مسار “الدوز دوز” بين الغاية والوسيلة

نجحت الانتخابات ولم تتحقق بعد نتائجها

بقلم احسن خلاص
ها هو العام الأول قد مر على بدء المسار الدستوري الذي اختارته المؤسسة العسكرية دون تردد ومن الوهلة الأولى لمغادرة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة في 2 أفريل من العام الماضي. إنه مسار 12 ديسمبر 2019 أو ما اتفق على تسميته في أوساط الرأي العام بمسار “الدوز الدوز”. سنحاول أن نقتفي أثر هذا المسار: من أين بدأ وكيف ولماذا جاء ثم أين هو الآن وماذا بقي منه اليوم وإلى أين هو ماض وما هي تحدياته في المستقبل القريب والمتوسط.

انطلقت مسيرات الحراك الشعبي في فبراير من العام الماضي منتفضا على الوضع السائد ومطالبا بعناد كبير بوضع حد لتجديد ولاية الرئيس بوتفليقة وتجديد العهد مع المنظومة التي كانت تسير بها البلاد برئيس عاجز لم تبق منه إلا صورة حاولت الزمرة المحيطة به استغلالها إلى آخر لحظة. وبقدر ما كان الحراك صاخبا في مطلبه سكت عن البدائل المتاحة في حالة تجاوز الأمر الواقع إذ ما عدا المطلب العام المتعلق باستعادة السيادة الشعبية وفق المادتين 7 و 8 من الدستور لم يقترح الحراك تصورا واضحا ودقيقا للحل بل ترك الأمر لمبادرات النخب السياسية التي ظهرت في تلك اللحظة الفارقة وكأن الزمن تجاوزها.

لم تحدد الأحزاب والشخصيات السياسية التي شرعت في لقاءاتها قبل 22 فبراير أي سقف لمقترحاتها التي تراوحت بين تشكيل مجلس رئاسي وعهدة انتقالية قصيرة تمر على الشرعية الشعبية مهمتها إعادة النظر في النظام القائم وقد كانت تقابل مقترحات المعارضة مبادرات قام بها الرئيس السابق نفسه الذي ألغى في 11 مارس الاستحقاق الرئاسي ل18 أفريل وأقر أن بمرسوم يقود هو مرحلة انتقالية من سنة دون الاتفاق مع أحد، تقام خلالها ندوة وطنية أين يعاد النظر في الدستور وتنظم بعدها انتخابات رئاسية إلا أن استماتة رفض الشارع لمقترح التمديد جعل الجيش يخرج من موقع المستمع لهمسات الشارع إلى موقع جديد يتضمن مسار الحل الدستوري مرورا بتطبيق المادة 102 من الدستور.

أدى دخول الحل الذي تقدمت به المؤسسة العسكرية إلى انقسام النخبة السياسية إلى فصيلين أحدهما تمسك بخيار المرحلة الانتقالية التي تمر عبر انتخاب مجلس تأسيسي يشرف على تغيير شامل للدستور وبعث أسس جديدة للجمهورية وآخر اختار الواقعية السياسية وانضم إلى خيار الجيش القائم على انسحاب الرئيس بوتفليقة عن طريق المادة 102 وتنظيم انتخابات رئاسية تفرز رئيسا جديد وفق مقتضيات الدستور القائم. ولم تجد محاولات التقريب بين الطرفين نفعا بل ازدادت الهوة اتساعا في جوان عندما اختار أصحاب خيار المرحلة الانتقالية الالتئام في تكتل أحزاب وجمعيات وشخصيات تحت اسم معاهدة القطب الديمقراطي وانحاز تكتل آخر ولد خلال منتدى الحوار في عين بنيان بداية شهر جويلية إلى خيار الذهاب إلى انتخابات رئاسية مع الاحتفاظ بحق الضغط حول آليات هذه الانتخابات لكي لا تتعرض لانفلات شمولي لاسيما وأن المجلس الدستوري كان أقر أياما قبل ذلك استحالة تنظيم انتخابات رئاسية في موعدها الدستوري (4 جويلية) وترك الباب واسعا لتحديد تاريخ آخر في أجل غير مسمى لهذه الانتخابات أمام موقف حازم للمؤسسة العسكرية وعلى رأسها رئيس الأركان قايد صالح الذي أظهر عبر خطاباته الدورية من منصات النواحي العسكرية أن الجيش صار منذ سبتمبر لا يطيق أي تأخير في تنظيم الاستحقاق الرئاسي بعد أن فسح المجال لتشكيل لجنة حوار وطني مهمتها التشاور حول مقترحات تعديل نظام الانتخابات وتأسيس سلطة لتنظيمها. وقد دفعت رغبة قيادة الجيش في التعجيل بالأمر إلى أن اقترحت تاريخ إجرائها في 12 ديسمبر 2019 فكان أن طويت جميع المشاورات وصادق البرلمان على جميع المقترحات وصارت الأرضية القانونية والإجرائية جاهزة قبيل الموعد الرئاسي بقليل.

كانت قيادة الجيش آنذاك حريصة على إنهاء الشوط الأول من مرحلة انتقالية طويلة هدفها إعادة الشرعية إلى المؤسسات الدستورية لاسيما مؤسسة الرئاسة التي هي أم المؤسسات والركيزة السياسية للنظام السياسي في الجزائر. لم يكن يهمها من الاستحقاق مآلاته بل انحصر اهتمامها إلى حد اعتبار الاستحقاق الرئاسي غاية في حد ذاته إذ كان لابد من الخروج من النفق الذي وضعت فيه وتجنيب الجزائر الدخول في مرحلة انتقالية لن يستفيد منها إلا “أعداء الجزائر” كما ورد في الخطب المتعددة لرئيس الأركان الراحل قايد صالح. لذا كان الحرص تاما على أن لا تترك الانتخابات الرئاسية منفذا لدعاة لأي انتقالية خارج الإطار الدستوري. وهو ما جعل القيادة العسكرية تدخل خلال السداسي الثاني من عام 2019 في معركة مع نشطاء من الحراك الشعبي عن طريق القضاء وهو ما أدى إلى اعتقال العديد منهم لاسيما الذين اتهموا بإضعاف معنويات الجيش والمساس بالوحدة الوطنية عن طريق تصريحاتهم ومنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يطلق سراح بعضهم بعد إنجاز الاستحقاق الرئاسي بأيام.

اختارت السلطة المستقلة لهذا الاستحقاق خمسة مرشحين كلهم كانوا محسوبين على النظام البوتفليقي بين مؤيد له ومشارك في تنفيذ سياساته. وقد أظهرت مناظرة عقدت للمرشحين الخمسة أن الاختلافات بينهم لم تكن بالاتساع الذي يجعل الناخب يختار بين توجهات متباينة ومتناقضة وبين مواقف متضاربة بشأن النظام القائم فقد بدوا في أحسن الأحوال أنهم يقترحون تحسينات وإصلاحات للوضع دون الذهاب إلى استيعاب جميع التيارات الفكرية والسياسية التي احتواها الحراك الشعبي الذي اختار قطاع كبير منه خيار المقاطعة الذي كان يلجأ أصحابه أحيانا إلى الجدل العنيف لحمل الذي اختاروا التصويت إلى الامتناع عنه بغية الضغط على السلطة لفتح المجال السياسي والتمكين لانتخابات رئاسية تستوعب الجميع ولا تعيد إنتاج النظام بوجوه جديدة قديمة.

لقد نجحت السلطة في تنظيم انتخابات الرئاسة وتنفيذ مسار ال”دوز دوز” كغاية فهل وفقت في تحويل الغاية إلى وسيلة لغاية أهم. هذا ما سنعرفه في العدد القادم
يتبع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك