاص 

لم تكتسب الصحافة الجزائرية شرعيتها من ضرورة وحيوية حضورها في المشهد العام كأداة لنقل الأحداث والوقائع وقراءتها ومناقشتها لتضع المجتمع أمام صورة هذا المشهد بل لأنها كانت لوقت طويل إحدى أدوات المقاومة الوطنية وإحدى وسائل النهوض الثقافي وتنشئة الأجيال. وفي منظور الدولة الجزائرية المستقلة تعد الصحافة أداة سيادية بامتياز باعتبارها قوة حية للدفاع عن البلد وحمايته ونقل صوره الإيجابية إلى العالم. إنها باختصار هي الرفيق الدائم للجميع، دولة ومجتمعا وأطرافا متفاعلة داخليا وخارجيا، ثم إن وضع الصحافة في بلد صارت تمثل إحدى المؤشرات على طبيعة الحكامة وتوفر شروط اعتباره بلدا محترما وقابلا للتعامل معه لأن البلد الذي لا يملك إعلاما قويا ومتينا فهو كالذي يعيش في السرية منغلقا على نفسه. 

لا تمر مناسبة يحييها الصحافيون إلا واغتنمت الجهات الحكومية الفرصة لإظهار جهودها الدؤوبة في سبيل تطوير الصحافة.  في آخر إطلالة له بمناسبة إحياء اليوم العالمي للصحافة أعلن وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة عمار بلحيمر أن القطاع يوظف ما يقرب من 8500 صحافي يشتغلون في 180 صحيفة والعشرات من القنوات الإذاعية والتلفزية والمواقع الإلكترونية الإخبارية التي سيبلغ عددها 100 بحلول الصيف، كلها تحظى بدعم من الدولة في مجال الطباعة والنشر والإشهار. 

غير أن مثل هذه المعطيات وإن عبرت عن اهتمام السلطة بقطاع الإعلام إلا أن مقاربتها لتطويره لا تحظى باهتمام وانخراط جميع الأطراف الفاعلة التي ترى أن أولويات تطوير قطاع الإعلام في الجزائر لا تقع في رفع عدد الوسائل وتطويرها تقنيا ولوجيستيا بقدر ما تكمن في تنظيمه تنظيما يمكنه من أداء دوره بفعالية وتطهيره من الفساد والتسيب الذي اعتراه لسنوات، فلا يمكن أن نطمح لإعلام احترافي في ظل الفوضى التي يعيشها القطاع واللامعيارية التي يسير بها قطاع الإشهار لاسيما الإشهار العمومي، على الرغم من تعبير الحكومة في أكثر من مناسبة عن رغبتها في ضبط معايير منح الإشهار العمومي للصحف وهي معايير كانت ترمي في أغلبها لتعزيز مكانة الصحافيين وترقية المهنية حسب ما عبر عنه وزير الاتصال ذاته وتحدث عنه طويلا المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنشر والإشهار. غير أن هذه التدابير التي كان منتظرا أن ترى النور منذ بداية هذا العام لا تزال حبيسة الأدراج، مما ترك القطاع يغرق في الوحل ولا يميز فيه بين الغث والسمين من حيث الخدمة الإعلامية المحترفة.

بالرغم من الانتقادات التي وجهت إليه جاء القانون العضوي المتعلق بالإعلام لعام 2012 أكثر طموحا من سابقه في مجال تنظيم المهنة فقد نص على ضرورة تزويد القطاع بهيئات تضمن حدا من الاستقلالية عن السلطة التنفيذية المتمثلة في الوزارة، منها سلطة ضبط الصحافة المكتوبة ومجلس أخلاقيات مهنة الصحافة وسلطة ضبط السمعي البصري، وهذه الأخيرة هي الوحيدة التي رأت النور دون أن تتمكن من أداء دورها على الوجه الأكمل. استطاعت السلطة تنصيب سلطة ضبط السمعي البصري بالنظر إلى بساطة عملية تشكيلها أمام غياب قنوات إذاعية وتلفزية جزائرية خاصة إلى جانب القنوات العمومية. هذا الوضع بقي مستمرا منذ صدور قانون تنظيم مجال السمعي البصري عام 2014 إلى غاية قرار وزارة الاتصال تشكيل لجنة لتحيين وتكييف القانون لإعداده للتطبيق بجزأرة توطين القنوات الفضائية الخاصة وتحديد معايير منح رخص البث الإذاعي والتلفزي.

إذا كان مجال السمعي البصري قد حظي بشيء من الاهتمام فإن مجال الصحافة المكتوبة لا يزال يعاني من التسيب أمام غياب السلطات الضابطة من جانب وافتقار أصحاب مهنة المتاعب إلى أطر نقابية تمثيلية ترفع انشغالاتهم إلى السلطات العليا، وينطبق مثل هذا الوضع المزري على الصحافيين تماما كما ينطبق على الناشرين وكأن الجميع راض على هذا الوضع الذي يأبى أن يتغير بالرغم من محاولات قام بها صحافيون وناشرون لتنظيم المهنة وترقية مطالبها الاجتماعية.

وتعارض محاولات إرساء تنظيم نقابي قوي للدفاع عن أهل المهنة عوائق عدة منها ما هو ايديولوجي ومنها ما هو متعلق بالزعامة والقيادة مما جعل السلطة عاجزة عن إنشاء تلك الهيئات الضبطية والرقابية مما ترك المجال مفتوحا للدخلاء على المهنة لاحتلال الساحة والعبث فيها. والمفارقة العجيبة أن مهنة الصحافة ظلت عاجزة لأكثر من عشريتين عن تشكيل تمثيل نقابي قوي في الوقت الذي نجح فيه عمال قطاعات التربية والصحة والإدارة العمومية في الانتظام في نقابات اكتسبت تجربة قوية حققت مكاسب هامة لعمالها بينما ظل الصحافيون الذين تابعوا أطوار تشكيل هذه النقابات عاجزين حتى عن التقليد، والنتيجة أن أغلب الصحافيين يشتغلون في ظروف مزرية وبأجور زهيدة ودون حقوق أدنى الحقوق المهنية والاجتماعية، يصارعون في عزلة ملاك صحف لا علاقة لهم بالمهنة ولم ينشؤوا تلك الصحف إلا ليعتاشوا من ريع الإشهار العمومي دون مراعاة للخدمة الإعلامية ولا لمعايير توظيف الصحافيين والتقنيين.

لا يمكن لأي محاولة تطوير الصحافة أن تنجح إذا ما التفت إلى الجانب اللوجستي منها أو تطوير الفضاء الرقمي فقط، فالتطوير كل متكامل قاعدته تنظيم القطاع وتطهيره من الفساد.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك