منطق ( كل موجود رخيص) !

رؤية من الواقع

الحفناوي بن عامر غول

 

في شوارعنا المزدحمة بالنفايات تجد حاويات انتشرت كالفقاقيع مكتوب عليها (ارمي الخبز هنا) وتمر عليها مرور الكرام دون أن نسأل أنفسنا هل هذه الظاهرة صحية ؟ وأين الخلل ونحن لا نبالي في ظل هذه الزحمة التي اختلطت فيها المفاهيم ولم نعد نميز فيها الخطأ من الصواب، كيف لأمة يحثها دينها على الترشيد والتيسير أن تتحول إلى امة التبذير رغم التحذير منه واعتبار المبذرين إخوان الشياطين ؟ هل يعقل أن نرمي نعمة الله في المزابل ؟ وهل يعقل أن يرمى الخبز وهو المادة الأساسية بل والضرورية في غذاء وقوت المواطن، ونحن في كل يوم نتباكى عن غلاء السميد والفرينة ،وفي بعض الأحيان نشتكي من الندرة؟ لابد أن هناك أسباب وراء هذه الظاهرة الدخيلة على مجتمعنا يجب أن نقف عندها .والإحصائيات الأخيرة مخيفة إلى درجة أن تجد أطنان من الخبز ترمى يوميا في الشوارع ولا تكفيها الحاويات ولا البراميل ولا سلة القاذورات – أكرمكم الله- ودون تدخل من الوصاية لمعرفة الأسباب نلجأ إلى الحلول الظرفية الترقيعية ونقيم قوافل لتحسيس المواطن ونشد الرّحال مع الكاميرات المرفقة ثم نعود إلى مواقعنا على أمل حملة أخرى يعطي إشارتها المسؤول الفلاني ؟ !وتبقى الظاهرة قائمة ،فما الحل يا ترى ؟ ونحن نرى عائلات تقتات من المزابل وأخرى تشكو الفقر ومنها من يتسول لعله يظفر بخبزة واحدة والأخبار المتداولة والتي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي وصور الفضاء الأزرق مناقضة تماما لما نعيشه في عهد الرفاهية وفي دولة العزّة والكرامة، حينما نسمع ونرى أسر بكاملها في لحظاتها الأخيرة وهي تحتضر تحول إلى المستشفيات لأنها لم تجد ما تأكله إذا لم يجد عليها أهل الكرم بقفة تسد بها رمقها، ولنسأل أنفسنا مرات ومرات هل نحن الأمة الخيرية التي أخرجت للناس وتأمر بالمعروف؟ ولماذا لا نخاف الوعيد وعندنا أية تتلى محفوظة في كتابنا تقول ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) .بل ومن الغرابة ونحن في شهر الصيام نرى في فضلات المنازل أمام البيوت دون حياء وحشمة مكونة من أطباق متنوعة وشهية ،وعائلات تفخر عبر تصوير موائدها وتنشرها في الفيسبوك وهناك من لم يجد حتى الخبز والحليب،والغريب ما نشر أمس من صور يستمتع المسؤولين برؤيتها وبعيدين عن التدخل لإنقاذ حياة مواطن في حالة شدة ،في مشهد مخزي بأكبر أحياء مدينة الجلفة لعائلة بأكملها تقتات من القمامة وفي شهر الرحمة والجود ،وبعدما كان الصائمون يتسابقون فيه على فعل الخيرات،والتراحم والتآخي تراهم هائمين في الأسواق غير مبالين لا بالارتفاع المذهل في الأسعار ولسان حالهم ( كل موجود رخيص) ولا بحال المحتاج ووضع الفقير في المجتمع،وربما لو تتبعنا تلك الصور في مدننا وقرانا وسلطنا عليها الضوء لوصلنا إلى ملايين من الفقراء الذين ليس لهم قوت يومهم معدومي الدخل، ممن ينتظرون المساعدات العاجلة بعيدا عن المعونات المرفقة بصور المسؤولين التي تنقلها القنوات في مشهد يندى له الجبين تحت شعار (دير الخير وتصور معه) دون خجل السيد الوالي والوفد المنافق له ولا حتى حفظ ماء وجه الفقير !

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك