ملامح المرحلة القادمة.. قتل بالبارد!!

الانخداع

بقلم: صالح عوض

اتضحت معالم سياسة ساكن البيت الأبيض الجديد مباشرة بعد تنصيبه.. ويبدو أنه سيقضي وقتا ليس بقليل للتخلص من ترامبفوبيا وفي هذا الوقت سيتحرك بقوة وحماسة لإلغاء آثار ترمب في أكثر من مكان، وفي هذه المرحلة ستتغير معالم كثيرة في المنطقة والعالم و ستتشكل محاور وتتقدم سياسات وتتراجع أخرى، و بعد أن تطمئن نفسه ويستقر وجدانه سوف ينتقل الى مرحلة أخرى في التوجهات الاستراتيجية.

في هذه المرحلة كذلك يتجرع الأمريكان كأس خيبة الأمل وانتكاسة الروح المنشطرة وهم يبدأون رحلة المواجهة مع الخصم الداخلي المدجج بالسلاح والأيدولوجيا العنصرية، ولن يستوي مركبهم على الجودي قبل أن يرسم معالم شخصية جديدة لمجتمع ينوء بتحديات عنيفة قد تعصف به في نهاية المطاف.. في هذا الحراك والتفاعل الداخلي والخارجي الى أي مدى ستتأثر الملفات الكثيرة في المنطقة والمرتبطة تماما بقوة القرار الأمريكي وضعفه.

 أمريكا تدفع الثمن:

تخسر أمريكا في ظل النزعة الانفعالية التي تحاول إعادة السيادة لتيار حاول ترمب خنقه، وفي هذه المحاولة تبدو الحركة السياسية لكلا الطرفين في حالة من التخبط بحيث فقدت الأطراف القدرة على ادارة الحوار السياسي بعيدا عن روح الانتقام ورغم ما يبدو على الوضع الرسمي من حسم وعودة المؤسسات الى عملها، إلا أن أمريكا تعيش حالة اضطراب وهي  تقود السياسات الدولية أو تؤثر فيها وتنعكس آثار ذلك على العلاقات مع الدول كما تؤثر في توجه سياسات الدول في آسيا وأفريقيا وأوربا، فالوضع الداخلي الأمريكي بدءا من الأزمة الاقتصادية الأولى من نوعها كما صرح الرئيس بايدن والأزمة المجتمعية المحتدة كما تشير التقارير والقراءات الامريكية والمتابعة ينشئ مناخا من اليأس و الفوضى سيتولد عنه انشقاقات في الوضع الدولي وتبرز نتوءات هنا وهناك تلحق ضررا فادحا بالأمن والاستقرار الدولي.

وفي المقابل لا يظهر في مواجهة فوضى أمريكا من يعيد إليها توازنها فلقد جرب العالم “يتمه” عندما تخلت عنه أمريكا في عهد ترمب، الامر الذي يفسر عودة العالم لأمريكا مسرعا من أوربا والصين والروس والعرب والعجم.

في هذه المرحلة تحاول السياسة الامريكية تقديم مبررات الانقلاب على الترمبية تكون مقنعة للداخل في الوقت نفسه مقنعة للداخل ولكنها في ظل هذا التوجه تحت عنوان ترميم سمعة أمريكا وسياساتها ومكانتها ستضطر لدفع أثمان باهضة ماليا وسياسيا.. 

في الخليج العربي وايران ملفات تحتاج اعادة مراجعة وصياغة جديدة للعلاقات، فما هو الموقف من الحرب اليمنية وهذا يحتاج الى اعادة قراءة للاطراف فهل هو نزاع بين الحوثيين والاطراف اليمنية الاخرى، ام هو نزاع بين ايران والسعودية في معركة النفوذ؟ في الحالة الاولى هناك موقف سيختلف عن الموقف الذي يبنى على ضوء الصراع بين ايران والسعودية؟ والموضوع هنا في غاية الحساسية فهل تصطف امريكا مع السعودية والامارات في مواصلة الحرب للتصدي لنفوذ ايران، ام تتجه الى ما اعلنت عنه سابقا من رفض توصيف الحوثيين حركة ارهابية ورفض استمرار الحرب على اليمن؟ كيف تقرأ الادارة الامريكية الحالية آثار موقفها القادم على ايران؟ هل تترك الملف اليمني كورقة مساومة مع ايران ام انها لن تقبل نفوذا اضافيا في المنطقة لصالح ايران مهما كان الثمن؟

وفي العراق حيث التشابك الاقليمي والدولي الى أي مدى ستقبل امريكا ان تكون العراق ساحة نفوذ ايراني بجوار حقول النفط الاهم في العالم وبالقرب من فلسطين ودول الحلفاء الخليجيين؟ وما هي الاوراق التي يمكن تشغيلها في العراق لارباك المشهد؟ لن ينتظر المختبئون في فصل الحرب على الارهاب كثيرا فبمجرد ما يشعرون بسوء تواصل بين الامريكان وايران واصدقائها في الساحة العراقية ستتحرك القوى المختبئة بتفجيرات وعنف لن يتوقف عند حد!! ولئن المناخ السياسي مفخخ ومتعفن بما يحويه من روح طائفية تستفرد بالحكم والمال والسياسة والمليشيا فيكون ميلاد الارهاب المضاد مسوغا تماما ومنطقيا،وهذا ما سيجعل الوجود الايراني مكلفا لايران كما هو الوجود الامركي مكلفا لامريكا..

المجموعات المسلحة في العراق عبارة عن دولة داخل الدولة بل فوق الدولة احيانا كثيرة وهي بشكل أو آخر مترابطة مع ايران اما باصولها الايرانية او بتبعيتها الامنية والسياسية.. وهي قد  قامت في مرات عديدة بضرب أهداف امريكية كرسالة ايرانية واضحة المغزى للامريكان بان هناك اذرع كثيرة مؤذية فيما لو حاولت امريكا استهداف الثورة الايرانية.. هنا لاتعرف الادارة الجديدة أي ثمن ستدفعه لمعالجة هذه الاوضاع المعقدة وكيف ستخرج من المواجهة بأقل الخسائر.

تفاعلات اقليمية:

تدرك القيادة الصهيونية ان وجود بايدن ليس خطيرا على الكيان الصهيوني ولكنه أيضا لن يكون مغامرا كما فعل ترمب بخصوص الاستيطان وضم كتل جغرافية كبيرة من الضفة الغربية، ذلك أن بايدن كما الديمقراطيين السابقين جميعا لايرى في بناء القوة بديلا عن تفاهمات استراتيجية ستوفر على الامريكان مجهودات اضافية ونفقات اضافية وربما خصومات جديدة في العالم الاسلامي.

صحيح لا يوجد ترحيب في الكيان الصهيوني بمقدم بايدن ولكن هذا الموقف مؤقت تماما ورغم ان الاعلام الصهيوني يوحي أن انقلابا كبيرا سيحصل الا ان المتاجر والاسواق والحياة العامة في الكيان الصهيوني تعيش حالتها الطبيعية والتي تدلل على الاستقرار والامن دون وجل.. واما الفلسطينيون الذين رحبوا كثيرا بمجيء بايدن فهم لنينالوا اكثر من اجراءات شكلية كعودة فتح مكتب منظمة التحرير في امريكا وعودة تدفق المساعدات الامريكية على السلطة واجهزتها الامنية وعلى وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.. لا يمكن توقع ما هو أكثر للفلسطينيين في ضوء الاوضاع القائمة حيث الانهيار العربي الذي لن يستفيد من ضعف امريكا البنيوي ومن خوارها المعنوي.

في مصر والعراق وليبيا والسعودية اضطرابات حقيقية وعدم قدرة على التوازن مما يشيع اهم عناصر الاستقبال لما سوف يقدمه بايدن للمنطقة  ففي العراق تبدو الصورة قاتمة من خلف الأكمة بحيث ولد تمادي الطائفيين واستيلائهم على كلمرافق الحياة حالة احتقان طائفي سيكون حضانة طبيعية للتطرف المسلح بغض النظر عن المسميات، ويستمر الوضع الذاتي الامريكي غير قادر على ترتيب جبهة حلفائه ومستنزفا للمال الامريكي والجهد الامريكي فيما سيكون الخوف مطبقا على النظام المصري والسعودية  حيث ان هناك ملفات معقدة تنتظرهما في حال استقر الامر لبايدن الذي يرى في سلوكهما الامني تجاوزا كبيرا لحقوق الانسان وانه لابد من الدفاع عن الديمقراطية التي اصبحت ايقونة بايدن وهو في مثل ما يعيشه من مناخ ضد انقلاب ترمب سيجد  نفسه ملزما للتصدي لحالات الاعتقال الرهيبة في مصر وللتجاوز الخطير لحقوق الانسان في السعوية والامارات.

وهنا يبدو أن النظام المصري يترجم انشغالاته بمحاولات المصالحة مع قطر والتنسيق العالي مع الملك عبدالله الثاني والمرشح ان يكون اول زعيم عربي يزور بايدن في البيت الابيض.. فالى أي مدى يتقبل بايدن منطق النظام المصري وقد سبق له ان انتقده وهاجمه؟ الامر نفسه مع السعودية في موضوع خشقجي وبالفعل تقدمت مرافعة بالخصوص الى الكونجرس في انتظار مناقشتها ورفعها للرئيس.

أكثر دوائر الخطر تحوم حول السعودية ومصر وهما في غاية الاهتمام لتوسيع دائرة المصالحات الاقليمية وانهاء التوترات التي كانت تجد حماية من ترمب فحرب اليمن كابوس يلاحق السعودية كما هو موضوع حقوق الانسان واما مصر التي كان رئيسها محل اعجاب من الرئيس ترمب فلعل هذا الوصف سيكون مثار سخط عليه من قبل ادارة بايدن فيما تحول حول النظام تهم تجاوزه لحقوق الانسان.

في الملف الايراني يحاول الايرانيون الضغط بقوة من خلال تلاحق تصريحاتهم التي تحث الرئيس الجديد على الاسراع في الالتحاق بالاتفاقية النووية، وقد تلجأ ايران لتشغيل بعض اذرعها في العراق او اليمن لممارسة ضغط على امريكا لاجبارها على العودة السريعة للاتفاقية.. وتلوح ايران بان الوقت قد ينفذ قبل ان تتمتع امريكا بفرصة الالتحاق بالاتفاقية. وكما يبدو حتى الان فليس هناك مشكلة امام عودة امريكا للاتفاقية ولكن مع العودة هناك مفاوضات حول الملفات الاخرى كالوجود الايراني في سورية والتدخل الايراني في اليمن والعراق.

الا ان قيام الطيران الصهيوني بقصف اهداف ايرانية في سورية يعني بوضوح انهلن يكون مقبولا ان يكون لايران موطيء قدم في محيط فلسطين وان صمت الروس عن القصف الصهيوني انما هو بمثابة رضى روسي وقد يكون تفاهم روسي اسرائيلي ذلك لان الروس لن يقبلوا ان يشاركهم احد في نتائج الحرب على سورية فهم يعتقدون انه لولا التدخل الروسي لذهبت دمش والنظام.. وهنا يكون الطيران الصهيوني يتحرك في المنطقة ليرسم خطوطا حمراء بالتفاهم مع الروس.

الروس والصين:

دعا الرئيس الامريكي الى العودة الى اتفاقية ستارت الجديدة للحد من الاسلحة النووية مع الروس ورحبت روسيا بذلك واعتبرته خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح كما استقبلت الادارة الامريكية شخصية مرموقة في الحزب الشيوعي الصيني للتفاهم حول قضايا مركزية لها علاقة بالضرائب والعقوبات والعلاقات التجارية بين العملاقين الاقتصاديين.

تواجه روسيا قضايا عالقة مع الامريكان في موضوع الدرع الصاروخي وازمة اوكرانيا والقرم، كما في محاولاتها حماية مشروع الصين الضخم سوق الحرير الذي يهدد في مآلاته الاقتصاد الامريكي.. وأما الصين التي تعرضت لاجراءات عدوانية من قبل ترمب وقد عمل على شيطنتها وتحريض حلفائه في العالم على عدم الاتجار معها ومقطعتها اقتصاديا فهي تحاول ايجاد صياغة لعلاقة هدنة هي في أمس الحاجة اليها ريثما تنتهي من تربيط حلقات طريق الحرير.

بلا شك سيكون الموقف الامريكي في هذه المرحلة متصالحا مع الجميع ردا على سياسة ترمب التي دمرت العلاقات مع الجميع.. وسيكون الموقف الامريكي تحت هذا الضغط النفسي مدفوعا لتنازلات ولو مؤقتة للصين وروسيا مما سيستغله الروس والصينيون الى اقصى حد في بناء تحالفاتهما والتقدم في صياغات جديدة لعلاقات كونية تتجاوز هيمنة الامريكان.

محاولات امريكا الان لارباك روسيا في مواجهة معارضة لا تخفي عن المتابع ادوار الادارات الغربية فيها انما هو يسير في محاولة التقاط الانفاس.. وبمقدار نجاح الدول الكبرى ودول الوطن العربي وايران في تجاوز الفوضى الداخلي ومحاولة ضبط امورها الداخلية سيكون نصف الطريق قد تم قطعه مع الامريكان الذين سيتعرضون في سنوات قادمة بل وعقود الى حال من التمزق والمعالجات التي قد لا تنتهي الى مصالحات اجتماعية وتفريغ لشحنات العنصرية.

في غياب قدرة الامريكان على التحرك بقوة في الاقليم وفي مواجهة روسيا والصين ستندلع الحروب في اكثر من مكان في محاولة للحفاظ على النفوذ او نشر الفوضى التي هي في حد ذاتها هدف استراتيجي امريكي.. وسيعمد الامريكان الى تعطيل المشاريع الصينية والروسية بمزيد من الانفجارات لقنابل مؤقتة في الاقليم والعالم.. ووحدهم العرب من يمتلك احباط المشروع الامريكي عندما يطردون الاخرين من ديارهم ويتصرفون وحدهم حسب مصالحهم الاستراتيجية في تحديد مواقفهم واتخاذ سياسة راشدة هم قادرون عليها وفورا لو ارادوا.. فبلاد العرب هي ساحة صراع النفوذ وهي حلقة الوصل بين افريقيا واسيا أي الحلقة المركزية لمشروع طريق الحرير.. وفي غياب الفعل العربي الموحد ستنبعث الفوضى في اكثر من مكان من دولنا العربية قد تكون على شاكلة موجة جديدة من الربيع العربي.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك