هل تكون نتائج المحليات طبق الأصل لنتائج التشريعيات؟

دراسة استشرافية لنتائج المحليات

منذ أن أرسى دستور 1989 التعددية الحزبية، سارت نتائج المحليات والتشريعيات على وتيرة واحدة وذلك منذ الانتخابات التعددية الأولى التي جرت في جوان 1990 بالنسبة للمحليات، وديسمبر 1991 بالنسبة للتشريعيات، مرورا بانتخابات 1997 التي أمست الانتخابات التشريعية والمحلية تنظم في نفس السنة، الأولى في فصل الربيع والثانية في فصل الخريف، وقد تمّ الحفاظ على هذه السنة الانتخابية إلى يومنا هذا.

  

جرت العادة أن تكون الانتخابات التشريعية مؤشرا للانتخابات المحلية منذ انتخابات 1997، وكان قد جرى قبلها العكس، حيث كانت الانتخابات المحلية مؤشرا للانتخابات التشريعية. لقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة بالانتخابات المحلية المجراة في 12 جوان 1990، ونالت الأغلبية المطلقة في الانتخابات البلدية حائزة على 853 من بين مجموع 1541، و32 مجلس شعبي ولائي من بين مجموع 48، وبعد سنة ونصف، فازت أيضا بالانتخابات التشريعية في دورها الأول حائزة على 188 مقعدا، وهو مؤشر بفوزها بالأغلبية المطلقة لو تمّ تنظيم الدور الثاني الذي ألغي بعد استقالة الرئيس بن جديد، كما هو معلوم.

  • اقتران نتائج التشريعيات بنتائج المحليات من انتخابات 1997 إلى انتخابات 2017   

في الانتخابات التشريعية التي جرت في ربيع 1997، فاز الحزب الإداري الجديد التجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي) بالمرتبة الأولى وحاز على 155 مقعدا من مجموع 380، ثم تبعته حركة مجتمع السلم (حمس) في المرتبة الثانية بمجموع 69 مقعدا، ليليه الحزب العتيد حزب جبهة التحرير الوطني (الأفلان) المعاقب في المرتبة الثالثة متحصلا على 64 مقعدا، وأتت حركة النهضة في المرتبة الرابعة بمجموع 64 مقعدا. وفي الانتخابات المحلية التي جرت في خريف 1997، وعلى غرار الانتخابات التشريعية، فاز الحزب الإداري الجديد “الأرندي” بالمرتبة الأولى سواء على مستوى البلديات أو الولايات، متبوعا بحزب الأفلان الذي نال هذه المرة المرتبة الثانية تاركا وراءه حركة حمس التي نالت المرتبة الثالثة في البلديات والولايات، فيما نالت حركة النهضة المرتبة الرابعة في الولايات والسابعة في البلديات.

في الانتخابات التشريعية التي جرت في ربيع 2002 والتي اتسمت بعودة الأفلان إلى أحضان السلطة تحت حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فاز الحزب العتيد بالمرتبة الأولى متحصلا على 199 مقعدا من مجموع 389 وهي أغلبية مطلقة مريحة للرئيس قصد تشكيل حكومة أفلانية بحتة، ومع ذلك فتح الباب للتحالف الرئاسي لكل من الأرندي الذي جاء في المرتبة الثانية بمجموع 47، وحركة حمس التي فازت بالمرتبة الرابعة بـ 34 مقعدا، أما المرتبة الثالثة فقد عادت إلى الحزب الإسلامي الجديد حركة الإصلاح الوطني التي نالت 43 مقعدا. وفي الانتخابات المحلية المجراة في خريف 2002، جاءت النتائج بالتقريب مثيلة لنتائج التشريعيات، حيث حصل الأفلان هذه المرة على المرتبة الأولى في المجلسين الولائي والبلدي، فيما رجعت المرتبة الثانية في الولائيات إلى الحزب الإسلامي الجديد أي حركة الإصلاح الوطني، متقدما على الأرندي الذي جاء في المرتبة الثالثة وحمس في المرتبة الرابعة. أما في الانتخابات البلدية فقد تحصل الأرندي على المرتبة الثانية، ورجعت المرتبة الثالثة لحركة الإصلاح والرابعة لحمس.

جرت انتخابات الفترة التشريعية الثالثة في ظل دستور 1996 المُعدل، يوم 17 مايو 2007، وفاز بها كالعادة حزب الأفلان الذي تحصل على المرتبة الأولى بمجموع 136 مقعدا، متبوعا في المرتبة الثانية بحزب الأرندي الذي نال 62 مقعدا. أما حركة حمس فقد نالت المرتبة الثالثة بمجموع 51 مقعدا، فيما تقهقرت حركة الإصلاح الوطني إلى المراتب الدونية. وفي الانتخابات المحلية التي جرت في خريف 2007، عادت أيضا المرتبة الأولى لحزب الأفلان في البلديات والولائيات، وعادت المرتبة الثانية لحزب الأرندي أيضا في البلديات والمحليات، فيما رجعت المرتبة الثالثة في البلديات إلى الجبهة الوطنية الجزائرية والرابعة لحركة حمس التي فازت بالمرتبة الثالثة في الولائيات، ورجعت المرتبة الرابعة إلى الجبهة الوطنية الجزائرية.

 جرت الانتخابات التشريعية في فترتها الرابعة يوم 10 مايو 2012، وفيه عادت حصة الأسد كالعادة إلى حزب الأفلان الذي نال 221 مقعدا، متبوعا بالأرندي الذي نال 70 مقعدا. نال المرتبة الثالثة تكتل الجزائر الخضراء حائزا على 47 مقعدا. أما الانتخابات المحلية التي جرت في خريف 2012، فقد عادت المرتبة الأولى، وعلى غرار التشريعيات فاز حزب الأفلان بالمرتبة الأولى في البلديات والولائيات، ورجعت المرتبة الثانية إلى حزب الأرندي، كذلك في البلديات والمحليات، فيما رجعت المرتبة الثالثة في البلديات والولايات إلى الحركة الشعبية الجزائرية، والرابعة في البلديات والولايات إلى جبهة القوى الاشتراكية.

جرت انتخابات الفترة التشريعية الخامسة في 4 مايو 2017، وعلى العادة، رجعت المرتبة الأولى والثانية لحزبي السلطة الأفلان والأرندي بمجموع 261 مقعدا، يؤهلهما لتشكيل حكومة بأغلبية مريحة. جاء تحالف حركة مجتمع السلم مع جبهة التغيير في المرتبة الثالثة بمجموع 34 مقعدا، ليليه حزب تجمع الجزائر في المرتبة الرابعة بـ 20 مقعدا، فيما رجعت المرتبة الخامسة لتحالف الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء بـ 15 مقعدا. وفي الانتخابات المحلية التي جرت في خريف 2017، عادت كذلك المرتبة الأولى إلى حزب الأفلان في البلديات والولائيات، والمرتبة الثانية إلى حزب الأرندي، كذلك في البلديات والولائيات. حققت جبهة المستقبل مفاجأة بنيلها المرتبة الثالثة، فيما رجعت المرتبة الرابعة إلى جبهة القوى الاشتراكية.   

مما سبق، يتبين أن حزب الأفلان وبخلاف انتخابات 1997، فاز بالمراتب الأولى في كل الانتخابات التشريعية والمحلية التي نظمت تحت رئاسة عبد العزيز بوتفليقة وهو الرئيس الشرفي للحزب العتيد، بينما جاء حزب الأرندي في المرتبة الثانية في أغلب الانتخابات التشريعية والمحلية. حركة حمس فقدت مرتبتها الثالثة منذ أن غادرت التحالف الرئاسي وفضلت تحالف إسلامي-إسلامي. 

  •  هل تكون نتائج المحليات مقرونة بنتائج تشريعيات جوان 2021.

عرفت تشريعيات جوان 2021، دخول عنصر جديد وبقوة تمثل في كتلة الأحرار، رغم أن هذه الشريحة شاركت في كل الانتخابات السابقة، لكن ليس بهذه القوة، حيث تحصلت على المرتبة الثانية بمجموع 84 مقعدا، وجاءت وراء حزب الأفلان الذي حاز هذه المرّة أيضا على المرتبة الأولى، رغم تراجع مقاعده قياسا إلى الفترة التشريعية السابقة، حيث لم ينل إلّا 98 مقعدا، وهي أضعف نتيجة منذ انتخابات 2002. المرتبة الثالثة عادت إلى حركة حمس الذي نال 65 مقعدا وهو المعدل العام الذي يناله في كل فترة تشريعية منذ 1997، فيما رجعت المرتبة الرابعة إلى الأرندي الذي نال 58 مقعدا، حيث فقد مرتبته الثانية المعتادة. أما المرتبة الخامسة فقد رجعت إلى جبهة المستقبل بـ 48 مقعدا، والسادسة إلى حركة البناء الوطني بـ 39 مقعدا. 

فهل تحترم نتائج المحليات هذا السلم الترتيبي في التشريعيات؟ وهل تفوز جبهة التحرير الوطني بالمرتبة الأولى في البلديات والولائيات، مع العلم أنها لم تترشح في أكثر من 200 بلدية من مجموع 1541، وهل يؤثر الصراع الداخلي بالحزب على النتائج، أم أنّ لكتلة الأحرار رأيا آخر في هذه المحليات، مع الإشارة أنها دخلت بقوة في أغلب البلديات والولايات؟ كما نشير أن جبهة القوى الاشتراكية دخلت معترك المحليات عكس التشريعيات الذي قاطعته.

من المرتقب، حسب قراءتنا للمشهد السياسي بعد نتائج تشريعيات جوان الماضي، أن يكون الصراع على المرتبة الأولى بين الأفلان وكتلة الأحرار، وقد تفاجئ هذه الأخيرة المجتمع السياسي بنيلها المرتبة الأولى، وهو ما لا يرضي الأحزاب السياسية التي ترفض دخول المجتمع المدني ميدان السياسية الذي تريده حكرا لها. كما من المرتقب أن يكون الصراع على المرتبة الثالثة بين كل من الأرندي وحركة حمس وجبهة القوى الاشتراكية التي قد تفوز بأغلب البلديات الواقعة بمنطقتها التقليدية. وقد تتصارع حركة البناء الوطني وجبهة المستقبل على المرتبتين السادسة والسابعة، فيما تتقاسم بقية الأحزاب المراتب الأخرى.    

   محمد سعيد بوسعدية: باحث حر      

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك