محمد بغداد يرصد المشروع الإفريقي للمغيلي

في دراسة استقصائية جديدة

 كشف الدكتور محمد بغداد مدير التوثيق والإعلام بالمجلس الإسلامي الأعلى، عن استكمال إنجاز كتابه الجديد الموسوم بـ ” المشروع الإفريقي للمغيلي… التجربة والمخيال” ،  كاشفا ليومية ” الوسط ” أن هذه الدراسة الاستقصائية الجديدة  ستصدر قريبا والتي قرر فيها تسليط الضوء على مسيرة العلامة محمد بن عبد الكريم المغيلي  والتي توقف فيها عند المرجعية والمناخ والنوازل والمنعرجات والرؤية والمنهج .

 

علامة بارزة في أذهان الدارسين للتاريخ

 

وأكد بغداد، أن القرن الثامن الهجري، هو قرن محمد بن عبد الكريم المغيلي، فقد عاش هذا الرجل ثمانين عاما من هذا القرن، وبقدر ما كسب من الشهرة وذيع الصيت لم ينحصر في هذا القرن بل تجاوزه إلى بقية القرون القادمة، كما منحت خصائص القرن الثامن الهجري، الرجل فرصة ثمينة ليكون علامة بارزة في أذهان الدارسين للتاريخ، كما أن المغيلي كان معروفا بشخصيته القوية وطبعه الحاد، ومواقفه الصلبة التي جعلت منه رجل عصي على الترويض، ففي الرجل قوة مواجهة تتجاوز جثو الأسد ومداورة تفوق مراوغة الثعلب. كم أن هذا الرجل فضل أن يكون وحده في كل شيء، في تفكير وممارساته ونشاطاته.

 

إعادة الحديث عن دور المثقف وعلاقته بالتاريخ

 

 ولقد  توقف مؤلف كتاب ” المشروع الإفريقي للمغيلي… التجربة والمخيال” عند بعض الأسئلة المهمة التي تؤرق الضمير وتشغل البال، ولكنها في الوقت نفسه تساهم بطريقة ما في إعادة بناء وتشغيل ذهنية تطارد الانتصار وتقبض على ما يطمئن النفس إلى الانتماء إلى عوالم مطمئنة، وهي المجالات التي تتولد من المحطات التي نراها مهمة، وبالذات المحطات التي ما تزال تشكل منابع مهمة يرتوي منها الكثيرون، من عشاق الحرية والانعتاق من الهيمنة الاقتصادية والسياسية والسيطرة الاجتماعية مهما كانت الجهة التي تمارسها أو تدعمها أو تحابيها وتعمل على توسيع مساحاتها، وتسعى لإقناع الناس بحتميته التاريخية  كما أن حكاية  هذا الرجل مناسبة لإعادة الحديث عن دور المثقف وعلاقته بالتاريخ  وحسب بغداد  إننا إذ ندرس نموذج المغيلي  ولا نزعم أننا سنؤرخ لمسيرته، ولن نكشف الجديد من تاريخ الرجل، ولن نضيف للعارفين به من معلومات عن هذه المسيرة،  متسائلا ،فهل ذهاب المغيلي إلى الصحراء وهروبه من المدن العامرة في الشمال في مستوى تلمسان وبجاية التي كانت إنجازا تاريخيا لأمة بذلت أجيالها الكثير من الجهد في سبيل وصولها إلى مستوى القمة، هل هروبه من هذه المدن هو السبيل المناسب والسلوك المنتظر من رجل في مستوى المغيلي ، فإذا كان المبرر هو فساد السلطة وهيمنة النخب المغشوشة على دواليب إدارة الشأن العام، وسلبية بعض المثقفين وانحراف الذوق الاجتماعي، أليس ذلك داعيا إلى الوقوف في وجه الواقع وبالذات في المركز، وبذل الجهود لحشد من يتوسم فيه الرغبة في المواجهة والسعي إلى تغيير الواقع.فإذا تم التغيير في المركز فإن الهامش تابع له بالضرورة، وإذا انحصر الفساد في الحواضر تم تحجيمه في البوادي، فمن يوافق المغيلي على خطوته، إذا كان هم الإصلاح هو ديدانه أم أنها أسباب أخرى كانت وراء قرار المغيلي بنفي نفسه إلى الصحراء، وتم التواطؤ التاريخي معه من طرف المؤرخين الذين فضلوا رفع الحرج عنه، ودفع الأجيال القادمة إلى مناصرته، بدافع عاطفي عنوانه مصادمة اليهود وخصومتهم، فلم يتطرقوا إلى أسباب خروجه من المدينة إلى الصحراء وهروبه من المركز إلى الهامش.هل كانت حكاية المغيلي مشروعا حالما يبتغى استكمال مسيرة المعرفة والأنوار الإسلامية، وإيصالها إلى الأدغال الإفريقية؟، أم كانت مجرد هفوة تاريخية ذهبت ضحيتها أجيال كاملة؟. 

 

الجمع بين المعرفة الدينية الكلاسيكية والرؤية السياسية 

 

ويمثل المغيلي، حسب المؤلف، النموذج المزعج لكل النخب المثقفة التي ترافع من أجل تبرير شرعية أنظمة سياسية قائمة لا تنسجم سياساتها مع مصالح الرأي العام، ولهذا فإن الرجل مبغوض على مدار الزمن من طرف هذا النوع من النخب، وحتى المؤسسات الدينية التي تسيطر عليها هذه النخب التي تعمل جاهدة على إلغائه من الوجود ومسحه من التاريخ. فالمغيلي في نظر الأنظمة السياسية على مدار العصور، أنموذج للمثقف الذي يسعى إلى تكدير مزاج الرأي العام، ونشر الفوضى وإثارة البلبلة والشغب بين الجماهير، ولا ينفع معه الترغيب ولا يجدي عنده الترهيب فهو يعد نموذجا مهما وصيدا ثمينا لبعض النخب التي تسعى إلى تكريس أسطورة معاداة السامية ونشر الكراهية ضد اليهود، فتتخذه النموذج الأبرز لتقديم ولائها للنفوذ اليهود في كل عصر، فتشن عليه الحملات المكثفة مستخدمة ما يتاح لها من الوسائل والأساليب، متخذة منه الوسيلة الأهم، والبساط الذهبي للوصول إلى مراضاة النفوذ اليهودي والحصول على الريوع المادية والأدبية المترتبة على ذلك وعليه  فالمغيلي لم يكن مثقفا “فقيها” عاديا كبقية مثقفي عصره، بل مناضلا شرسا دافع باستماته على ما آمن به من قيم ومثل، وما اقتع به من رؤية وسلوكات وسياسات، وقد قدم في سبيل ذلك الكثير من التضحيات بعضها لا يتحملها العادي من أمثاله، فقد جمع بين المعرفة الدينية الكلاسيكية، وبين الرؤية السياسية، وأضاف إليها مهارة الممارسة الميدانية لتجسيد مواقفه وقناعاته،  ولقد قدم المغيلي الكثير من الآراء، وساهم بوجهات نظر مثيرة للجدل، ولكنها مهمة على مستوى التفكير السياسي الإسلامي.

 

الرجل الأول الذي تفطن إلى البعد الإفريقي للإسلام

 

  كما كشف صاحب هذا الإصدار الجديد أن المغيلي هو الرجل الأول الذي تفطن إلى البعد الإفريقي للإسلام، فقد تحمل مسؤولية كبيرة في توضيح الأبعاد الاستراتيجية لهذا البعد، وبذل من أجل تجسيد الكثير من الجهود، وتحمل جراء ذلك كثير العناء والمؤلم من المصاعب دون كلل أو ملل  وتستوقفنا (قصة المغيلي) ظاهرة الشعوب التي تقوم في لحظة من اللحظات الحرجة من مسيرتها التاريخية باستدعاء الشخصيات البطولية المتوارية في ماضيها، وعادة ما يكون هذا الاستدعاء على مستوى الشعور، وسرعان ما يتحول إلى جزء كبير من خطابها الذي تتداوله التيارات والجماعات التي ترى في ذلك الاستدعاء نوع من الوقود لمسيرتها، من أجل تحقيق الأهداف التي تصبوا إليها، كما أن ذلك الاستدعاء يشكل عنصر التهدئة والتحريض في الوقت نفسه من أجل مستقبل يكون انعكاسا للماضي. وقضية الاستدعاء ليست خاصة بشعب أو جماعة من الجماعات، بقدر ما هي ظاهرة نفسية اجتماعية وسياسية في الوقت نفسه، وسرعان ما تتحول إلى استراتيجية مهمة في سياق تعاطي الجهات التي تراهن عليها في مسيرتها، أو حتى تلك التي تستخدمها لمواجهة التيارات الأولى.  ولأن التصورات الطوباوية المتكونة عن المجتمعات العادلة، لا تموت عندما تفشل محاولات نقل هذه التصورات إلى أرض الواقع، بل بالعكس، فمن الممكن أن تقوى بعد مرور بعض الوقت، عندما تظهر الآثار غير المريحة للوضع الجديد، ويغيب عن الأنظار المثال السيئ للتجربة الفاشلة، وقد أثبتت التجارب عبر التاريخ، أن الشعوب تزدادا شراسة وقوة في التمسك بالقضايا الكبرى، ويرتفع مستوى انجذابها نحو جمالية التاريخ المتصور والمصدر إليها في القوالب الفنية، وذلك كلما كثرة الأزمات واشتدت المحن، فالقضية الفلسطينية تزداد قوة وحشدا ليس للمسلمين فقط، بل امتد التأييد إلى غير المسلمين، وذلك كلما ضاعف الصهاينة من غطرستهم وضاعفوا من جرائمهم، والعراق يدمي قلوب ملايين البشر، كلما انكشفت عورات وجرائم الاحتلال الأمريكي وغطرسته، والأمر نفسه يحدث مع الدول التي التهمها موجات الربيع العربي، وعادة من يكون التحرك الشعبي في ديناميكية التفاعل مع مثل هذه القضايا في اللحظات التي ترتفع فيها الضغوطات الداخلية التي تمارسها الأنظمة السياسية القائمة   ،فلقد تحول المغيلي عبر التاريخ إلى صيد ثمين من طرفين، ألفا الخصومة عبر الأيام :فطرف حول المغيلي إلى بطل أسطوري، وارتقى به إلى مستوى الخيال، ووضعه أمام الأجيال كحلم جميل يمكن إعادة إنتاجه في لحظة من لحظات التاريخ القادم، ووسيلة مهمة لإعادة الاعتبار للنفس المهزومة، والذات المقهورة، تحت سيطرة اليهود الجدد، هذا الهاجس الذي يعيشه الناس في القرون الأخيرة. فالمغيلي بالنسبة إلى هؤلاء، أداة فعالة في استهداف مشاعر الناس واستثارة عواطفهم ضد ما يعانونه من صعوبات وضربات قاسية، يتلقونها يوميا مادية وأدبية، تستهدف وجودهم وتسعى إلى تغيير أوضاع التاريخ، فهو عند هؤلاء المدخل الأساس لبناء شرعية الرفض، والتبرير الأفضل لتأسيس مقاومة الواقع، والدليل الأبرز على إمكانية قيام هذه المعارضة، إلا أنها تبقى مجرد أداة تستعمل على مستوى المشاعر والعواطف، دون أن تصل إلى مستوى المشروع العملي اليومي الذي يعمل على تجسيد الأهداف المعقولة، ويجسد المصالح المشروعة. وإن المغيلي عند هؤلاء، لا يوجد سوى في خطب المنابر الحماسية أو الجلسات الوعظية، أو الوقفات التي تقام على هامش النكبات، أو بعد الضربات القاسية لاستهلاك الألم، وتعزية النفوس بالمصائب، فيقال إن الأمر ممكن أن يحصل كونه حصل منذ قرون سابقة، ويمكن أن تقام عمليات تعيد الاعتبار للنفس، وتسعى إلى ترميم الواقع. وبقدر ما كسب المغيلي من المعجبين والمناصرين إلى مستوى التبجيل والتقديس، كسب أيضا الكثير من الخصوم والأعداء، إلى درجة المقت والمطاردة والتشويه. فقد تحول المغيلي إلى حلم جميل وعزاء لكل المظلومين من المسلمين الذين يتجرعون الألم على أيدي اليهود في مختلف العصور، فهو الوحيد في نظر  هؤلاء من تفطن لمخططاتهم وأساليبهم في السيطرة على المسلمين، وهو الوحيد من العلماء الذي وقف بحزم في وجه سلطانهم، ليس بالقول أو الكتابة فقط بل بالممارسة الميدانية، وهو الوحيد الذي بقى في ذاكرة الأجيال لم ترهبه سطوة اليهود ونفوذهم السياسي والمالي، ولم يتوانى في مصادماتهم بكل ما أوتوا من قوة، ولم يتراجع حتى وهو يقدم فلذة كبده، ابنه البكر ثمنا لمواقفه وجسارة أرائه، والأكثر من ذلك تركها وصية خالدة لبقية الأجيال ممن يأتي بعده. فالنفسية المقهورة من سيطرة اليهود لمختلف أجيال المسلمين، تسبح في لحظات الألم القصوى في صورة الرجل وتستدعيها في تلك اللحظات، إما لتكون العزاء الجميل لها، وإما استقدام الشرعية السلوكية لما يمكن أن يكون من تصرفات ومواقف يمكن أن تتخذ تجاه تلك الأزمات.

 

الصدام مع الكيان الصهيوني وبطشه

 

 واعتبر مدير التوثيق والإعلام لدى المجلس الإسلامي الأعلى، أن العلامة  المغيلي هو  الورقة الأفضل للترويج لبعض المشاريع السياسية المتداولة في العصر الحديث، وهو المثل الأهم للتأكيد على تاريخية هذه المشاريع، فهو أفضل دليل على تجذر معادة السامية في التاريخ، وهو الخطر الذي يجب أن ينبري لمعادته وشن المزيد من الحروب ضده، ليس بنبش قبره وليس بإحراق كل المجلدات وصفحات الكتب التي تداولت سيرته ودونت مواقفه، ولكنه مهم عند من يرغبون في الوصول إلى أرقي المناصب، وتحقيق أرفع الأماكن من خلال استجلاب الرضا وحماية القوى الكبرى الخارجية، المتخصصة في رعاية وحماية النخب التي تفرض على المجتمع في العصر الحديث، وهو دليل الإدانة في المحافل الدولية التي قامت وتعمل على محاكم هذه الأمة في أجيالها الجديدة، وترسيخ قيم الجريمة الأزلية في نفوس من يأتي إلى حظيرتها من الوافدين الجدد ، ولقد انحصرت شخصية المغيلي في أذهان الأجيال التي جاءت به في دائرة يكسوها الغموض وتستدعى فقط عند الصدام مع اليهود، وقد انتعشت كثيرا وسيطرت على الميال الجماعي في زمن الصدام مع الكيان الصهيوني وبطشه، بالذات الإسلامية ليس في فلسطين فقط، بل في كل أجزاء الأمة وفي كل مكان من جغرافيتها، فهو حلم تنتعش به النفوس تحت سوط الضربات الصهيونية المتوالية بقسوة، وسطوة الخطابات الجماهيرية المنعشة بهذه القسوة في حشد نفسي واجتماعي وإعلامي غير مسبوق في التاريخ، وقد يكون من حق من يمارسون هذا السلوك أن يعبرون عن الآلام الرهيبة التي تنخر الجسد المتهالك للأمة، جراء تعاسة اللحظة التاريخية الراهنة، فليس من المعقول أن يصل الاعتداء إلى كل مكونات الوجود ويستهدف أقدس المقدسات، ولا يوجد من يعلن على الملأ ألمه، وليس من المعقول أيضا أن يوجد من يرفع صوته ويجرد سوطه على من يصرخ من الألم، بحجة أن القوى المتنفذة على زمام العالم اليوم لا تريد أن تسمع من صراخ من تسلخه يوميا بأبشع الأسلحة. 

حكيم مالك 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك