معـــركة فــــــرغوس اكباش -14 أكتوبر 1960-

من الذاكرة التاريخية:

بقلم : الأستاذ الأخضر رحموني.

بمناسبة حلول  الذكرى 61  لعركة فرغوس التي جرت يوم 14 أكتوبر 1960 بمنطقة اكباش بجبل احمر خدو ، و التي تعتبر من المعارك البطولية التي خاضها جيش التحرير الوطني ضد قوات الاستعمار الفرنسي الغاشم خلال الثورة التحريرية المجيدة ،و قد كشفت هذه المعركة الخالدة عن مدى الإرادة البطولية القوية التي تحلى بها المجاهدون رغم عدم التوازن الواضح في العدد و العدة مع قوات العدو في إثبات وجودهم في الميدان، من أجل أن يعيش شعبنا حياة العزة و الكرامة في كنف الاستقلال و السيادة الوطنية . 

 و تخليدا لمآثر تاريخنا المجيد ،نتوقف بالتفصيل عند مجريات هذه المعركة التي ستظل محفورة في الذاكرة الجماعية رغم مغبات النسيان، معتمدين على الشهادة التي قدمها لنا المجاهد المرحوم محمد الوردي قصباية المعروف خلال الثورة باسم الوردي سليماني ببيته بحي المجاهدين ببسكرة .و كان له الشرف مع أعضاء- جمعية فرغوس اكباش لبلدية مزيرعة – من المجاهدين و المهتمين بتدوين تاريخ الشهداء و المعارك و التنسيق مع بلدية مزيرعة من إحياء ذكراها عدة مرات منذ سنة 1994 بحضور الوزراء و المسؤولين و الأسرة الثورية .كما كان لي شرف التعريف بها  في محاضرة مفصلة ألقيت خلال ملتقى الجمعية الخلدونية الموسوم ب ( المعارك الكبرى لجيش التحرير ببسكرة و صداها في الأدب الشعبي ) المنعقد يومي 21 و22 ديسمبر 2019 .

المــــــــــــــــــوقع :

جرت أحداث معركة فرغوس على تراب الناحية الرابعة ( كيمل) من المنطقة الثانية بالولاية الأولى (أوراس النمامشة ) التي كانت تسمى قبل سنة 1956 بالمنطقة الأولى ، أما بالنسبة للتقسيم الإداري الحالي فتقع في تراب بلدية مزيرعة دائرة زريبة الوادي من ولاية بسكرة .

عندما شعرت قيادة الناحية الرابعة بحملة التمشيط التي بدأت في المنطقة في إطار مخطط شال للقضاء على مراكز المجاهدين ومصادر تموينهم بالسلاح و المؤونة، استعد أبطالها من المجاهدين للمواجهة .

كانت قمة جبل فرغوس الموقع المختار للمعركة المحقق حدوثها ،باعتباره سلسلة جبلية مكشوفة خالية من الغابات الكثيفة ،لكنها تحتوي على كهوف و صخور ضخمة ملساء متصلة بينها ،توفر الحماية الكافية لتحصين مواقع المجاهدين .

 

تشكيلة القيادة و أسلحتها:

أسندت قيادة الناحية المشكلة من الملازم الثاني عبد الحميد شعبان – شهيد – ومساعدين له هم :محمد جرموني المسؤول العسكري ومحمد مدور المدعو ” تاغليسيا ” – شهيد – المسؤول السياسي و الأخضر  بلعمري اسطايفي – شهيد- مسؤول الأخبار و الاتصال الى المسؤول العسكري محمد جرموني مهمة قيادة و تسيير المواجهة .

قام محمد جرموني بتقسيم الجيش وعدده 81 مجاهدا أغلبهم إطارات يملكون أسلحة حربية متنوعة جديدة نوعا ما منها: رشاش كبير نوع 30 ألمان إلى أفواج ،و وزعهم على طول الخط الحربي في خنادق، وعين أماكن الرماة في المرتفعات حسب أسلحتهم الأوتوماتيكية و الرشاشات لصد الطائرات ومنع تحليقها على مستوى منخفض ، وحتى لا تقترب من الخط الحربي أثناء إطلاق قنابلها ، ولكي لا يصيب رصاص الرشاشات الثقيلة من نوع 7/12 أهدافه ،و رد تقدم الوحدات البرية أثناء هجومها على مواقع المجاهدين لصدها و دحرها إلى الخلف .ولما كانت قيادة القسمة الثانية من الناحية الرابعة تحت إشراف المساعد الطاهر صدراتي بمساعدة العرفاء الأوائل و هم : محمد خليفة إخباري القسمة  و عمار نويوة سياسي القسمة وبلقاسم عليبي عسكري القسمة ،متمركزة على بعد كيلومتر  و نصف تقريبا – 1.5 كلم – من جبل فرغوس بمكان يدعى ” تافرقة” أسفل عين الكرمة ، وهو متصل بالسلسلة الجبلية التي تخندق فيها مجاهدو الناحية ، أمرتها قيادة الناحية بتنظيم المجاهدين و عددهم 75 مجاهدا في أفواج على طول الخط الحربي، ووضع الرماة في الأماكن الإستراتيجية استعدادا للمعركة .وكان المسلحون منهم حوالي 40 مجاهدا ومعهم  مدفع رشاش واحد ،و الباقي بدون أسلحة إلا من بعض بنادق الصيد و أسلحة بيضاء و قنابل يدوية .

 

وصف المعركة:

على الساعة السابعة و نصف صباحا من يوم 14 أكتوبر 1960 سمع أزيز طائرة استطلاعية تحوم فوق الناحية ثم لحقتها طائرة أخرى ،و أثناء التحليق المنخفض، اكتشفت الطائرة مركز القسمة ب” تافرقة ” حيث يوجد المجاهدون من المسبلين و المرضى و النساء و العجزة .وعلى الساعة الثامنة وصلت أسراب الطائرات التي شرعت في قنبلة مركز القسمة بقذائف مركزة وعلى طلعات متعددة حسب الإشارات التي أعطيت لها ، و فجأة بدت تظهر في السماء الطائرات المروحية من نوع ” لبنان” كما يسميها الثوار – قادمة من عدة جهات ،و عززتها حوالي 50 طائرة تقوم بنقل الوحدات المخصصة لهذه الحملة بمعداتها و إنزالها في قمم الجبال و الهضاب مثل : تقطيوت ، تنوى- أشكوند – لقصر …أثناء هذا الإنزال ظهرت قوافل من الدبابات الخفيفة والمصفحات وفرق المدفعية قادمة من جهتي تاجموت و رمان سالكة طريقين في اتجاه جبل فرغوس .

و حوالي الساعة العاشرة اكتشفت الطائرات موقع مجاهدي الناحية ،فبدأت فلول جيش العدو  في التقدم نحو مواقع المجاهدين ، رغبة في فرض حصار حول المكان المحدد من طرف الطائرات الاستكشافية ، وبمجرد وصول هذه القوات البرية فتح المجاهدون نار بنادقهم صوبهم محدثين فزعا و خسائر معتبرة في صفوف العدو ،مما اضطر البقية منهم التراجع إلى الوراء تفاديا لضربات المجاهدين ، إلا أن أسراب الطائرات المقنبلة استأنفت نشاطها بكثافة لمدة تزيد عن الساعة ثم أردفتها المدفعية بقذف مواقع المجاهدين قذفا مكثفا ومركزا لمدة ساعتين ، وبعده قامت الوحدات البرية بهجوم ثان على مواقع المجاهدين الذين تصدوا لهم بوابل من الرصاص ، مما جعل الوحدات البرية التي أصيبت بنكسة ترجع على أعقابها . واستأنفت الطائرات قنبلة المواقع من جديد ،لكن في هذه المرة مستعملة قنابل النبالم المحرقة و القنابل الفسفورية و القنابل العنقودية التي تقذف عند انفجارها شظايا عديدة ،و تفرز دخانا ملونا مسموما يؤثر على الجهاز التنفسي للمجاهدين ، واستمرت العملية في التقدم و التقهقر حتى الليل ، و أخذت الطائرات في إلقاء الأضواء الكاشفة لمحاصرة المجاهدين و تطويقهم في جهة واحدة ضيقة المساحة .و بعدما أحس العدو بقلة الطلقات النارية من صفوف المجاهدين قام بهجوم لاقتحام صفوفهم ، وتواصلت المعركة كامل الليل بفضل المواقع الإستراتيجية التي تخندق فيها المجاهدون ،بالإضافة إلى قوة عزيمتهم ورباطة جأشهم و الخبرة المكتسبة من قادتهم في التريث قبل المواجهة .وانتهت المعركة في ساعة متأخرة من الليل، باشتباك عنيف تحت الأضواء الكاشفة التي تقوم الطائرات بإلقائها ،غير أن العديد من المجاهدين تمكنوا من اختراق صفوف العدو و الخروج من المعركة سالمين ، إلا أن جنود العدو  في الصباح أقدموا على التنكيل بجثث الشهداء حتى وصل بهم الأمر إلى تقطيع جثث 15 شهيدا و تشويه وجوههم بالكهرباء بل أشعلوا النار في البعض منهم .

 

موقف خالد:

كانت معركة فرغوس غنية بالمواقف البطولية المثيرة منها مشهد الشهيد مبارك السبع الذي كان يدافع عن وطنه بمدفع رشاش (30ألمان) فأصيب بشظايا قنبلة ،مما أدى إلى انفلات سلاحه من يديه ، ومن شدة إيمانه و تحمسه راح يحاول استعادته وهو مرمي على بعد أمتار منه ، لكن عندما وصل إليه اكتشف أن يديه مبتورتان بسبب انفجار القنبلة ، فما كان منه إلا أن أخذ سلاحه بفمه وعاد به إلى خندقه ، فلحق به القائد المجاهد محمد جرموني ، لكن البطل مبارك السبع خاطبه قائلا : “أوفوا بالعهد إن كنتم صادقين ، هذا هو اليوم الذي تحتاجنا فيه الجزائر ” و استشهد بين يدي صديقه في الكفاح .

نتائج المعركة:

 

من جانب المجاهدين أكثر من 100شهيد  من بينهم 07 نساء و طفلان رضيعان و 12 أسيرا منهم عدد من المسبلين أغلبهم جرحى. مع العلم أن مجموعة من الشهداء ليست من إحصائيات الناحية أو القسمة بل جاءت في دورية لمهمة من المهمات و صادفتها المعركة .

من جانب العدو : بمشاهدة العين ظلت طائراته المروحية تنقل الموتى و الجرحى من ساحة المعركة على مدى يومين كاملين بعد انتهاء المعركة ، من بينهم عدد من الضباط و ضباط الصف .

أحمد باي في أكباش :

 

بالمناسبة ، نشير إلى أن منطقة أكباش بجبل أحمر خدو هي الموقع الذي فضل (أحمد باي ) الالتجاء إليه في شهر ماي 1845م بعد ملاحقته من طرف  الفرنسيين في مدينة منيعة، و انتهاء معارك جبال أولاد سلطان بالأوراس. وقد لجأ إلى عرش أولاد عبد الرحمان واحتمى بهم و اعتصم بقرية أكباش مدة عامين ،حيث تعهد له السكان بالدفاع عنه و حمايته من أي اعتداء ، ورفضوا فكرة استسلامه لفرنسا ومنعه أغلبهم كما منعه أعيان عرش بني ملكم المجاور لهم  ،و عزم الجميع على الجهاد ومواجهة القوات الفرنسية ،إلا أن (أحمد باي ) خضع للأمر الواقع و سلم نفسه في 05 جوان 1848م بعد مراسلات مع القائد الفرنسي – سان جرمان – و إبلاغه الأمان الذي يطلبه ،إلا أنهم خدعوه ،ولم يسمح له بالسفر إلى الأراضي المقدسة حتى توفي عام 1850بالجزائر العاصمة و دفن في مقبرة سيدي عبد الرحمن الثعالبي  .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك