من المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية (الجزء الثالث)

تطور الرقابة الدستورية في الجزائر مع دراسة مقارنة

تُعتبر الرقابة الدستورية أسمى أنواع الرقابات على الإطلاق نظرا لمجالها الخاص والمتعلق بدستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات الصادرة عن السلطة التشريعية أو التنفيذية، وكذا الأحكام القضائية في حالة الدفع بعدم دستورية القانون أو التنظيم المبني عليه الحكم، وكذلك انطلاقا من أن هذه النصوص التشريعية والتنظيمية تُعتبر هي عمادة التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي للدولة، الأمر الذي يتطلب إيجاد هيئة وآلية تقوم بالحرص والسهر على مدى احترام البرلمان والحكومة للدستور عند إعداد القوانين والتنظيمات والمصادقة عليها.

  •  الرقابة الدستورية في دستور 7 مارس 2016  

أدرج دستور 2016 تعديلات جوهرية فيما يخص المجلس الدستوري. أكّد أن المجلس هيئة مستقلة ويتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية. إضافة للمهام التي نصّ عليها الدستور السابق، أضيف للمجلس الدستوري النظر في جوهر الطعون التي يتلقاها حول النتائج المؤقتة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، ويعلن النتائج النهائية لكل العمليات حسب الإجراءات المعمول بها. كما يمكن إخطار المجلس الدستوري بالدفع بعدم الدستورية بناء على إحالة من المحكمة العليا أو مجلس الدولة، عندما يدعي أحد الأطراف في المحاكمة أمام جهة قضائية أنّ الحكم التشريعي الذي يتوقف عليه مآل النزاع ينتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. وقد أحال هذا الأخير إلى القانون لتحديد شروط وكيفيات تطبيق هذه الفقرة بموجب قانون عضوي. وتمّ إصدار القانون العضوي رقم 1816 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018، المُحدد لشروط وكيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية.

عدّل الدستور تشكيلة المجلس الدستوري، وأصبح يتشكل من 12 عضوا بدل تسعة أعضاء، كما كان عليه في الدستور السابق. أربعة أعضاء من بينهم رئيس المجلس ونائبه يعينهم رئيس الجمهورية، واثنان ينتخبهما المجلس الشعبي الوطني واثنان ينتخبهما مجلس الأمة، واثنان تنتخبهما المحكمة العليا واثنان ينتخبهما مجلس الدولة. في حالة تعادل الأصوات بين أعضاء المجلس الدستوري، يكون صوت رئيسه هو المرجح. ويعين رئيس المجلس ونائبه لفترة واحدة مدتها 8 سنوات، ويضطلع أعضاء المجلس بمهامهم مرّة واحدة مدتها ثماني سنوات، ويجدد نصف أعضائه كل أربع سنوات. كما يؤدي أعضاء المجلس الدستوري اليمين أمام رئيس الجمهورية حسب النص التالي: “أقسم بالله العلي العظيم أن أمارس وظائفي بنزاهة وحياد، وأحفظ سرية المداولات وأمتنع عن اتخاذ موقف علني في أي قضية تخضع لاختصاص المجلس الدستوري”.

أدرج الدستور أحكاما جديدة خاصة بالشروط التي يجب أن تتوفر في مرشحي المجلس الدستوري، حيث يجب أن يبلغوا سن الأربعين سنة كاملة يوم تعيينهم أو انتخابهم، وأن يتمتعوا بخبرة مهنية مدتها 15 سنة على الأقل في التعليم العالي في العلوم القانونية أو في القضاء أو في مهنة محام لدى المحكمة العليا أو لدى مجلس الدولة أو في وظيفة عليا في الدولة. ويتمتع رئيس المجلس الدستوري ونائبه وأعضاؤه خلال عهدتهم بالحصانة القضائية في المسائل الجزائية. ولا يمكن أن يكونوا محل متابعة أو توقيف بسبب ارتكاب جناية أو جنحة إلّا بتنازل صريح عن الحصانة من المعني بالأمر أو بترخيص من المجلس الدستوري.

في مجال إخطار المجلس الدستوري، وزيادة على الشخصيات الثلاثة التي أقرّها الدستور السابق، أضاف الدستور الوزير الأول و50 نائبا عن المجلس الشعبي الوطني، و30 عضوا عن مجلس الأمة. ويصدر المجلس قراراه في ظرف 30 يوما من تاريخ الإخطار، وفي حال وجود طارئ، وبطلب من رئيس الجمهورية، يخفض هذا الأجل إلى عشرة أيام. أما في حالة الدفع بعدم الدستورية من قبل المحكمة العليا أو مجلس الدولة، فإن قراره يصدر في غضون أربعة أشهر التي تلي تاريخ الإخطار، ويمكن تمديد هذا الأجل مرة واحدة لمدة أقصاها أربعة أشهر بناء على قرار مسبب من المجلس الدستوري، ويبلغ إلى الجهة القضائية صاحبة الإخطار. ويفقد النص التشريعي أثره إذا قرر المجلس الدستوري عدم دستوريته، وتكون آراء المجلس وقراراته ملزمة لجميع السلطات العمومية والسلطات الإدارية والقضائية.

  • الرقابة الدستورية في دستور أول نوفمبر 2020  

عمل دستور 2020 على تغيير تسمية المجلس الدستوري بالمحكمة الدستورية، وأدخل تعديلات جوهرية في تشكيلتها، حيث حافظ على عدد الأعضاء المقدر بـ 12 عضوا، أربعة منهم يعينهم رئيس الجمهورية من بينهم رئيس المحكمة، ويكون بذلك ألغى منصب نائب الرئيس الذي أقرّه الدستور السابق، وعضو واحد تنتخبه المحكمة العليا من بين أعضائها، وعضو واحد ينتخبه مجلس الدولة من بين أعضائه، وستة أعضاء ينتخبون بالاقتراع العام من بين أساتذة القانون الدستوري وفق شروط وكيفيات يحددها رئيس الجمهورية بمرسوم رئاسي (صدر المرسوم الرئاسي رقم 21304 المؤرخ في 4 أوت 2021، يحدد شروط وكيفيات انتخاب أساتذة القانون الدستوري، أعضاءً في المحكمة الدستورية). يكون الدستور بذلك قد ألغى المناصب المخصصة للبرلمانيين في الغرفتين، كما كان مقررا في الدساتير السابقة، وهي سابقة ليس فقط مقارنة بالدساتير الجزائرية السابقة، ولكن حتى بالمجالس الدستورية العالمية المقارنة، حيث أغلبها تضم في تشكيلتها برلمانيين.

عدّل الدستور أيضا الشروط التي يجب أن تتوفر في أعضاء المحكمة الدستورية، حيث على المرشحين أن يكونوا قد بلغوا سن الخمسين كاملة يوم انتخابهم أو تعيينهم، بدل الأربعين سنة، كما كان في الدستور السابق، وأن يتمتعوا بخبرة في القانون الدستوري لا تقل عن عشرين سنة، بدل التمتع بخبرة مهنية مدتها 15 سنة على الأقل في التعليم العالي في العلوم القانونية أو في القضاء أو في مهنة محام لدى المحكمة العليا أو مجلس الدولة أو في وظيفة عليا في الدولة، وأن يتمتعوا بالحقوق المدنية والسياسية، وألّا يكون محكوما عليهم بسبب جريمة، وأخيرا، عدم الانتماء الحزبي.

أعاد الدستور النظر في مدة تعيين رئيس المحكمة الدستورية، حيث أرجعها عهدة واحدة مدتها ست سنوات بدل ثماني سنوات، كما كان سابقا، ووضع شروطا لرئيس المحكمة شبيهة بشروط المرشح لرئاسة الجمهورية، ماعدا شرط السن الذي هو الخمسين سنة كاملة يوم التعيين. كذلك عدّل مدة مهام باقي الأعضاء التي هي عهدة واحدة مدتها أيضا ست سنوات مع تجديد نصف العدد كل ثلاث سنوات. حافظ الدستور على اليمين، لكن يُؤدى أمام الرئيس الأول للمحكمة العليا بدل رئيس الجمهورية، وأبقى على الحصانة، وأرجى للنظام الداخلي للمحكمة الدستورية إجراءات رفع الحصانة.

في مجال اختصاصات المحكمة الدستورية، أضاف الدستور إمكانية إخطارها بشأن مراقبة دستورية المعاهدات قبل المصادقة عليها، والقوانين قبل إصدارها، كما يمكن إخطارها بشأن مراقبة دستورية التنظيمات خلال شهر من تاريخ نشرها. وتفصل المحكمة أيضا بقرار حول توافق القوانين والتنظيمات مع المعاهدات بعد الإخطار. كما يمكن للجهات المكلفة بالإخطار وهي رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة ورئيس الحكومة أو الوزير الأول حسب الحالة، وأربعون نائبا بدل الخمسين و25 عضوا في مجلس الأمة بدل الثلاثين، أن يخطروا المحكمة الدستورية بشأن الخلافات التي قد تحدث بين السلطات الدستورية، كما يمكن لهذه الجهات إخطار المحكمة حول تفسير حكم أو عدة أحكام دستورية والتي تبدي رأيا بشأنها. كذلك تبدي المحكمة الدستورية رأيها بشأن القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية خلال مدة الحالة الاستثنائية، وتفصل وجوبا في دستورية الأوامر التي يتخذها في مسائل عاجلة، رئيس الجمهورية في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو خلال العطلة البرلمانية. 

أخيرا، أضاف الدستور الحكم التنظيمي إلى جانب الحكم التشريعي في مجال إخطار المحكمة بعدم الدستورية بناء على إحالة من المحكمة العليا أو مجلس الدولة. كما أقرّ أن قرارات المحكمة الدستورية تتخذ بأغلبية أعضائها الحاضرين، وفي حالة تساوي عدد الأصوات يكون صوت الرئيس مرجحا، فيما تتخذ القرارات المتعلقة برقابة القوانين العضوية بالأغلبية المطلقة للأعضاء.

انتهى

ملاحظة: المقالات في أجزائها الثلاثة مقتبسة من كتابي المعنون الثابت والمتغير في الدساتير الجزائرية، الصادر عن دار البلاغة.

    محمد سعيد بوسعدية: باحث حر      

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك