موناليزات الجزائر.. ” رمزية المرأة الجزائرية في لوحات الرسام الأمريكي فريدريك أرثر بريدجمان “

ليليا عثمان الطيب

يقول أندري مارشان : ” لقد أحسست عدة مرات، وأنا في الغابة بأني لم أكن أنا الذي ينظر إلى الغابة.. أحسست في بعض الأيام أن الأشجار هي التي تنظر إلي، وهي التي تكلمني، وإني كنت هناك أسمع..وأعتقد أن المصور ينبغي أن يخترقه العالم لا أن يريد اختراق العالم ” .

إن هذا الاحساس الذي يتحدث عنه مارشان هو روح الفن، وجوهر الجمال حيث تدغدغ الأشياء أو الأشخاص عاطفة وفكر الفنان لولوج عوالمها، لقد أبهرت الجزائر الرسام المستشرق الأمريكي فريديريك أرثر بريدجمان ( frederick arthur bridgman  ) 1847 ـ 1928 منذ رحلته الأولى إلى شمال إفريقيا سنة 1872 ، وقد استعان بالمرشد بلقاسم الذي فتح له أبواب المساكن الجزائرية ليكتشف الفنان الحياة اليومية للجزائريين ويصفها قائلا : ” هنا لدينا كل مزايا الحضارة مع مايكفي من الصور لأشخاص بغرض رسمهم “، وفي حديثنا عن لوحاته يجد الناظر إليها متعة بصرية لا تقاوم من حيث جمال المناظر الطبيعية وهندسة المعمار وجمال الأشخاص بالإضافة إلى الألوان الدافئة و ألفة المكان .

لطالما كانت المرأة ملهمة الفنانين، لكن المرأة في لوحات بريدجمان لا يقتصر حضورها وجمالها على شيء واحد فقط كابتسامتها أو نظرتها أو لباسها بل هي رمز ثقافي في حد ذاته، وامتداد لجمال أعلى شأنا وفتنة ألا وهو جمال الوطن الذي تنتمي إليه هذه المرأة الجزائرية، فيصورها الرسام بريدجمان كبورتريه تارة حاملة للزهور أو جالسة بجانب الغزال أو حاملة لألة العود أو عازفة عليه، والشيء المشترك في هذه اللوحات هو حرصه على تصوير المرأة بالزي التقليدي الجزائري بمختلف أشكاله مراعيا في ذلك جمالية اللباس في احتشامه وأناقته، حيث أراد بريدجمان أن يعبر عن جمال الجزائر بجمال نسائها، ورخاء البلد وحضارتها وإزدهارها الثقافي ظاهر على وجوه الجزائريات، ومن بين أشهر لوحاته الراسخة في أذهان الكثيرين من المتذوقين للفن هي لوحته الشهيرة المسماة امرأة قبائلية  Kybelian woman  التي تظهر فيها المرأة الجزائرية القبائلية كبورتريه ثقافي زاخر بالدلالات ابتداءا من ملامح الوجه الطافحة بالعفة وقوة الشخصية والأنوثة بنظرة ثاقبة تنم على رزانة صاحبتها، وأيضا اللباس التقليدي القبائلي الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من تراث الجزائر متزينة بالحلي الفضية المميزة ، هذه اللوحة على بساطتها تنم على إتقان بريدجمان لفنه، ويبعد تصور الناظر  إلى رؤية المرأة كسكوبوفيليا مصنمة بمعنى أنها كائن باعث ومحرك للغرائز من خلال النظر إلى مفاتن الجسد بل العكس صحيح، فجمال المرأة في هذه اللوحات يكمن في تمسكها بهويتها وأصالتها ليشعر الناظر بنوع من الأنس والألفة لأن المرأة يظهر عليها الارتياح وهي بأتم أناقتها المستمدة من جمال بيئتها .

إن اللوحة الفنية هي في الحقيقة صورة ثابتة جامدة، لكن رسومات بريدجمان تظهر كوجوه ناطقة ففي لوحته على السطح أو على الشرفة يصور فيها امرأة عاصمية مرتدية الزي العاصمي التقليدي الفاتن ويظهر معها جزءا من نبض المكان فتبدو المرأة واقفة على السطح و تنظر إلى الرسام نظرة واثقة وبجانبها ألة العود ليبرز أن المرأة الجزائرية هي امرأة مقبلة على الحياة بألوان لباسها الزاهية المعبرة عن حضارة وثقافة البيئة التي تنتمي إليها، وتزيد ألة العود جمالا إلى اللوحة لتعبر عن روح وذوق هذه المرأة فهي ليست مجرد ديكور جانبي يزين المكان، إنما عبارة عن كيان ورمز يحتوي جوهر المرأة الجزائرية ويعبر عن شغفها بالفن وتحديدا الموسيقى .

لقد أتقن بريدجمان تصوير مزايا الحضارة كما سماها وتجسيدها في ملامح النساء الجزائريات ولباسهن، و أرفق الزهور والمكان والغزال وألة العود كقرائن دالة على روحهن الجميلة والنبيلة ، ونظراتهن الثاقبة معبرة عن ذكائهن، لذلك ماهو فريد في هذه اللوحات بوجه عام وبالنظر إلى صورة المرأة في الفن التشكيلي العالمي هو التركيز على اللباس التقليدي المتميز بكمالياته التي تجعل الناظر يتساءل عن هوية وانتماء هؤلاء النسوة بدل حصر نظره في مفاتن الجسد، ويتساءل أيضا عن دقة التصميم في الخياطة وماهي في الأصل إلا إمتداد لجمالية هندسة المعمار وقتها .

 

هكذا نجد أن رمزية المرأة الجزائرية في الفن ككل نابع من التاريخ الحافل بالأحداث للجزائر منذ القدم ولحد الآن، فالمرأة هي قلب المجتمع النابض لا يمكن حصرها في دالة اجتماعية واحدة بل هي جزء من حلقة ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية محركة لأحداث البلد، ومعبرة عن أصالته وإنجازاته ولو كان ذلك في أبسط صورة لها ألا وهي اللباس التقليدي وحركتها اليومية في المنزل .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك