موازنة أدبية: بين روايتي (عندما تزهر البنادق – دير ياسين) لبديعة النعيمي و ( يس ) لأحمد أبو سليم

 

عندما ينحرف الإبداع و يتحوّل إلى سرقة أدبية فاضحة و سطو و انتحال مع سبق الترصّد. قراءة بين روايتي (عندما تزهر البنادق – دير ياسين) لبديعة النعيمي و ( يس ) لأحمد أبو سليم .

 

ظاهرة السرقات الأدبية ، أو ما أطلق عليه النقاد المعاصرون ، من باب التهذيب اللفظي للظاهرة ، التناص ، قديمة ، منذ العصر ما قبل الإسلام . نظرا لاعتماد الشعراء على الرواية الشفهية ، و انعدام ظاهرة التدوين ، إلا ما كُتب و رُسم على الحجارة الملساء أو العظام المسطّحة أو القراطيس الجلدية أو ورق البردي في منطقة النيل ، و غيرها من الكتابات المسمارية و الطينيّة و النقشيّة على الصخور البركانية .

 

غير أنّ بعض الكتاب و الشعراء ، في بلاد الشرق و الغرب ، وقعوا تحت سطوة الإعجاب و التأثر الشديد بأدباء سابقين لهم في الزمان ، بعدين عنهم في المكان، رغم اختلاف الجنس و اللغة و الملّة . فقد تأثر الشاعر الإيطالي دانتي ، في الكوميديا الإلهية ، برسالة الغفران لشاعر الفلاسفة ، و فيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري . كما تأثر الشاعر الفرنسي لامارتين في قصيدته ( بحيرة الزيتون ) بالشاعر الفذ و شاعر الحكمة ، أبو الطيب المتنبي في قصيدة في وصف ( بحيرة طبريّة ) .

 

إذن ، نحن أمام ظاهرة قديمة في الأدب العربي و الأدب العالمي على السواء . لكن هناك كتاب و أدباء يلجأون ، خفية ، إلى عملية السطو على إبداعات غيرهم دون ورع أخلاقي أو رادع ضميريّ . إنّني، و إذ أثير هذه الجائحة الأدبية في أدبنا المعاصر ، لا أعني التشارك في طرق المعاني و الأفكار ، لأن هذه الأخيرة ، كما يقول الجاحظ ، “مطروحة في الطريق ، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ “. و إنّها أتكلّم على أسلوب الطرح و المعالجة .

 

نحن أمام مصنفين أدبيين ، وهما روايتان ، الأولى للروائية الأردنية ذات الروح الفلسطينية ” عندما تزهر البنادق ” ، بديعة النعيمي ، و الثانية ” يس ” ، للكاتب الفلسطيني أحمد أبو سليم . و بين الروايتين فارق زمني من حيث الإصدار . فقد صدرت رواية ( عندما تزهر البنادق – دير ياسين ) للرواية بديعة النعيمي ، عن دار فضاءات للنشر و التوزيع بالأردن ، سنة 2020 م و كانت قد أنهت كتابتها في 29 / 09 / 2019 ، كم هو مدوّن في نهاية الرواية . بينا صدرت رواية ( يس ) للروائي الفلسطيني ، أحمد أبو سليم عن الاتحاد ، للكتاب و الأدباء الفلسطينيين – الأمانة العامة ، بدعم من الثقافة – بيت لحم ، سنة 2021 م . من خلال قراءتي للروايتين ، وجدت تشابها عجيبا بين بعض المقاطع ، الواردة فيهما . بالإضافة إلى تناولهما – تحت عنوان متماثل – موضوعا واحدا ، و مجزرة و مذبحة دير ياسين ، التي اقترفتها العصابات الصهيونية في نيسان سنة 1948 م . فقد ظهرت في رواية ( يس ) للأديب الفلسطيني أحمد أبو سليم ، الكثير من المقاطع السرديّة المشابهة لمثيلتها في رواية ( عندما تزهر البنادق – دير ياسين ) للأديبة الأردنية بديعة النعيمي . مع العلم أنّ رواية ( عندما تزهر البنادق – دير ياسين ) هي السابقة زمنيّا كتابة و طباعة بنحو سنة أو أكثر . و هو لعمري لا يتعلق الأمر بتوارد خواطر ، و لا هو ضرب من ضروب التناص ، أو التأثر الشديد ، أو الاقتباس ، و إنّما تفسيره ، لا يعدو كونه سرقة أدبية ، مع سبق الإصرار و الترصد ، و سطو أدبي ، بعيد عن اللياقة الأدبية ، و خارج عن دائرة التناص .

 

في الفصل الأول المعنون بالمجزرة ، و في الصفحة الأولى استهل أحمد أبو سليم روايته بقوله : ” هل يمكن للذاكرة أن تصاب بالصدأ ، و تهترئ ؟ ” ص 9 . مأخوذ و محوّر من المقطع ” النصف الأول من ذاكرتي صدئ ، صدئ جدا ، يا دكتور ، لقد صدئت ” ص 74 من رواية ( عندما تزهر البنادق ) لبديعة النعيمي . و أيضا ورد في رواية ( يس ) قول أحمد أبو سليم : ” كانت معلقة هناك ، على جدران الذاكرة لا تبرحها أبدا ” ص 9 ، و هي عبارة مأخوذة من العتبة التالية ، مع تصرّف فيها ، بأسلوب منسلخ : ” كم من السنين ستصمد صورة قريتنا و هي معلّقة على جدران الذاكرة دون أن تسقط ” ص 115 .

 

فالقارئ للروايتين ، يكتشف ذلك التشابه العجيب و الغريب بين بعض المقاطع السردية . و هي – لعمري – ليست ناتجة عن توارد خواطر ، و هي ليست من جنس التأثر و التأثير ، و لا من التناص في شيء . بل هي باختصار ووضوح ، سطو أدبي بأسلوب غير أدبي ، و سرقة مدبّرة بليل . و بما أن رواية ” عندما تزهر البنادق ” للروائية الأردنية بديعة النعيمي ، هي الأسبق صدورا 2020 م ، و رواية ” يس ” للروائي الفلسطيني أحمد أبو سليم . هي اللاحقة صدورا 2021 م ، فإن ظاهرة السرقة الأدبية لا لبس فيها . و قد تلك السرقة الأدبية المشينة في الفصول الخامسة من رواية ” يس ” للروائي الفلسطيني أحمد أبو سليم ؛ ففي الفصل الأول ، المعنون ب ( المجزرة ) ، ظهرت في الصفحات التالية : ( 9- 10 – 11 – 13 – 14 – 19 – 25 – 30 – 34 – 37 – 39 – 40 – 43 – 44 – 48 – 54 – 57 – 59 – 60 – 61 – 67 – 71 . ) ، أمّا في الفصل الثاني ، الموسوم بعنوان ( المخيّم ) ، فقد وردت تلك السرقة الأدبية في الصفحات التالية : ( 80 – 83 – 87 – 102 – 104 – 108 . ) . كما ظهرت تلك السرقة الأدبيّة أيضا في الفصل الثالث المعنون بـ ( السجن ) ، و في الصفحات الآتية : ( 142 – 147 – 165 – 171 . ) و أيضا في الفصلين الرابع المعنون بـ ( الخال ) و في الصفحات التالية : ( 180 – 182 – 183 – 184 – 185 – 186 – 188 – 189 – 195 – 196 – 198 – 199 – 204 – 205 – 214 – 215 – 216 – 217 – 218 . ) . و لم يخل الفصل الخامس و الأخير ، المعنون بـ ( الصورة ) من السرقة الأدبية ، حيث ظهرت في الصفحات : ( 235 – 237 – 238 – 242 ) .

 

و إذا كانت المحاكاة سلوكا أدبيا جائزا في العرف الأدبي و الفنّي ، بل و في جميع النشاطات و السلوكات إلى درجة التقليد ، كما هي عند الإنسان و الحيوان ، فلا يمكن قبولها ، عندما تتحوّل إلى سطو فاضح ، أو انتحال لأفكار الغير و إبداعاتهم ، دون تحديد المصدر أو المرجع ، أو الإشارة إليه تلميحا أو تصريحا .

 

و أنا هنا – و أعوذ من الأنا – لست قاضيا ، أقيم محكمة لإعدام عمل ، و إحياء عمل آخر على حسابه ، بعيدا عن العدالة و القسطاس و روحهما .

 

إنّما الأمر متعلّق بمحاولة الحدّ من ظاهرتي السرقة الأدبية و العلمية اللتين شاعتا في هذا العصر ، بسبب تطوّر تكنولوجيا النتّ و سرعة الاتّصال و التواصل . فقد أضحى العالم قرية صغيرة في عالم التواصل الإلكتروني. إنّ الناقد – كما صوّره ميخائيل نعيمة في كتابه ( الغربال ) – حين يبدي آراءه السلبية حول عمل أدبيّ ما ، ” لا يقصد أنّ يشوّه سمعته ” . و يقول أيضا : ” عليهم أن يعلموا أنّ عمل الناقد لا يقتصر على تقويم الآثار والتعريف بمحاسنها ومساوئها فحسب ؛ بل عمله يشبه عمل الصائغ الّذي ينظر الى قطع من المعادن ويفصل بعضها عن بعض ، فيسمي واحدة منها الذهب والأخرى شبهه وعند ذلك تحلّ الواحدة مكان الأخرى . هذا ما يفعله الناقد. زد على ذلك أنه ليس مقوّم فحسب ، بل هو مبدع و مولّد و مرشد ” .

 

بقلم: الروائي والناقد الجزائري علي فضيل العربي

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك