من مدرسة “آث يني” إلى جامعة “السربون”

المسار الدراسي للمفكر الجزائري محمد أركون

تمر اليوم الذكرى الحادية عشرة عن رحيل المفكر الجزائري محمد أركون (19281910) رائد التطبيقات الإسلامية (Islamologie appliquée) وصاحب مصطلحات “الأنسنة” (Humanisme) و”الجهل المؤسس” (Ignorance sacrée)  و”المخيال” (Imaginaire). وبهذه المناسبة، ارتأينا أن نقدم لقراء جريدة الوسط مقالا يحوم حول المسار الدراسي لمحمد أركون، مع ذكر نبذة قصيرة عن الجذور التاريخية لعائلة أركون وكذا ميلاده بقرية “ثوريرث ميمون”.  

 

  1.  الجذور التاريخية لعائلة محمد أركون، الملقبة بأث واعراب

استقينا هذه المعلومة من الملحق الذي أدرجه محمد أركون في كتابه “الأنسنة والإسلام”: مدخل تاريخي نقدي (Humanisme et Islam, combats et propositions). يقول أركون: “أن أصل عائلتي من ضواحي قسنطينة، وقد سمع الأهل يتحدثون عن شخص اسمه “العربي” هرب من نواحي قسنطينة بعد أن قتل سبعة أشخاص. وخوفا من قانون الثأر، هرب إلى عرش “أث يني” وبالضبط إلى قرية “تاوريرت ميمون” طلبا للحماية أو “لعناية” كما تسمى بالقبائلية”. وكان من الطبيعي أن يطلق على الوافد الجديد بالعربي (أعراب بالقبائلية) حتى وإن يحمل اسما آخر، فهو قادم من خارج بلاد القبائل، ومن ثمة فهو عربي بالضرورة، هكذا كان يشتغل المخيال القبائلي إلى زمن غير بعيد. ولا عجب أن تمسي كل ذريته من بعد أبناء العربي أي “أث واعراب”، وهو الاسم التاريخي أو المتعارف عليه لعائلة أركون قبل أن تقوم الإدارة الفرنسية بترسيم الأسماء وفقا للنظام الفرنسي للحالة المدنية.

كما أنه من البديهي أن تحتل عائلة أركون مكانة دنيا في القرية، فهم من أصحاب التحت، “أث وادا” وهذا عكس أشراف القرية الذين هم أصحاب الفوق “أث أوفلا”. وكانت عائلة مولود معمري الأديب المشهور صاحب “الربوة المنسية” من أصحاب “الفوق”، وكان أبوه “دا سالم” أمين القرية أو رئيس “تجمعت” أو العقال. إن عقدة الانتماء إلى “أث واعراب” و”أصحاب التحت” دفعت أركون نفسيا ولاشعوريا إلى الخروج من هذه القوقعة الضيقة إلى فضاء أوسع هو فضاء محور طنجة-جاكرتا، وذلك بالاشتغال على نقد العقل الإسلامي، بل تعداه إلى المحور الإنساني عندما نادى بتوحيد الأديان السماوية الإبراهيمية ( كتاب: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية).

 

  1. : عندما يسمى أركون باسم النبي العربي

في قرية توريرث ميمون وفي بيت ذي طراز قبائلي، ولد محمد أركون في فصل الشتاء يوم أول فيفري من سنة 1928، أي سنة قبل أن تعصف الأزمة الاقتصادية بالعالم الرأسمالي. أركون أول مولود من بين سبعة إخوة (ثلاثة ذكور وأربع إناث)، ومن الطبيعي أن تلجأ العائلة إلى تسميته باسم نبي الإسلام. كانت ولا تزال عادة أغلب سكان القبائل على غرار المناطق الأخرى أن تسمي كبير الإخوة بكنية محمد، وقد تلجأ بعض العائلات إلى إضافة كنية لاسم محمد حتى لا تلتقي نفس الأسماء في نفس العائلة، وهذا سر وجود أسماء محمد أمقران أو الكبير ومحمد أمزيان أو الصغير ومحمد سعيد ومحمد طيب ومحمد العربي…، (Les vies de Mohamed Arkoun de Sylvie Arkoun)؛ وقد سببت له هذه الكنية في الغرب المسيحي الريبة والشك من أفكاره، وقد قالها مرارا في كتبه ومحاضراته، فبمجرد نقد أفكار المستشرقين وغلاة العلمانية حتى يهاجم انطلاقا من كنيته، وكأني بهم يقولون له، عادي أن تدافع عن الإسلام يا أركون، إنك تحمل اسم نبيكم.

  1.  محمد أركون الطفل: من التعاليم الدينية إلى التعاليم الدنيوية، ومن اللغة الشفهية إلى اللغة العالمة

ترعرع أركون في حضن بيت أمازيغي، وكانت القبائلية لغته الأم الشفهية. وعلى غرار باقي القرى والمداشر الجزائرية، التحق أركون الطفل قبل الفصل الابتدائي ، بالمدرسة القرآنية التي كانت تابعة لخاله (أخ أمه) المسمى العربي مقداد. وهناك اكتشف الطفل أركون لغة جديدة لا يتقنها ولا يتكلمها الجميع لا داخل البيت ولا بالقرية خارج الدار. إنها أول لغة عالمة يتحصل عليها محمد أركون حفظا وكتابة عن طريق الأدوات التقليدية من لوحة وريشة (قلم خشبي) ومداد وصمغ. لم يغادر أركون المدرسة القرآنية حتى ختم كل الكتاب حفظا على يدي الحفاظ سيدي حسن وحميمي لعراس. ذاك ما أكده المفكر في كتابه “التشكيل البشري للإسلام” (La construction humaine de l’Islam).

“أيث يني” دوار في أعالي جبال جرجرة، أراضيه الوعرة لم تجلب إليه لا المعمرين لنزع أراضي الأهالي ولا الإدارة الفرنسية لنزع الضرائب. كانت القرى تُسيّر من قبل “تجماعت” أو جماعة العقال على رأسها أمين القرية (لكبير أنثذارث). هذا الفراغ استغله آباء البيض لنشر التعاليم المسيحية بالمنطقة، فأسسوا مستوصفا ومدرسة ابتدائية بتوريث ميمون وتكميلية بأيث الأربعاء. التحق أركون الطفل بالمدرسة الابتدائية، ليكتشف لغة ثالثة في حياته اللغوية ولغة ثانية في حياته الدراسية، ليواصل تعليمه بالتكميلية التي كانت تبعد عن بيت العائلة بـ 5 كلم. هنا اكتشف الطفل تعاليم دينية مغايرة لما يتلقاه بالمدرسة القرآنية، إنها التعاليم المسيحية التي تدور حول الأب والابن وروح القدس. اكتشف أركون كذلك اللغة اللاتينية التي كان يُدرِّسها “الأب هنري” وهي رابع لغة له وثالث لغة عالمة. كان منافس أركون في الدراسة يسمى “إسماعيل المسيحي” الذي كان بارعا في الرياضيات، بينما كان أركون يعشق التاريخ واللغات. إسماعيل المسيحي هو إسماعيل محروق الذي أصبح بعد الاستقلال وزيرا للمالية في حكومة الرئيس هواري بومدين.     

  1.  محمد أركون يغادر “بلاد “القبايل” إلى “بلاد العرب”

كان سكان منطقة القبائل وإلى عهد غير بعيد يفرقون بين ثلاث مناطق في مخيالهم الجغرافي: بلاد القبايل “ثمورث لقبايل” وبلاد الشاوية “ثمورث إيشاوين” وبلاد العرب “ثمورث واعرابن” وهي كل المنطقة التي لا تتكلم القبائلية والشاوية. أركون غادر بلاد القبايل في سن العاشرة متجها إلى بلاد العرب بغرب الجزائر وبالذات بمدينة عين الأربعاء بولاية عين تموشنت حيث كان أبوه يملك متجرا للمواد الغذائية، وكان هدف الأب تلقين ابنه التجارة حتى يعوضه مستقبلا. وقد استقر الطفل مع أبيه لمدة سنتين حيث واصل تعليمه الابتدائي القسم الخامس والسادس بالمدينة، قبل أن يرجع إلى قرية أيث الأربعاء ليواصل تعليمه التكميلي، لكن في عطلة الصيف كان يلتحق بتجارة أبيه. بمدينة عين الأربعاء اكتشف أركون أن هناك لغة أخرى هي خليط بين العربية والبربرية والتركية والفرنسية والاسبانية، إنها اللغة الدارجة التي يتكلمها سكان الغرب الجزائري.

وجود الأب بهذه المنطقة سهلت لأركون الالتحاق بثانوية “لامورسيير” بوهران والتي أصبحت بعد الاستقلال تسمى “باستور”. كان أركون بقسم الآداب والفلسفة وكان بارعا في كل المواد، وكانت اللغة العربية تدرس كمادة أساسية أيضا. يقول أركون: “كنا ستة جزائريين فقط، وكنا بالنظام الداخلي، وقرر المقتصد أن يخصص لنا طاولة خاصة بالمطعم حتى لا نختلط مع أبناء المعمرين”، وقد أثرت هذه الحادثة في أركون إذ ذكرها مرارا في حياته الفكرية. 

يقول أركون تعرفت على صديق يهودي يقطن بنفس المدينة وهو “بن حمو ميشال”، يتذكر أركون أنه حاول رفقة صديقه اليهودي الدخول إلى المعبد قصد اكتشافه، لكن الحارس تفطن ومنعه، يقول المفكر: “رحت أتساءل، ما الفرق بين المسيحية واليهودية، لماذا الآباء البيض يعملون كل ما في وسعهم لكي نمسي منهم، بينما هؤلاء يحرمونك حتى من زيارة معبدهم؟”، طبعا الجواب وجده محمد أركون في حياته الجامعية.

  1.  محمد أركون من الثانوية إلى الجامعة

تقول الإحصائيات الفرنسية أنه في سنة 1936، فقط 2.7 بالمائة من الأطفال الفرنسيين المتمدرسين تحصلوا على البكالوريا، لذلك فالجزائريون الذين وصلوا إلى التعليم الثانوي وتحصلوا على البكالوريا كانوا يعتدون على الأصابع. أركون كان من بين هؤلاء، فبعد حصوله على البكالوريا بدرجة مشرف، التحق بجامعة الجزائر، الجامعة الوحيدة التي بنتها فرنسا الاستعمارية بالجزائر. سجل أركون بمعهد الدراسات الشرقية لتحضير شهادة ليسانس في الدراسات العربية والإسلامية ثم واصل تحضير “ميتريز” (Diplôme de maitrise) ووقع اختياره على عميد الأدب العربي طه حسين لتحضير مذكرته حول “الجوانب الإصلاحية في فكر طه حسين” (L’aspect réformiste de l’œuvre de Taha Hussein).

لم يرق هذا الاختيار لمسؤول المعهد الأستاذ “هنري بيراز” الذي هدده بفيتو في حالة ترشحه لمواصلة الدراسات العليا. يقول أركون: “كان جل الأساتذة بالجامعة من التيار الإيديولوجي الكولونيالي، كان “بيراز” يقول: “أن العربية ليس لغة ثقافة وأن التاريخ الإسلامي فارغ في الأحداث الفكرية والأدبية”، يواصل أركون ويقول: “كنت أشعر أن الأساتذة يهاجمونني بهذه المسلمات، وكانوا ينظرون إليّ بعين الريبة عندما أحاول نقاشهم ومعارضة أفكارهم، أو طرح أسئلة لا تليق بنهجهم المحافظ”.

أركون لم يجد ضالته بالجامعة، لذلك طلب من مسؤول المدرسة الأصلية بالعاصمة السيد ابن زكري الحضور بأقسامه المختلفة، يقول أركون: “كان التدريس باللغة العربية واستفدت كثيرا من الدروس المختلفة، حتى وإن كانت تقليدية، لكنني اكتشفت الفكر الإسلامي وعلم الكلام وأصول الدين والفقه وهذا فتح لي أبوابا في دراساتي العليا بالسربون. بالموازاة كان أركون يدرس اللغة العربية بثانوية الحراش، يقول أركون: “أغلبية التلاميذ أبناء المعمرين كانوا لا يفقهون شيئا مما أقول، إلا ثلاثة جزائريين الذين كانوا بارعين في اللغة العربية”.

  1.  أركون يراسل المستشرق “لويس ماسنيون”

يقول أركون: “بما أنني كنت منشغلا منذ زمن طويل بتساؤلات تخص مسار الفكر العربي الإسلامي، وبما أن طه حسين نبهني في نقده للمؤسسات التعليمية التقليدية الإسلامية كالأزهر والزيتونة، خطر على بالي الاتجاه إلى أحد المؤسستين. وكنت أعتقد أن أساتذة باريس المختصون في الفكر العربي الإسلامي هم وحدهم القادرون على إشباع عطشي المعرفي، فخطر إذن على بالي أن أتوجه مباشرة إلى “لويس ماسنيون”، طالبا النصيحة والعون.

يواصل أركون: “لكن بما أن تجربتي مع الأساتذة الفرنسيين بالجزائر خيبت أملي بسبب تعجرفهم ونزعاتهم الاستعلائية الأكاديمية، لم أتجرأ كطالب نكرة مجهول على الكتابة إلى أستاذ كبير في “الكوليج دي فرانس” (Collège de France) الذي هو أعلى من السربون، فمن أنا حتى أتوجه بالخطاب إلى ماسنيون؟ وهل سيرد علي أصلا ؟ ولم أتجرأ على فعل ذلك إلا بفضل تشجيع الصديق لويس غاردي”. لم يكتف لويس ماسنيون الشيخ الرائع كما يلقبه جاك بيرك، بالرد على أركون، وإنما راح يرفع من شأنه عن طريق مخاطبته، “زميلي العزيز” ، ولم يكن أركون آنذاك إلا طالبا شابا بسيطا. كان ماسنيون من المثقفين الفرنسيين الذين حاربوا السياسة الكولونيالية ودافعوا عن استقلال الجزائر على شاكلة جان بول سارتر وبول ريكور وهنري مارو وأندريه ماندوز.

استقبل ماسنيون أركون ببيته الباريسي، واقترح عليه الاشتغال في تحضير الدكتوراه حول الإسلام الاتنولوجي السوسيولوجي، وبالفعل سجل أركون أطروحة دكتوراه دولة سنة 1957، تحت اشراف جاك بيرك وكان الموضوع حول “الممارسة الدينية في منطقة القبائل الكبرى بالجزائر”، لكن تعذر على أركون تحقيقها بسبب الحرب التحريرية، فأتجه أركون إلى موضوع نظري، يتعلق بالفكر العربي الإسلامي. 

  1.  محمد أركون يلتحق بالسربون

وقع اختيار أركون على فكر “أحمد بن محمد مسكويه”، وكان النظام الدراسي لتحضير الدكتوراه يعتمد آنذاك على عمل رئيسي وآخر ثانوي، لذلك اعتمد أركون في عمله الثانوي على ترجمة كتاب مسكويه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”، كما قدّم  وعلق عليه حسب متطلبات النظام الدراسي، وقد ترجمه إلى (Traité d’étique) وكان ذلك في سنة 1961 ونشره بدمشق من بعد، وهذا دليل على تمكن أركون من اللغة العربية في عصرها الذهبي. أما العمل الرئيسي فتمثل في الأطروحة حول مسكويه، وكان العنوان الكامل هو “النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهـجري العاشر ميلادي، مسكويه فيلسوفا ومؤرخا”، فيما ترجمه هاشم صالح بـ “نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي”. 

  محمد سعيد بوسعدية: باحث حر      

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك