من يحقق أمنيتك أبا عبد الله؟

آن للفارس أن يترجل

 بقلم: خالد صادق

 

كانت عيوننا ترنو الى هناك حيث كان يرقد عاشق القدس ورائد المقاومة وفارس الكلمة رجل المواقف الصعبة الدكتور رمضان عبدالله شلح (أبو عبد الله), ترجل الفارس وارتقى إلى جوار ربه بعد رحلة طويلة من البذل والعطاء لا حدود لها, عرفته رحمه الله منذ كان يكتب زاوية مرايا في صحيفة الاستقلال تحت اسم «محمد الفاتح» كان يراجع معنا كل كلمة فيها لأن كل كلمة يكتبها لها معني وهو يدرك امانة الكلمة وصدقيتها وكان يردد على مسامعنا قوله تعالى « ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها .. الآية» نعم فما زالت كلماتك أبا عبد الله تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها, ننهل من نبعها العذب, ونستمد من وحيها كل معاني الحياة الحرة والكريمة والعزيزة,  نعم فجعنا بموتك لكننا لن نذرف الدموع حزنا على رحيلك, لأنك بفكرك وأثرك ما تزال حاضرا بيننا, وقد أورثت ثقافة المقاومة لمن خلفك وحمل الراية من بعدك القائد الكبير زياد النخالة أبو طارق ليكمل بنا المسير ويمضي على نفس الدرب والنهج, وتعلو الراية فالقائد يخلفه ألف قائد, وفلسطين منبع القادة الوطنيين الاحرار والثوار الذين لا يتوقف عطاؤهم عند حدود, امضِ ايها الفارس حيث شئت وحيث ما شاء الله لك, فان الركب يلتحق بأثرك والمسيرة ممتدة لا تتوقف أبدا ولا يعيقها جور جائر ولو تخلى عنا الجميع فأنت دليلنا الى النصر.  

لقد كنت عنوانا لكل من عرفك أيها الأمين وقد لقبك إخوانك وزملاؤك بعاشق القدس, فقد كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بالقدس والمسجد الأقصى كيف لا وأنت الداعية الاسلامي خطيب المساجد الثائر المفوه, كنت دوما تقف على عتبات المسجد الأقصى خطيبا في الجمعة الاخيرة من شهر رمضان برفقة الدكتور المؤسس والمعلم فتحي الشقاقي وقادة آخرين تلقي الخطب الدينية الثورية وتشحذ الهمم, وتحرض على الاحتلال, وتضبط مؤشر البوصلة دائما نحو القدس برمزيتها المسجد الأقصى المبارك الذي كنت تعشقه وترتحل اليه لتلبي نداء الواجب رغم الأخطار كان الدكتور رمضان يعالج الانتكاسات السياسية التي اصابت البعض بفعل اتفاقية اوسلو المشؤومة بمنطق المقنع بالنصيحة كان يناقش ويبدي المواقف السياسية لحركته بوعي كبير, وكان يتجنب رحمه الله المعارك الهامشية ويركز صراعه مع العدو الصهيوني, كان يردد دائما فلنعمل فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه, وان البوصلة التي لا تشير الى القدس هى بوصلة مشبوهة, فكل المعارك مؤجلة, ومعركتنا الحقيقية مع «اسرائيل» التي تحتل أرضنا ومقدساتنا وتستبيح دمائنا وأعراضنا, لقد كان يمتلك من الوعي والحكمة ما كان يحصن حركته من حرف البوصلة عن فلسطين القضية المركزية للأمة ويجنبها تشتيت جهدها والانشغال بمعارك خاسرة لا تعود على شعبنا وقضيتنا بالنفع.

أه يا دمشق كم تحتضنين في ثراك الطاهرة من قادتنا ومجاهدينا الأبطال, بالأمس احتضن ثراك الطاهر جسد الامين العام المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله, واليوم يحتضن ثراك الطاهر قائدا ومجاهدا عظيما آخر هو الدكتور رمضان عبد الله شلح هذا المجاهد الذي كان يتوق الى زيارة وطنه فلسطين وهو حي, لكن الصهاينة حرموه من أمنيته فأراد أن يدفن في ثراها وهو ميت, كأن دمشق رسمت خطها مع فلسطين بأشلاء الشهداء لتدل على ان كل البقاع العربية واحدة, وحدة الارض والجغرافيا والتاريخ والحضارة, ألم يحرر صلاح الدين دمشق ويحرر القدس, ألم يقاتل الشيخ عز الدين القسام الاستعمار البريطاني في سوريا, ويقاتل في جنين وأحراش يعبد بفلسطين, ألم يقاتل سليمان الحلبي الاستعمار البريطاني في سوريا ويقتل القائد الفرنسي كليبر الذي كان يغزو بحملته العسكرية أرض مصر, ألم يلق قائد الحملة الفرنسية نابليون بونابرت قبعته من فوق أسوار عكا ليعلن فشل حملته في المنطقة العربية, ويغتال حلم الفرنسيين إلى الأبد أنها رحلة متواصلة وممتدة عبر التاريخ لن تنتهي, فأينما سجي جسدك الطاهر ابا عبد الله فانه يعيدك الينا فتسكن قلوبنا, ألم تعلمنا ان محور دمشق القدس, ومحور بغداد القدس, ومحور القاهرة القدس, ومحور بيروت القدس, وكأنك كنت تعلم أنك ستعيش غربة روحك وجسدك خارج أسوار القدس, أنك لن تفارقنا لأنك ما زلت حيا فينا.

ما زلت اذكر مراياك عندما رثيت الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي فقلت.. «سألتني خولة .. وين بابا يا عمو.. فمن يجيب خولة عن سؤالها»  وكان هذا اقصر نص للمرايا لأنه أبلغ من كل الكلام, واليوم ونحن نرثيك نقول «لقد أوصيتنا أيها القائد بفلسطين والقدس وبالمقاومة والمجاهدين الأطهار فمن يستجيب لوصاياك؟!».

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك