هل سيزور بايدن الجزائر؟

مفارقات

بقلم احسن خلاص

غادر دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون البيت الأبيض كما أعلن من قبل دون أن يحضر مراسيم تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن الذي لم يذكره بالاسم في خطاب سريع ألقاه على مسمع ومرأى جمهور اختير تحت مجهر المؤسسات الأمنية الأمريكية بعد إشاعة أخبار عن احتمال تسلل متطرفين مسلحين لتفويت الفرصة أمام مراسمي تنصيب عادية للرئيس السادس والأربعين. حرص الرئيس المنصرف على إرسال رسالة مزج فيها بين ما شعر أنه حد أدنى من الواجب الذي تفرضه البروتوكولات الجارية في مثل هذه المناسبات وبين ما رآها أنه حقه في الدفاع عن حصيلة فترته الرئاسي. إذ شكر نائبه بالرغم من عدم انخراطه في مسار مقاطعة حفل التنصيب وتخلفه من قبل عن موقعة الكابتول كما أثنى على الكونغرس قبل أن يستدرك بالقول إنه يقصد فقط بعض أعضائه الذين طاب له الاشتغال معهم طيلة السنوات الأربع المنقضية كما تمنى النجاح للإدارة الأمريكية الجديدة. 

 

وفي سياق حديثه عن حصيلته الرئاسية كان تركيز ترامب أكبر على إنجازاته الداخلية لاسيما الاقتصادية منها وتحقيقه الأرقام القياسية في خلق الوظائف وجهده الخرافي لمكافحة الكوفيد حيث ابتكرت الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية عهده لقاحين في انتظار اللقاح الثالث، لقاحات وصلت في ظرف قياسي من 9 أشهر وقد كان يفترض أن تنجز في ظرف تسع سنوات في نظر دونالد ترامب. وقبل أن يطلع الرأي العام على الرسالة تركها ترامب لبايدن في المكتب الرئاسي كما جرت عليه الأعراف والتقاليد المتعارف عليها في تسليم سلطة الرئاسة الأمريكية وهو التقليد الوحيد الذي احتفظ به ترامب.

 

وكيفما كانت وصايا ترامب لخليفته يظل العالم يترقب من الرئيس الأمريكي الجديد فتح عهد جديد في العلاقات الدولية ودورا أمريكيا جديدا في طبيعة تطور هذه العلاقات. وبالرغم من الاستقرار المتواصل للعلاقات بين الجزائر والولايات المتحدة الامريكية وعدم تأثرها العميق بتعاقب الرؤساء الأمريكيين إلا أن المتابعين في الجزائر يأملون هذه المرة أن يعود النشاط إلى الملفات التقليدية المفتوحة بين البلدين لاسيما وأنها فتحت في عهد حكم الحزب الديمقراطي منها اتفاقية الحوار والتشاور والشراكة بين البلدين الذي توقفت الهيئة المشتركة المكلفة بمتابعته على مستوى خارجيتي البلدين عن اللقاءات الدورية في أفريل وأكتوبر من كل سنة إذ يعود آخر لقاء بين وزيري خارجية البلدين بهذا الشأن إلى أفريل من عام 2014. 

لم يعرف للرئيس الأمريكي الجديد أي تصريحات أو أفعال معادية أو منتقدة لسياسات ومواقف الجزائر تجاه القضايا الدولية غير أنه لا يتوقع عموما أن تشذ سياسته تجاه الجزائر عن نظرة القادة الأمريكيين التقليدية إلى دورهم في القارة الإفريقية بشكل عام ومنطقة شمال إفريقيا والساحل بشكل خاص. وإن كانت أواخر أيام ترامب قد أفرزت تفاعلات غير تقليدية للإدارة الأمريكية تجاه ملف الصحراء الغربية فإن المنتظر هو أن يسعى النزيل الجديد بالبيت الأبيض إلى العودة بالولايات المتحدة إلى مواقفها التقليدية الحيادية تجاه الملف وهو الموقف الذي جعل هيئة الأمم المتحدة تختار من بين مبعوثيها إلى المنطقة أمريكيين منهم وزير الخارجية الأسبق الجمهوري جامس بيكر. وبالرغم من أن بايدن لم يكشف بعد رسميا عن القرارات الكبرى التي تنتظره على الطاولة إلا أن المراقبين لا يستبعدون أن يكون إلغاء قرار ترامب بشأن الاعتراف بالسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية ضمن تلك القرارات بالنظر إلى أنه يعد ضمن القرارات الشاذة عن تقاليد الديبلوماسية الأمريكية التي اتخذها ترامب وقد اتخذه في الوقت بدل الضائع أي بعد مرور الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ويرى المراقبون أن حلم المغرب بدعم أمريكي لاحتلاله الصحراء الغربية على وشك أن يتبخر بعد أن تعود الإدارة الأمريكية إلى تقاليدها بشأن ملف النزاع في الصحراء الغربية.  

 

وتأمل الجزائر من جانبها في أن تجد في الإدارة الأمريكية الجديدة شريكا جادا ومفتوحا على الحوار والتشاور حول القضايا التي تهم المنطقة المغاربية والساحل لاسيما وأن القيادات الامريكية العسكرية منها والمدنية ما انفكت تشيد بدور الجزائر كقوة إقليمية وتعبر عن استعداد الولايات المتحدة لدعم التعاون الأمني مع الجزائر وتنسيق جهودهما لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. لم يكن ترامب الذي انشغل طويلا بحربه التجارية الباردة مع الصين وروسيا وعقوباته الاقتصادية اتجاه إيران من جانب يعير اهتماما لتطوير العلاقات الثنائية مع الجزائر بالرغم من أنها قطعت أشواطا معتبرة في عهد حكم الديمقراطيين لاسيما في مجالات الطاقة والصحة. 

 

 وظلت الولايات المتحدة مع تعاقب رؤسائها تعتبر الجزائر مجالا حيويا لروسيا والصين وفرنسا بالحكم العلاقات التقليدية والتاريخية التي تربطها مع هذه الدول كما أن أمريكا لم تصنف الجزائر ضمن مناطق النزاع المؤشر عليها باللون الأحمر إذ أن التغييرات السلسة التي تحدث منذ سنوات في الجزائر لم يكن من شأنها أن تهدد مصالح الولايات المتحدة من قريب أو بعيد بالنظر إلى الاستقرار الحيوي الذي تعرفه الجزائر التي تنتظر أن يعطي الرئيس بايدن دفعا جديدا للعلاقات الثنائية والتشاور السياسي بين البلدين بأن يبادر بزيارة هي الأولى من نوعها لرئيس أمريكي إلى الجزائر، زيارة من شأنها في رمزيتها أن تحيي العلاقات الجزائرية الأمريكية في العهد العثماني وتكون ردا على زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الشاذلي بن جديد في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك