نخبة الحملة الانتخابية، بن قرينة نموذجا

مفارقات

بقلم احسن خلاص

 

ليست الحملات الانتخابية بالنسبة للحركية السياسية مجرد فرصة لعرض البرامج والوجوه وملأ الساحة بالوعود إنما تتعدى ذلك لأن تكون فضاء لطرح النقاش في القضايا الكبرى التي تهم البلد في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي هي ميادين طبيعية للاختلاف وتباين وجهات النظر والمقاربات. ولكن وفوق هذا كله يكون هذا النقاش فرصة للاقتراب من الوجوه البارزة التي تتولى تنشيط الحياة السياسية في تلك اللحظة المفصلية التي تشد الانتباه كما هو حال الحملات الانتخابية. 

 

بعد انطلاق حراك 22 فبراير صار المجتمع ينتظر بروز وجوه سياسية كانت قد بدأت تشكل رصيدها النضالي في فترة مغالبة نظام بوتفليقة في ما يعرف على الساحة الإعلامية بالنشطاء السياسيين والحقوقيين الذين أبلوا البلاء الحسن، خلال فترة الرئيس السابق، في مواجهة قضايا استغلال الغاز الصخري وأحداث منطقة غرداية ومواجهة إلغاء تحديد العهدات الرئاسية عام 2008 والعهدة الرابعة عام 2014 إلى جانب الأدوار المركزية التي لعبتها في صنع محتويات حراك 22 فبراير.

 

لقد حاول بعض النخب التي انبثقت من الحركية الجديدة أن تنطلق في مسارات تأسيسية للعمل السياسي تحت الأطر التي توفرها القوانين لكنها وجدت نفسها بين حاجزين وكأنهما عقدا حلفا موضوعيا لإجهاض مثل هذه المساعي التي كان يمكنها أن تنتج جيلا جديدا من النخب السياسية التي قد تحدث القطيعة مع المشهد السياسي المألوف من عقود من الزمن. كان الحاجز الأول هو السلطات التي لم تتوفر لديها إرادة إبراز هذه النخب فوضعت المتاريس الإدارية أمام عقد لقاءاتها واستيفاء شروط انتقالها من الشارع إلى النشاط المؤسساتي المعتمد. لكن الحاجز الأكبر ظهر لدى ناشطين آخرين اعتبروا أي محاولة تأسيس تنظيمات رسمية خروجا عن نص وروح الحراك باعتبار أن هذا الأخير حركة شاملة جامعة تعمل من أجل التغيير الجذري للنظام بدل الاندماج ضمن أطره المؤسساتية وهو التيار الذي وقف بشدة ضد أي محاولة لتأطير الحراك وتنظيمه خشية أن تعمل السلطة على استغلاله بسهولة أكبر.

 

هذه العوامل وغيرها دفعت إلى تأجيل بروز الجيل الجديد من النخب السياسية. غير أن السنوات القليلة المقبلة قد تكون فرصة لتطور نوعي في هذا المجال إذ ينتظر أن نكون أمام نوعين من النخب قد يدخلان في علاقة تكامل أو صراع، نخب جديدة سيمكن لها حضورها في البرلمان من البروز والتسابق نحو تنشيط المرحلة المقبلة ونخبة أخرى لم تشارك في الانتخابات التشريعية غير أن قدراتها التعبوية والتنظيمية ليست أقل شأنا وقوة إذ من المحتمل أن تمكنها في المستقبل القريب من إحداث معارضة منظمة من خارج أسوار المؤسسات.

 

وقبل أن تتجسد هذه الومضات الاستشرافية، يكتفي الجمهور السياسي اليوم بمشاهد سياسية لا تختلف كثيرا عن المشاهد المألوفة، تنشطها وجوه لم تتحرر من أساليب الاتصال التقليدية. غير أنه باستثناء رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله الذي عمر طويلا على الساحة السياسية إذ يحسب على الجيل القديم، فإن الأحزاب الأخرى كحزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني قد عرفت تجديدا لوجوهها القيادية دون التفريط في النمطية الموروثة عن القيادات السابقة. كما ظهر وجه امرأة في شخص رئيسة تاج فاطمة الزهراء زرواطي ووجوه منشقة شكلت أحزابا جديدة مثل الطاهر بن بعيبش، وجمال بن عبد السلام وعبد العزيز بلعيد وفيلالي غويني بينما اختفى موسى تواتي وعلي فوزي رباعين وعلي بن فليس ولم يعودوا يشكلون المشهد السياسي الجديد ولم تبرز بدلهم قيادات تمتلك الكاريزما المطلوبة لضمان الاستمرار.

 

وضمن هذه الحركية في الوجوه المنشطة للساحة الانتخابية تمكنت أربعة وجوه من البروز أكثر من غيرها وهي رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني أبو الفضل بعجي ورئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري والأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي الطيب زيتوني يضاف إليها وبدرجة أقل منها رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد ورئيس حزب صوت الشعب لمين عصماني. في حين اختفت تماما الوجوه المحسوبة على التيار المقاطع للانتخابات.

 

ويمكن اعتبار عبد القادر بن قرينة نجم الحملة الانتخابية بامتياز فقد استطاع أن يخرج حملته من الرتابة بفضل اعتماد الشاو واستقطاب الرأي العام بفلتات القصد منها إحداث ردود أفعال في الأوساط المنافسة والمناهضة لتوجهاته الفكرية والسياسية. وأشار بن قرينة في منتدى الوسط إلى أن ردود الأفعال عبر مواقع التواصل الاجتماعي على خرجاته لن تزيده الا قوة ودعما وطلب من أصحابها الإكثار منها فالضربة التي لا تسقطك تقويك كما قال. لقد استطاع بن قرينة أن يملأ الفراغ ويصنع الفرجة ضمن الحملة الانتخابية بل يجعل من شخصه وحركته نقطة استقطاب دفعت خصومه السياسيين للتحول إلى مواقع دفاعية تكتفي بردود الأفعال. لقد تجرأ بن قرينة على ضمان مكانة في الجنة لسكان الجزائر والمنطقة المغاربية بفضل عدد الشهداء الذين دفعتهم الجزائر خلال حرب التحرير كما تجرأ على الحديث عن زوجته وذكرها بالاسم وبأنها نحيفة مثله واعتبر الحجاب ظاهرة اجتماعية وغيرها من مناسبات تعمد فيها الخروج عن النص. لقد غطى بن قرينة على الفلتات الأولى لرئيس حزب الحكم الراشد الذي تحدث عن الفريز المنتقى في إشارة إلى ترشيح نساء حسناوات وعلى فلتات أبو الفضل بعجي الذي ربط رقم حزبه ضمن القوائم الانتخابية بإشارات ربانية. لقد تفطن بن قرينة إلى أن اهتمام الجمهور الأكبر لا ينصب في البرامج والمواقف بل في عامل الفرجة التي تصحبها. 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك