محمد عبده العقل العربي الذي فقدناه؟ا

رائد التنوير في العالم العربي

بقلم : جمال نصرالله شاعر وناقـــــــــــــــــــــــد أدبي

 

الشيخ محمد عبده هو رائد التنوير في العالم العربي المعاصر بلا شك وبلا منازع,وله السبق في ذلك.وطه حسين ورفاعة الطهطاوي وغيرهم من جهابذة ومفكرين عرب مثله,عندما سافروا للغرب الأوروبي ودرسوا به واختلطوا بالمجتمع هناك.التمسوا حجم المفارقات والتباعدات الحضارية بيننا وبينهم .إلى درجة أن قال محمد عبده بأنه رأى الإسلام الحقيقي يتمشى برجليه في شوارع وأزقة المدن .نظير ما شاهده من سلوكات وتعاملات إنسانية وتقدمية متحضرة .وأحس فعلا بالإسلام الذي قرأ عنه وتثقف به وتربى بين ظهرانيه لكنه لم يشاهد تطبيقه وتجسيده في البلاد العربية ومن ثمة قال قولته المشهور(شاهدت إسلاما بلا مسلمين وحين عدت للبلاد العربية رأيت مسلمين بلا إسلام) وبعد أن عاد جلهم إلى الديار والمواطن التي ولدوا وتربوا فيها , فقد ثاروا واصطدموا بل حملوا مشعل الإصلاح.في دعوة منهم للتغيير ,ورسموا بين أعينهم مشروع التحديث. وكل أمانيهم أنهم يشاهدون إسلاما مُشرقا وحيا فعالا وليس متشددا ومتزمتا يشجع على الخرافة والشعوذة والتقاليد البالية,وقد مكث هذا الفكر الرجعي القاتل يكرر نفسه طيلة قرون؟ا وهذا ما جعل واحدا مثل عبد الحميد بن باديس يحمل نفس الهم ويحارب هذه الطقوس والعادات الجامدة؟ا محمد  عبده  حينما راح يُظهر أرائه ويبرزها أتهم حينها بالكذب وحورب من طرف بعض المشايخ في الأزهر لأجل تثبيط عزائمه..والذي رأوا فيه خطرا على الإسلام الذي يحرسونه ويريدونه حسب تصوراتهم وأمزجتهم ـ بل كتبوا كتبا تهاجمه ـ وهذا ما صرح به هذا الأخير حين قال( مكثت أزيد من عشر سنوات أناضل من أجل كنس ما تعلمته من الأزهر وأنزع كثيرا من الشوائب من على رأسي) وأكيد أن محمد عبده كان يريد أن يٌطلق مشروعا لتحرير العقل من الخرافات والاجترار السائد المبتذل؟اوهو القائل لن يتقدم الشرق إلا بالعدل.

وأحفظ ما أحفظه شخصيا عن محمد عبده حينما سأله إحدى طلبت الأزهر قائلا(يا شيخ هل الإستنجاء بإبريق الماء داخل الحمام يجوز وضعه في اليمين أم في اليسار؟ا) فرد الشيخ(إنهم طاروا يا بني ؟ا) وكان يقصد الإخوة رايت الذين تمكنوا من صناعة الطائرة يومها. والتحليق في الفضاء.والمقصود أن الغرب يطير الآن وأنت ما زلت تسألني عن كيفية الوضوء؟اوهي حادثة تعبّر عن حجم العقل العربي البسيط الذي مازال يتخبط في أسئلة راكدة منه وإليه .خاوية من أسئلة المستقبل والإنتاج المعرفي المنفتح على الثقافات والابتكارات الأخرى…معاناة هذا الشيخ  المصلح الذي هو تلميذ جمال الدين الأفغاني ,  هي تقريبا نفس المعاناة والمحن التي عاشتها أغلب العقول 

التي كانت لديها رؤية استشرافية لتخليص المجتمع والإنسان من الأفكار الرجعية.فقط الأولين القدماء اصطدموا واضطهدوا بالساسة وبوشاية الفقهاء والوزراء أما المعاصرين فاصطدموا 

 

وعانوا كثيرا مع الفكر السلفي المتشدد خاصة الوهابي والقائمين على المؤسسات الدينية وزعماء الجماعات المتطرفة ورؤساء الأحزاب.فمن تهمة التكفير والردة والخروج عن الملة إلى محاولة تغريب المجتمع والإطاحة بالقيم الإسلامية والانسلاخ والتقليد…وهذه كلها اتهامات باطلة وتلفيقات يراد منها إبطال دور العقل وإعماله  والتفكير العقلاني الذي هدفه الأول والأخير هو الوصول إلى صفوف متقدمة من السباق الحضاري في شتى المجالات.

والمرجح أن هؤلاء أي رواد الإصلاح لهم أخطاؤهم الكثيرة  وليسوا معصومين .سواء كان ابن سينا أو ابن رشد أو الفارابي. ونقصد الفلاسفة والفقهاء..,لكن نحن نتحدث عن الجوانب التي زكوا فيها العقل والتفكير الحر ودعوتهم الملحة للنهوض بالمجتمعات وتبجيل وتقديس العلوم والفلسفة العقلية.

وحسب عدد من المحللين والباحثين فإن محمد عبده لم يكن ثوريا بالمعنى الحرفي للكلمة قدرما كان مصلحا وأراد للناس أن تعيد نظرتها للموروث والتقاليد الوخيمة التي تربت ونشأت عليها…لكن النزعة الثورية كانت بداخله ـ لأنه لم يكن يملك وسائل التغيير بيده ـ

ومثلما قال أحد مفكري الغرب عن ابن رشد عن أنه كان يفكر نيابة عن الإنسانية,فإن محمد عبده كان يفكر نيابة عن المسلمين. وتلُح في خاطره نزعة أن ينتصر الإسلام بنصوصه الشرعية.وليس حسب تصورات بعض الفقهاء المتشددين.

أتهم محمد عبده كذلك بالماسنوية من طرف بعض الشيوخ نتيجة العلاقة التي كانت تربطه باللورد كريمر.وهو صاحب الألف فتوى…لذلك قارن الدارسون بينه وبين مارتن لوثر الذي ثار ضد الكنيسة وسلطة الباباوات المطلقة.التي أسست لمحاكم التفتيش بدءا من القرون الوسطى.وقد استطاع هذا الأخير أن يدفع بالمجتمع الأوروبي نحو صفوف التقدم والريادة.بينما محمد عبده وجد صعوبة كبيرة أوقل نفسه بين نارين كما يقال( بين دفة مجتمع يغرق في سبات عميق ودفة استعمار غاشم محتل ومغتصب) فقد كان جل الخطاب الإسلامي حينها ينّصب اهتمامه لأولوية التخلص من براثن القوى الدخيلة.فكان هذا الإمام المصلح يبدو وحيدا معزولا في نضاله من أجل الدعوة لتغيير مناهج التعليم في الأزهر.لأن التعليم في رأيه هو عصب التقدم.خاصة  في تأسيسه لمجلة العروة الوثقى عام 1844رفقة جمال الدين الأفغاني .في باريس .ثم حينما عادا عينه الخديوي عباس حلمي مفتيا للديار المصرية,سنة1899..

والسؤال الجوهري اليوم لماذا استقرت ومكثت لحد القرن الـ21ثقافة محاربة العقول التي تدعو إلى عقلنة الحياة العامة للإنسان العربي..وهي الراغبة في تحريره من سلطة التراث الذي هو في الأصل  منهج حياة القدماء الذي عاشوا عليه وسيّروا شؤون حياتهم به.وليس بالضرورة أن يكون هذا التراث صالح لكل البشر وفي جميع الأزمنة؟ا…إنما نحن مع أحقية أن النص الديني الذي هو القرآن الكريم سيظل نصا مقدسا دون تخديش وصالحا فعلا لكل الأزمنة .حتى وهو حمّال لعدة أوجه وتأويلات متعددة.والتي هي في الأصل من صنع المفسرين الذين هم أولا وأخيرا مجرد بشر؟ا وليسوا أنبياء أو آلهة؟ا

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك