مفتاح أزمة الطاقة الأوروبية بيد الجزائر

الخبير في الشأن الطاقوي مهماه بوزيان في حوار"للوسط":

 

        قادرون على ضمان جميع الإمدادات دون الحاجة إلى وسيط

       نحن في غنى عن أنبوب الغاز الأورو مغاربي

 

أكد الخبير في الشأن الطاقوي  مهماه بوزيان في حوار خص به جريدة “الوسط”  أن الجزائر بما تمتلكه من احيتاطيات هامة من الغاز الطبيعي بإمكانها أن تكون قطبا طاقويا موثوقا و معززا للأمن الطاقوي الإقليمي، من خلال مقاربة الإمدادات الطاقوية الآمنة والسلسة الجوارية لأوروبا،مشيرا إلى أن المطلوب من الدول الأوروبية أن تفصح عن نياتها الحقيقية وعن طبيعة حاجاتها المستقبلية من الطاقة ،و من الغاز ،و تخطط تصورها بشكل واضح لمستقبل آفاق الطاقة ،و ستجد الجزائر جاهزة لإشباع حاجاتها من الغاز ،و فقط وفقا لمنطق تجاري سليم.

 

بداية، أوروبا شبه عاجزة أمام أزمة ارتفاع أسعار الغاز بشكل جنوني، فما هي أسبابها وتداعياتها؟

بداية ينبغي لي التوضيح بأن السبب الجوهري الذي أنتج لنا تجليات ما بات يعرف بأزمة الغاز” يعود أساساً إلى السياسة الطاقوية الأوروبية الجديدة الغير الناضجة والتي جرى إعدادها على عجل و في ظل تعاطي مفرط للشعبوية و للأحلام البيئية تحت تأثير أوهام التحول الطاقوي المفخخ بالحسابات التجارية المحضة والمتحلل من الالتزامات الإنسانية و الساعي للتأسيس لهيمنة جديدة، هذا ما غذّى و صنع مشاهد الهرولة الأوروبية خلف “الغاز الرخيص” الذي كان قد وصل سعره خلال أزمة الكوفيد في السنة الماضية إلى ما دون الواحد دولار للمليون وحدة حرارية، بما جعل دول الإتحاد الأوروبي تفرّط في الإمدادات الطاقوية للغاز الطبيعي عبر الأنابيب و تقفز  في الفراغ متجاوزة مقاربة الأمن الطاقوي القائم على التعاون الطاقوي الجواري، خلط السياسة بالتجارة الطاقوية، وخير مثالك على ذلك هو الضغط على روسيا لإجبارها لإمداد أوروبا بالغاز عبر أوكرانيا، رغم إدراك أوروبا بأن إمدادات الغاز تقوم على تعاقدات تجارية بين الشركات النفطية، و تكون مخططة زمنيا، وليس عبر الضغوطات السياسية على الأنظمة لزيادة أو وقف الإمدادات عبر أي خط، و أوروبا تدرك بأن أي تعديل في الإمدادات بناءً على قرار سياسي ظرفي تترتب عليه التزامات وأعباء مالية، لا الشركات الروسية ولا الأوكرانية مستعدة لتحملها،خضوع المصالح الإستراتيجية و السيادية الأوروبي لهيمنة القرار  الأمريكي، و دليل ذلك عدم حسم أوروبا لموقفها سريعا بإعطاء الضوء الأخضر لروسيا بضخ الغاز لأوروبا عبر خط غاز “السيل الشمالي 2” والذي هو جاهز، وهذا لأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد فرض تواجد الغاز الأمريكي في السوق الأوروبية، حتى وإن كان غير مضمون الإمدادات، ابتزاز دول العالم النامي في أرباح صادراتها “أي تصفير العائدات” من خلال إقرار “ضريبة الكربون عبر الحدود” من أجل حماية التنافسية الأوروبية والسعي لفرض هذه الضريبة على مختلف السلع والبضائع،  إعطاء أهمية أكبر للغاز الطبيعي المسال و للأسواق الفورية، بما أدى إلى كسر العلاقة الخطية بين أسعار  الغاز ومرجعية أسعار  خام النفط، و التحول من الأسواق الجهوية الثلاثة إلى سوق الغاز  المعولم، شيطنة الوقود الأحفوري والسعي لتجريم عديد المصادر الطاقوية التقليدية بما فيها الغاز غير التقليدي و جرجرة عديد الشركات الطاقوية إلى المحاكم، و الوقوع تحت سطوة الخطابات الشعبوية والضغوطات المتصاعدة للحركات البيئية العابرة للحدود والتي هي في جوهرها أطروحات إيديولوجية أكثر منها رؤى مجتمعية عادلة أو معالجات اقتصادية متينة. هذا الوضع دفع بالإتحاد الأوروبي إلى تبني “خارطة طريق صفر كربون آفاق 2030-2050) والتي أدخلته في مأزق متعدد الجوانب، أول تجليات هذا المأزق هو وصول سعر الطن من ثاني اكسيد الكربون (CO2) في سوق التداولات الأوروبية مستوى الـ (62 يورو) بينما كان قبل ذلك لا يتجاوز الـ (30 يورو)، و أيضا ارتفاع أسعار الفحم في أوروبا إلى أكثر من 173 يورو للطن، وهي أسعار الفحم الأعلى منذ عام 2008، حين شهد الاقتصاد العالمي أزمة مالية كبرى، و وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى سعر له خلال عقد من الزمن حيث لامس سقف الـ (30 يورو) للمليون وحدة حرارية في منصة التداول الهولندية، و هو مستوى غير مشهود و غير متوقع البتة منذ سنوات، ولم يتصور أحد أن تقفز أسعار الغاز في ظرف سنة من أقل من واحد دولار  إلى مستوى الـ (35 دولار)، ومن المتوقع أن تكون التداعيات وخيمة، حيث سيزداد الطلب على الطاقة في ظل توقعات مناخية بقدوم شتاء بارد في النصف الشمالي للكرة الأرضية، بما سيرفع أسعار الغاز و الفحم في أوروبا بشكل كارثي، و ستكون الصين هي القائد العالمي الجديد للمناخ، و حين تشعل الصين حرب الغاز في العالم، ستغرق أوروبا في معضلة الفحم و تنهزم أحلامها في قيادة العالم تحت مظلة قضايا المناخ.

 

ماهي الأسباب  التي أدت إلى تحول أوروبا من فائض في المعروض إلى شح خلال عامين؟

هذا التحول المفاجئ من حالة الفائض في المعروض من “الغاز الطبيعي” إلى حالة النقص في الإمدادات، بما ولد ما يشبه “تدافع الندرة” هو واقع في شق الغاز الطبيعي المسال و في العقود الآجلة لشحنات هذا الغاز الطبيعي المميع (المسال)، و ليس في حالة الإمدادات عبر خطوط شبكة الأنابيب، لأن المعطيات المتوفرة والمتاح الإطلاع عليها، تبين بأن إمدادات الغاز نحو أوروبا من قبل الشريكين الأساسين غازبروم الروسية أو سوناطراك الجزائرية عبر إسبانية أو إيطالية لم تتراجع أبدا، بل قد تعززت خلال هذه السنة، لذلك فكل حديث عن تراجع الإمدادات من الغاز الجزائرية نحو السوق الأوروبية هو حديث متوهم، فالتقديرات تشير إلى إرتفاعها نحو السوقين الإسبانية والإيطالية خلال هذه السنة وبنسب عالية ملحوظة من قبل كل المتتبعين، و كذلك الحال لتقارير غازبروم الروسية التي تؤكد استمرار ضخ جزء من إمدادات الغاز عبر  أوكرانيا بناءً على عقد تجاري يمتد إلى سنة 2024

كيف ترى واقع و مستقبل الغاز الجزائري في ظل التحولات الكبرى؟

الغاز الطبيعي بأشكاله الثلاثة  التقليدي وغير التقليدي والبحري، هو مورد المستقبل للجزائر وللعالم أجمع، وهو المعبر السلس نحو الفضاء الطاقوي المنخفض الكربون، والجزائر بما تمتلكه من احيتاطيات هامة من الغاز الطبيعي بإمكانها أن تكون قطبا طاقويا موثوقا و معززا للأمن الطاقوي الإقليمي،من خلال مقاربة الإمدادات الطاقوية الآمنة والسلسة الجوارية لأوروبا، فقط المطلوب من الدول الأوروبية أن تفصح عن نياتها العقيقية و عن طبيعة حاجاتها المستقبلبة من الطاقة و من الغاز و تخطط تصورها بشكل واضح لمستقبل آفاق الطاقة و ستجد الجزائر جاهزة لإشباع حاجاتها من الغاز و فقط وفقا لمنطق تجاري سليم، وهنا أستحضر على سبيل المثال أنه حاليا في سنة 2021، الجزائر ضمنت إمداد السوق الإسبانية من الغاز بنسبة (45,73%) من إمدادات إسبانيا الإجمالية من الغاز خلال السداسي الأول من هذه السنة، فهي المورد المهيمن والأول والأساسي للغاز إلى اسبانيا، لذلك فلا يمكن للجزائر أن تجازف بمكانتها هذه، لولا أنها تمتلك كل القدرات لاستمرار تموين هذه السوق الأوروبية الهامة.

 

الجزائر كشريك موثوق قادر على ضمان جميع الإمدادات من الغاز الطبيعي لزبائنها على المديين القريب و البعيد دون الحاجة إلى وسيط؟

بالنسبة لمستقبل لإمدادات من الغاز الجزائري لزبائنها من الجانب الأوروبي على المديين المتوسط والبعيد، فالجزائر ترافع لصالح الإمدادات عبر التعاقدات المتوسطة والبعيدة المدى، بما يجعل كل الشركاء يتقاسمون فضائل هذا المنظور وهذه المقاربة، بداية تعزيز مبدأ “اللأمن الطاقوي” لدى المستهلك الأوروبي، من خلال ضمان الإمدادات المضمونة والآمنة والسلسة و المدعومة و بعنصر هيكلية “استقرار الأسعار”، كما يتيح للجميع وضوح الرؤية لآفاق الطاقة بما سيعزز ضخ استثمارات هامة وكبير  دون مخاطر عالية أو دون اللجوء إلى تخطيط استثمارات غير واضحة الجدوى أو غير مجدي للشريك المنتج للغاز، وأزمة الغاز الحالية أبانت عن صحة وسلامة الرؤية الجزائرية لتعزيز الأمن الطاقوي الإقليمي القائم على التعاقدات ضمن مقاربة التعاون الطاقوي الجواري، وهكذا يكتسب الموقف الجزائري صلابة أكثر، بما سيدفع الجانب الأوروبي لمراجعة خياراته والعودة لتثمين “المقاربة الطاقوية الجوارية” و تعزيز مبدأ التعاقدات المتوسطة والبعيدة المدى، والكف عن الهرولة خلف الغاز المسال أو الغاز المنخفض الكلفة، فتلك الهرولة تكلف اليوم المواطن الأوروبي فاتورة كهرباء قاسية، كما هو الحال اليوم في بريطانيا التي تواجه في هذه الأثناء أزمة قد تتفاقم أكثر في الأسابيع المقبلة، فحتى الآن أفلست أكثر من عشر شركات ناشطة وعاملة في مجال إنتاج و توريد وتوزيع الغاز والكهرباء إلى البيوت في بريطانيا، كما تتحسب الهيئة لبريطانية لـ “تنظيم سوق الطاقة” لمزيد من إفلاس شركات مماثلة في الأيام المقبل، في ظل كفاح مستميت لتحول مليوني (2 مليون) مشترك من إرتباطاتهم مع هذه الشركات المفلسة نحو الشركات التي لا تزال تكافح للبقاء عاملة، حتى لا تنقطع الكهرباء عن الناس، في ظل هذا الوضع فإن الجزائر تطرح مسألة إمدادات الغاز كعملية تجارية بعناصرها الخمسة  المَوْرد (الغاز) و المُوَرِّد (الجزائر) والمستورد (إسبانيا)، الكيفية والنمط (العقد) و الواسطة (أنبوب الغاز)، لذلك فهي تقع خارج نطاق التفاوض السياسي  فالغاز الطبيعي كمورد هو ملكية للجزائر التي هي المورد، و “المستورد” هم الشركاء في شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا و البرتغال)، و العقد التجاري جرى تجديده وتحيينه مع الشركاء الأوروبيين، و الشركاء المستقبليين المحتملين سيتم التوافق معهم حول الشروط والمعايير والأعباء والأرباح والعوائد،  يبقى في النهاية المرفق الذي يضمن “إمدادات آمنة من الغاز الطبيعي على مدى 25 إلى 30 سنة قادمة” فهذا متوفر ويضمن ذلك بسلاسة، هذا المرفق المتمثل في أنبوب الميدغاز الذي يربط مباشرة الجزائر بإسبانيا عبر البحر إضافة إلى قدرات الجزائر الكبيرة من الغاز الطبيعي المسال، لذلك نتساءل لما يُطرح السؤال حول حاجة الجزائر إلى شريك ثالث وسيط وهو المغرب لتصدير غازها الطبيعي نحو شبه جزيرة إيبيريا .

 

هل الجزائر في غنى عن أنبوب الغاز الأورو مغاربي؟

بخصوص خط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي (GME) و المعروف كذلك بـ “خط أنابيب الغاز المغاربي – أوروبا” العابر للأراضي المغربية فهو يقع تحت طائلة مسؤولية شركة “(EMPL (Europe Maghreb Pipeline Limited”،

التي جرى إنشاؤها في جويلية 1992، والمتكفلة بالتشغيل التجاري لنقل الغاز عبره والمساهمون فيها هم ناتورجي (Naturgy) الإسبانية بـ (77,2%) و قالبي إينرجي البرتغالية (Galp Energia) بـ (22,8%) مع التذكير أنه في نفس الشهر (جويلية 1992) تم تأسيس شركة (“متراجاز” Metragaz) من أجل تنفيذ أعمال الإنشاء و البناء، وبعد ذلك تشغيل خط أنابيب الغاز و ضمان أنشطة التشغيل والصيانة لمنشآت خطوط الأنابيب نيابة عن (EMPL)، وفيها تشكلّت شراكة ثلاثية بالإضافة إلى ناتورجي (Naturgy) بـ (76,68%) الإسبانية و قالبي إينرجي البرتغالية (Galp Energia) بـ (22,8%)، كما نجد الديوان الوطني المغربي للهيدروكربورات والمعادن (ONHYM) دخل الشراكة بـ (0,68%)، ويجري استغلاله من قبل الشركة الإسبانية وشريكها البرتغالي في إطار “عقد امتياز” والذي سينتهي مع نهاية شهر أكتوبر القادم، هذا العقد الذي يمنح لهما حق الاستخدام والاستغلال الحصريين، ضمن مشروع محدد يقوم على الإنشاء والتمويل والتشغيل، للجزء المار بالأراضي المغربية من خط أنابيب الغاز المغاربي – أوروبا (GME) بعد نهاية شهر أكتوبر ستؤول ملكية الأنبوب كمرفق إلى المملكة المغربية فأي دخل للجزائر هنا، وحتى منشأ الشراكة حول الأنبوب، فهي شراكة تجارية، بدأت كمباردة في عام 1990، لنقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا وأوروبا مرورا بالمملكة المغربية، حينها جرى تصميم خط الأنابيب على أساس هدف هندسة تنويع هيكل إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسبانيا 

 

حاورته: إيمان لواس 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك