معركة إيفري البلح 13 جانفي 1956

سكان بلدية غسيرة بتذكرون

إعداد: أ/ الأخضر رحموني 

تحيي بلدية غسيرة دائرة تكوت من ولاية باتنة يوم 13 جانفي الجاري الذكرى 66 لمعركة إيفري البلح التي وقعت أحداثها في مثل هذا اليوم من سنة 1956 بقيادة البطل الرمز مصطفى بن بولعيد، و تعتبر من المعارك الكبرى التي خاضها المجاهدون ضد قوات الاستعمار الفرنسي، و سقط فيها 44 شهيدا منهم 15 مدنيا.

الموقع: 

يقع كهف إيفري البلح على بعد 07 كلم من كاف العروس من ناحية الجنوب الغربي، و حوالي 03 كلم من الطريق الوطني رقم 31 الرابط بين بسكرة و أريس، ويقع بين قرية بانيان و قرية غوفي على سفح جبل احمر خدو و جنوب الوادي الابيض بغسيرة ،أرضيته عارية من الأشجار تقطعها الطريق المؤدية الى قرية غوفي السياحية ،و منافذه محدودة لتواجده وسط مجموعة من الجبال الصخرية الصعبة التسلق ،كان  تابعا الى الناحية الثالثة من المنطقة الثانية للولاية الأولى التاريخية .

التمشيط بحثا عن القائد : 

بعد تمكن القائد مصطفى بن بولعيد من الهروب من القاعة الثامنة   بسجن الكدية بقسنطينة مع عشرة سجين ليلة 11 نوفمبر 1955 أصبح الهاجس الكبير للقوات الفرنسية هو البحث عنه، وتتبع خطواته من أجل إلقاء القبض عليه ثانية، خاصة وأنه يعتبر خزانة أسرار الثورة التحريرية وأحد مفجريها، لهذا ركز كل قواته في منطقة الأوراس للبحث عنه عن طريق عمليات تمشيط واسعة، لعلمه اليقين بأن أسد الأوراس سيعود لا محالة الى عرينه الحصين بجبال الأوراس. حتى وصلت القوات الفرنسية في بداية شهرجانفي 1956 الى سلسلة جبل احمر خدو الذي يشمل جبال مشونش وبانيان وغسيرة وتكوت ومزيرعة وكيمل. 

استراحة القائد مصطفى بن بولعيد:

و قد كان  البطل مصطفى بن بولعيد يتواجد بهذه المنطقة في مهمة تفقد وحداته العسكرية و مراكز التموين و القيادة، ومعاينة الأوضاع بنفسه .حيث توقف على الساعة الخامسة  من مساء يوم 12 جانفي 1956  في  ناحية إيفري البلح مصحوبا ب 280 مجاهدا من بينهم القادة : محمد بن مسعود بلقاسمي قائد الناحية الأولى ،  و حسين برحايل و علي بن جديدي و مصطفى بوستة و عزوي مدور ،و كان في طريقه الى ناحية مشونش لعقد اجتماع آخر مع إطارات الناحية بعد الإنتهاء من سلسلة من الإجتماعات بإطارات القيادة و مسؤوليها بغابة كيمل بحضور القائد عاجل عجول ،و معايدته للجرحى بمستشفى البراجة .. وكانوا مسلحين ببنادق فردية ورشاش من عيار 29/24، وقد توقف مصطفى بن بولعيد للاستراحة والمبيت بها، باعتبارها منطقة عبور ومحطة استشفائية، وقد جلب معه نصيبهم من الأسلحة ممثلة في الخراطيش، وفي الليل وصلت دورية مرسلة من القائد عباس لغرور حاملة رسالة اعتذاره عن حضور الاجتماع المزمع تنظيمه بسبب إصابته.

 

استراتيجية المعركة : 

 

  على الساعة السادسة من صباح يوم 13جانفي 1956 ،و في الوقت الذير  بدأت فيه  استعدادات المجاهدين لمواصلة السير نحو ناحية مشونش ، اكتشف العدو الموقع عن طريق الطائرات التي حلقت فوقه ، ولما علم مصطفى بن بولعيد أن المنطقة محاصرة من كل الجهات ،و أن تشكيلة من الدبابات متجهة إليها قادمة من بلدة تفلفال لتمشيطها  ، عزم على مواجهة قوات الجيش الفرنسي التي كان تعداها حوالي 2000 جنديا ،منهم اللفيف الأجنبي ، مسلحين بأسلحة فردية  متطورة ، بالإضافة الى مدافع رشاشة و مدافع ثقيلة . و بأمر منه تمركز مجاهدو الكتيبة سفح الجبل، ثم قام بتوزيعهم حسب تخصصهم و طبيعة التضاريس الصعبة للمنطقة، و قد أعطى الأوامر بالإسراع الى الأماكن المحصنة، و التمركز داخل مغارات الكهوف و بين شقوق الصخور، و وضع الرماة المهرة في الخطوط الأولى للمواجهة،و أعطى لهم التعليمات بعدم مغادرة مواقعهم تجنبا لنيران العدو ،كما أمرهم مع القائد محمد بلقاسمي باستدراج قوات العدو الى أعماق أسفل الوادي، للتمكن من اقتناصهم و القضاء عليهم بسهولة .

تفاصيل الاشتباك مع قوات العدو:

وهكذا عندما اقتربت قوات العدو من الموقع، بدأ إطلاق النار عليهم من طرف القناصة المهرة، وقد حاول العدو اقتحام صفوف المجاهدين، لكن بسالة مجاهدينا حالت دون تحقيق رغبته، رغم توفره على الأسلحة المتطورة، و عدده الكبير.

لهذا انتقل العدو إلى خطته الثانية المعهودة، وهي قنبلة المكان بواسطة الطائرات، مع تقدم الدبابات للتوغل أكثر، لكنها عجزت عن عبور الوادي، ولم تمر ساعات حتى استنجدت قوات العدو بالثكنات القريبة، فوصلت الإمدادات من أريس و تكوت و تفلفال و بانيان ومشونش و بسكرة وقوات مظلية من باتنة، مما شجع المشاة على الهجوم مرة أخرى على مواقع المجاهدين، وهكذا اشتعلت نيران المعركة إلى غاية الليل.

و في يوم 13 جانفي 1956 تواصلت المعركة بكل ضراوة، حتى تحول الوادي الى جحيم من كثرة القنابل الملقاة   المدمرة و الحارقة، ولما تأكد العدو من عدم جدوى محاولاته، قام بإنزال جنوده المظليين من الطائرات المروحية، و الهجوم على المكان من كل الجهات .و قد قدر عدد الطائرات المشاركة بأكثر من 20 طائرة ، و لأن قوات العدو لا تعرف المكان جيدا ، وقعت  فرقة من فرقه في مصيدة أحد الرماة ،و سقط منها ما يفوق الثلاثين عسكريا  في المكان المسمى ( ثارشة) . ورغم وصول العدو الى مغارة إيفري البلح إلا أنهم وجدوا إلا 15 من المدنيين، فقاموا باستنطاقهم ثم قتلهم بكل وحشية.

طريقة فك الحصار عن القائد: 

 و عندما حل الظلام، سارع القائد محمد بن مسعود بلقاسمي لتمكين القائد مصطفى بن بولعيد من الإنسحاب و الخروج سالما من ساحة المعركة، فتعالت صيحات الله أكبر، و اقتحم المجاهدون جموع العساكر و الإشتباك معها بالسلاح الأبيض ،مما أدى الى تشتت قواته .و من المجاهدين من تمركز بقمة الجبل بقيادة علي بن شايبة ،و تمكنوا من إحداث عدة ثغرات في صفوف العدو ،و إيقاف تقدمه ،وكبدوه خسائر معتبرة بكل بطولة و بسالة .

و هكذا خرج القائد مصطفى بن بولعيد مع مرافقيه من المجاهدين سالما معافى باتجاه الجنوب الغربي الى جهة تارقة حوالي الساعة التاسعة ليلا، و المناسبة تستلزم التذكير بدور الشهيد خالد سليماني الذي كان ضمن الفوج المكلف بحراسة و الدفاع عن القائد مصطفى بن بولعيد ،و كان في الصف الأمامي الذي يكشف الطريق  لفك الحصار المضروب على المجاهدين ،ثم تفرقت الأفواج في كل الاتجاهات حتى لا يتمكن  العدو من ملاحقتهم جميعا بسهولة ، حاملين معهم الجرحى و أسلحة الشهداء . 

 و في صباح يوم 14 جانفي التقت الأفواج في ساقية الشرفة شرق الوسطية، و قام مصطفى بن بولعيد بإحصاء الجنود، و بعدها انتقلوا الى منطقة غار علي أوعيسى.

نتائج المعركة:

  حسب بعض الشهادات ممن حضروا المعركة، و منهم شهادة المجاهد بلقاسم زروال في كتابه (فرسان في الخطوط الأولى) فقد سقط من قوات العدو أكثر من 60 قتيلا و 50 جريح، و استشهاد 29 مجاهدا و 15 مسبلا مدنيا من المنطقة ،أغلبهم من سكان غسيرة و بانيان من بينهم امرأة و وليدها ، و لم تستسلم من وحشيتهم حتى الحيوانات، فقد أطلق الرصاص على 10 من الأحصنة المربوطة هناك، و من شهداء المعركة :حسين بن ابراهيم اللموشي ، إبراهيم جيماوي و محمد بن بلقاسم يكن و بلقاسم بن أحمد وزاني و مسعود بن لخضر بولطيف، و أحمد بن بلقاسم عبدلي و فلوسي لخضر ،و الصالح بن لخضر سليماني مسؤول التموين بالمركز الذي نقلت قوات العدو جثته إلى قرية تفلفال لتعرضها أمام جموع السكان لترهيبهم حتى يبتعدوا عن دعم الثورة .  

فرحة التأكد من نجاة القائد:        

 و بعد أيام ،و لعدم التأكد من نجاة مصطفى بن بولعيد و انسحابه لضراوة المعركة من طرف أخيه عمر بن بولعيد  ،جمع  القائد حسوني رمضان قواته المتواجدة  بناحية أرفراف اللعشاش ،و كذلك فعل علي بن جديدي المتواجد بناحية  بلعلى مع فوجه، و قرروا  الرجوع الى  مكان التجمع ، و عند ،و معرفتهم بنجاة القائد مصطفى بن بولعيد ،و تواجده مع المسؤولين ،أطلقوا بارود بنادقهم استبشارا و فرحا بالخبر، فسمع العدو  طلقات البارود ،و عرف منها أن جماعة من المجاهدين لا زالوا متواجدين هناك ، و اكتشف طريق  تحركهم،  لهذا  قامت الطائرات بالتحليق فوقهم  و قنبلة المكان  يوم 18 جانفي 1956 صباحا .

معركة غار علي أوعيسى :

و اندلعت المعركة و لم تستطع قوات العدو من التقدم، مما أجبر قائدها إلى استعمال المدافع الرشاشة في كل اتجاه و دون انقطاع، و قد تمكن المجاهدون من إصابة إحدى الطائرات المقنبلة ،و دامت المعركة يوما كاملا ،لتنتهي بسقوط مئات القتلى في صفوف العدو، كما جاء في الإعلام الفرنسي بعد ذلك، ثم تمكن المجاهدون  من الانسحاب ليلا ،و مرور واد غسيرة حتى الديسة بالقرب من بانيان و منها  انطلقوا إلى الجبل الأزرق .   

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك