نكبة الدراما العربية

د. بن عجمية بوعبد الله كاتب صحفي

 

أتابع مؤخرا عديد الحوارات على مختلف الوسائط الاذاعية والتلفزيونية وحتى على مواقع الانترنت المختلفة مع الفنانين والفنانات العرب حول واقع الدراما والفن في عالمنا العربي، ووجدت أن القاسم المشترك بين هذه الحوارات سواء كانوا ممثلين أو مخرجين أو منتجين أو كتاب سيناريوهات يتمثل في الشكوى وعدم الرضا فيما آل إليه واقع التمثيل والفن في عالمنا العربي.

ويمكن حصر هذا الواقع الأليم في المظاهر الآتية:

أغلبهم يشتكي التردي العام في المشهد الدرامي العربي الذي لم يعد حسبهم مثل الأزمنة السابقة التي كانت تعتبر العصر الذهبي لهذا القطاع الإنتاجي الحيوي المرتبط مباشرة بالإنسان وبتجسيد همومه وعذاباته وآماله وطموحاته ضمن طابع فني جميل.

الكثير منهم يشتكي السطحية والتفاهة على مستوى النصوص وموضوعات الأعمال الفنية المختلفة مفسرين ذلك لطبيعة الأجيال الجديدة التي أصبحت تحب كل ما هو خفيف وسريع وغير معقد، على خلاف الأجيال السابقة التي كانت تعيش العمق العقدي المثار من خلال الإشكاليات الحياتية المختلفة، لذلك كان التنافس محموما وعاليا بين كتاب السيناريوهات لإرضاء هذا الجمهور الواسع والواعي.

تأثير التكنولوجيا التي وإن ساهمت في جودة الجانب الإخراجي والتصميم إلا أنها أفقدت الدراما العربية عمقها وسحرها، والدليل على ذلك أن أغلب من تسألهم عن الأفلام والمسلسلات المفضلة لديه يجيبك بلا تردد أو تفكير: أن الأفلام والمسلسلات القديمة هي محل التقدير والحب وحتى الحنين والنستالجيا في حين ينهال على المعروضات الحالية بالنقد والتجريح حتى وإن كان من متابعيها.

التطفل على قطاع الفن من كل من هب ودب من الفنانين الجدد الذين هم في الأصل هواة ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى ممتهني الرقص والغناء والذي ليس لهم تجربة في التمثيل والدراما مما خلق موجة استياء كبيرة في صفوف الممثلين الذين أسسوا للدراما العربية عبر عقود من الزمن وأغلبهم خريجو المعاهد المتخصصة وبعضهم أساتذة ومكونون في الاختصاص.

استمرار التضييق على النصوص الدرامية التي لطالما عانت ولا تزال من مقص الرقيب وفقدان الحرية في معالجة المواضيع المهمة والحساسة مثل نظيراتها في العالم الديمقراطي الحر الذي يعتبر الفن من المجالات الحرة والشفافة والصريحة والمباشرة التي يجب أن تكون بحق المرآة العاكسة لهموم الفرد والإنسانية معا، تضييق رسمي تمارسه السلطات التي تريد أن تشرف على كل شيء وألا تمر شاردة ولا واردة إلا برضاها وموافقتها، ينضاف إليها الرقابة غير الرسمية التي يمارسها الممول وشركات الإنتاج كي لا تجلب لنفسها وجع الراس، فالمسألة في الأول والأخير مسألة تجارة وتحقيق أرباح كذلك.

لم تعد المضامين والمواضيع التي تعالجها الدراما محل اتفاق من قبل المشاهد العربي الذي تشتت رأيه وذوقه بين ما يعرض عليه كل سنة من إنتاجات درامية وبين من يعتبرها مضامين تافهة وسطحية أثرت على الذوق العام ولا تعكس حقيقة آلام وعذابات وطموحات وآمال المشاهدين، وبين من يعتبرها تنوعا لا بد منه وبأن من لم يعجبه مضمون ما فلا داعي للتعاطي معه لكن ليس من حق أي أحد أن يمنعه بحجة أنه منافي للذوق، أما الصنف الأخير وهو المضامين التي توصف بأنها جريئة وتخدش الحياء العام والأخلاق المتعارف عليها بين الجمهور والتي تصادم أحيانا حتى المعتقد الديني وتتعارض مع العادات والتقاليد، هذا الجدل بأصنافه جميعها السالفة الذكر جعل من مجال الدراما العربية محل شد وجذب أثر بالدرجة الأولى على مكانتها في قلوب المشاهدين وحتى ميولاتهم وأذواقهم.

عالم السماوات المفتوحة الذي نشاهده اليوم جعل من الدراما العربية محل منافسة كبيرة جدا وشرسة من قبل الأفلام والمسلسلات الأجنبية التي غزت الشاشات العالمية وحتى العربية والتي أصبحت لها قنوات متخصصة ومواقع تبث كل وقت وحين مما جعل المشاهد العربي يهاجر إلى هذه المنتجات الأجنبية، إما بفعل العولمة أو بفعل تدني الدراما العربية التي لم تعد قادرة على منافسة المنتوج الأجنبي الذي أصبح أكثر إغراء وجاذبية من حيث الشكل والمضمون على السواء.

لم تعد الدراما العربية تعكس هموم المواطن العربي والتي تفاقمت كثيرا بفعل الغلق السياسي والأزمات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية وراحت تناقش أمورا هي بالأصل محل جدل كالشذوذ الجنسي والمساواة بين الرجال والنساء وقضايا الأسرة، صحيح أنها ظواهر موجودة في عالمنا العربي لكنها لا ترقى إلى الصعوبات الحياتية التي يعيشها عالمنا العربي والذي أصبح يفضل لقمة العيش والأمن على كل موضوع جدلي آخر هو بالنسبة إليه لا ينفع ولا يضر ولا يمت لواقعه بأي صلة.

المسلسلات التاريخية التي يشرف عليها إنتاجا وتمثيلا وتسويقا الإيرانيون والأتراك خاصة ما تعلق بقصص الأنبياء وحوادث التاريخ الإسلامي المهمة جعلت المشاهد العربي يفر كذلك إليها فرارا لأنها تحكي على تاريخه وبطولات المسلمين في الأزمة الأخرى، وهذا الذي لم تعد الدراما العربية توفره للمشاهد العربي الذي دخل في روتين الأفلام والمسلسلات السطحية والتافهة، ففرق كبير بين أن تشاهد مسلسل أرطغرل أو قصة سيدنا يوسف أو مسلسل نهضة السلاجقة ومسلسل السلطان عبد الحميد وبين أن تشاهد أفلام ومسلسلات تتحدث عن عارضات الأزياء والشذوذ الجنسي والمشاهد التي يصور أغلبها في الملاهي الليلية.

لم يعد المشاهد العربي هو نفسه ذلك المشاهد الذي يفرض عليه مسلسل بحكم القناة الواحدة والمضمون الموجه الواحد ولكن أصبح أمامه معروضات كثيرة وحرية منقطعة النظير في الاختيار والمفاضلة والنقد والتمييز والتمحيص، لذلك فقدت الدراما العربية كثيرا من بريقها ومستواها الذي كانت تنافس به كبريات شركات الإنتاج والإخراج والتمثيل العالمية.

هيبة الدراما تتمثل بعدم المساس في التالي:

  • الحرية (التمويل والطرح)
  • النص (الهادف والعاكس)
  • الممثل (المقتدر والمختص).

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك