وقائع معركة البسباسة بجبل قعيقع بالجلفة

بعيون المجاهدين وضباط الجيش الفرنسي

سليمان قاسم

 

مقبرة الشهداء

 تعود بنا ذاكرة الولاية السادسة كل مرة مع حادثة تاريخية تؤرخ لملاحم سجلت في قاموس الشهداء الذين ضحوا من اجل الوطن أمام آلة استعمارية غاشمة أرادت إحكام سيطرتها على خيرات البلاد والعباد، ولولا ثلة من المجاهدين استطاعوا أن يدحروا هذه القوة في كل ربوع هذه الأرض الطاهرة التي سقيت بدماء شهداء انتصروا في كل معاركهم، ولعل الحديث عن الشهداء يجرنا إلى معركة دامية وقعت في المنطقة الثانية من الولاية السادسة سقط على اثرها خيرة أبناء الوطن في جبل قعيقع بمعركة البسباسة او معركة الثلجة بأعالي منطقة دار الشيوخ  التي اندلعت يوم 21 جانفي 1960 . وفي هذه الورقة التاريخية نحاول ان نميط اللثام على اهم احداثها من خلال شهادات مجاهدين عايشوا الحدث بالإضافة الى مانشره موقع الفوج الرابع للمشاة الذي قاد العملية ضد جيش التحريرإضافة الى ما ذكرته الصحافة الفرنسية أنذاك حول اطوار هذه المعركة التي انتصرت فيها الشجاعة على قوات العدو.

 

أحداث المعركة

 

دارت وقائع هذه المعركة، بالقرب من مدينة دار الشيوخ وكانت تحت قيادة سليماني سليمان ” لكحل” مسؤول المنطقة الثانية، رفقة عدد من المجاهدين منهم بلقاسم لقرادة، مخلوف جاب الله، الطاهر الرق، بلقايد الطاهر، بودخيل سارية، وزاغز بلقاسم قوات جيش التحرير تمثلت في كتيبتين من مجاهدي الناحية الأولى والثانية وفرقة أخرى من مكتب المنطقة.

 

أسباب المعركة 

أثناء القيام بعملية تمشيط بجبل سن الباء وجبل حواص من اجل تطهير المنطقة من بقايا حركة بلونيس لذلك كانت القوات الفرنسية تراقب تحركات جيش التحرير.

 

نشوب المعركة

 

كان يوما عظيما ففي حدود العاشرة صباحا حاصرتهم القوات الفرنسية من كل مكان وبدأت في تمشيط المنطقة رغم الثلوج السميكة، هذا ما ساعد جنود جيش التحرير في اقتناص جنود العدو مع أول مواجهة مباشرة فأطلقوا عليهم وابلا من الرصاص فسقط منهم سبعة عساكر، مما جعل جنود العدو يتراجعون فخرج المجاهدون لمطاردة الجنود الفرنسيين فكشفت مواقعهم وتم تحديدها من قبل الطائرات العمودية، التي كانت تجوب السماء فاستبدل العدو هجوم المشاة بهجوم كاسح بالمدفعية والطائرات المقنبلة فدكت المكان بكل أنواع القذائف وأمطرتهم بالنبالم، ليتحول إلى جحيم لا يطاق، فقد من جرائه أكثر من عشرين جريحا وفاز بالشهادة 57  مجاهدا منهم بلقاسم زاغز، بلقسام لقرادة، قويدر حشحوش، الحسين بولطيف، محمد امريقي، محمد مزغيش، محمد فرغوس، بوحوص علي، علي حاكمي، علي قرادي، بوفلجة بوطلعة، قندوز بن عبد الله محمد مرابطي، محمد دعاس عبد الله قربازي، عبد العزيز الشنوشوني، محمد تومي، العملي الساسي الطيب سويرة، بن عامر حاكمي، عبد العزيز الفاسي، بوجمعة قداش، ابراهيم دقان، الميلود شتوان، احمد التيجني، عطية قعادي، ابراهيم ميص، بن لفضل الكيحل، احمد فضلاوي، رابح حنيفي، الساسي عباللي النوي بونصلة، النذير شنيف السعيد زروق، لحسن بوحجر، عبد الله سهران

 

هذه المعركة التي كانت نتيجتها وخيمة على الولاية السادسة فقد استشهد فيها خيرة ضباط الولاية.

 

شهادات حول معركة البسباسة ” الثلجة” بجبل قعيقع بالمنطقة الثانية

 

من بين الشهادات الحية المهمة شهادة المجاهد المرحوم عبد القادر بوعسرية التي نشرت مؤخرا تضمنت جزءا تحدث فيه عن معركة البسباسة، حيث يذكر انه بعد عمليات تطهير المنطقة  من الخونة  من طرف قادة كتائب المنطقة الثانية والتي على رأسها مسؤول المنطقة “سليماني سليمان” والتي دامت ثلاث أيام 13 و14 و 15 جانفي 1960 وامتدت من مرتفعات سن اللبا إلى غاية الزباش والجلال الغربي قتل على إثرها العشرات من الخونة، وبعد هذه العملية الناجحة عاد مسؤول المنطقة الثانية إلى مقر قيادته بقعيقع مع الكتيبة المرافقة له وفرق من الناحية الثانية وتصادف أن تهاطلت ثلوج كثيفة غطت الجهة ونظرا لتحركات الجيش في مثل هذه الظروف والنشاط العسكري المكثف بالجهة مما أثار حفيظة العدو الفرنسي وجعله يدفع بقوات ضخمة إلى قعيقع والجبال المحيطة به وقد وصلت أخبار حشود العدو إلى الضابط سليماني سليمان الذي لم يكترث للأمر كثيرا وكان بإمكانه الانسحاب إلى جبل مناعة المجاور لمركز البسباسة لأنه أكثر تحصينا ومناسبا للمواجهة المحتملة، التي حدثت فعلا بين الجانبين وهي المسماة معركة البسباسة او الثلجة بتاريخ 21 جانفي 1960 وقد رمى العدو الفرنسي كل ثقله ضف إلى ذلك العوامل الطبيعية السيئة ورغم ذلك فقد صمد جنود جيش التحرير في وجه العدو والحقوا به بعض الخسائر المعتبرة. ومع طول وقت المعركة من الصباح إلى المساء زاد وضع المعركة صعوبة بعد أن قام العدو بعملية انسحاب مفتعلة قامت على إثرها بعض الفرق بشن مطاردة للقوات الفرنسية ولكنه اعترض سبيلهم بهجوم مضاد وبرتل من الدبابات ففاجأهم الهجوم المباغت سقط على إثره عدد كبير من الضحايا بين قتيل وجريح وكان من بين الجرحى مسؤول المنطقة الذي كانت إصابته خطيرة ونقل على إثرها محمولا خارج ميدان القتال وكانت النتيجة ثقيلة بالنسبة لأعضاء جيش التحرير فقد وصل تعداد الشهداء لأكثر من 60 شهيدا وعدد من الجرحى وبعض الأسرى من بينهم  لقرادة بلقاسم الذي أعدمه العدو.

بعد أن أدلى بشهادته المجاهد المرحوم عبد القادر بوعسرية ذكر أن ما آلمهم بعد سماع أخبار المعركة التي فقدوا فيها خيرة أبناء المنطقة سوء تقدير العواقب من المسؤولين الذين لا يحسنون التصرف وهذه كانت نتيجة حتمية للتهور الزائد والشجاعة المفرطة.

من جانبه المجاهد “يحيى امعيزة”  اكد أن هذه المعركة بدأت في حدود الساعة العاشرة صباحا حتى حلول الليل ولأنها كانت معركة كبيرة كبر خسائرها فقد استشهدا فيها عدد كبير من جنود جيش التحرير ومات عدد لا يحصى من جنود العدو الفرنسي ويذكر أن قائد هذه المعركة كان سليماني سليمان رفقة بلقاسم حامدي وبلقاسم لقرادة بالإضافة إلى بلقاسم زاقز وبعض المسؤولين الذي استشهدوا كلهم ما عدى مسؤول المنطقة الذي أصيب بجروح خطيرة.

المجاهد المرحوم بوبكر هتهات في مذكراته الشخصية ذكر “انه بعد عملية القضاء على الخونة يوم 13 و14 و 14  جانفي 1960 في منطقة سن اللباء القريب من الجلفة  والتي كان متواجدا بها باعتباره عريفا سياسيا بقسمة 39، رفقة مسؤول المنطقة الثانية سليماني سليمان الذي اشرف على هذه العملية إلا أنهم تفاجؤوا بعد مغادرته إلى جبل قعيقع  مقر القيادة بأنهم دخلوا في معركة ضد العدو الفرنسي يوم 21 جانفي 1960 بالمكان المسمى البسباسة سقط على إثرها عدد كبير من الشهداء بعدما كبدوا العدو الفرنسي خسائر معتبرة في الأرواح.      

شهادة مهمة نشرتها قسمة المجاهدين ببلدية سيدي بايزيد 

“معركة الثلجة” بدأت في وقت مبكر اشتد خلالها القتال بين الجانب الفرنسي وجيش التحرير في أجواء باردة وارض تكسوها الثلوج وظروف صعبة ورغم ذلك قاوم المجاهدون باستماتة كبيرة، أسفرت هذه المعركة عن إسقاط طائرة من ” ت 6″ وتدمير بعض الآليات الحربية أما من جانب المجاهدين فقد استشهد أكثر من 57 شهيدا من بينهم مسؤول الناحية بلقاسم لقرادة الذي أصيب بجروح بليغة حيث أسره العدو، وأعدمه فيما بعد وألقى به في بئر بالقرب من مدينة سيدي بايزيد ” حاليا”، أما قائد العملية سليماني سليمان فأصيب بجروح خطيرة، اضطر المجاهدون خلالها إلى إخراجه من ساحة المعركة، وأخذه إلى منزل المجاهد هرام محمد بقندوزة، قصد علاجه فاستغرق 6 أيام، حيث تسربت معلومات استخباراتية أن قائد المنطقة سليماني سليمان موجود عند المجاهد هرام محمد، فانتقلوا للقبض عليه ولما أحس المجاهدون بذلك نقلوه إلى مكان آخر حتى لا يكتشف أمره، وحينما وصلت قوات العدو إلى منزل المجاهد هرام لم يجدوا مسؤول المنطقة، وقد تم اقتياده إلى سجن روس العيون بالجلفة وهناك تم استنطاقه وبعد ذلك تم إعدامه. 

 

من جانبه ذكر المجاهد رابح تينة في مذكراته “شهادات ووقائع من تاريخ الثورة التحريرية الوطنية”، أن معركة الثلجة وقعت بجبل قعيقع في 21 جانفي 1960 بمنطقة البسباسة بولاية الجلفة، حيث باغتت القوات الفرنسية الكتيبة التي كان يقودها الضابط  سليماني سليمان، فقد كشف  الطيران  تواجدهم في المنطقة حينها لم يكونوا متمركزين جيدا كما هي تقاليد الحرب أثناء مواجهة الطيران العسكري، والاهم من ذلك انهم كانوا منهكين من التعب، فقد استشهد في هذه المعركة خيرة قادة المنطقة الثانية.

في هذه المعركة جرح الرائد سليماني سليمان جروحا بليغة حيث أصابته شظية  قنبلة في ظهره ونقل من طرف المجاهد رابح تينة رفقة المجاهدين “الطاهر الرق” والمجاهد “عكروط المختار” إلى مستشفى موجود قرب جبل “فزنا” المعروفة بمنطقة “اضحاوي” وهو مستشفى في قبو يقع شمال شرق “بن سرور” ولاية المسيلة حاليا، وللإشارة أن جرح المجاهد “سليمان لكحل” كان خطيرا جدا، إضافة للمسافة الطويلة جدا، حيث تطلب منهم التوقف كلما اشتد الألم حتى وصلوا إلى المستشفى فجرا، والذي كان يتواجد في مكان غامض حوله الأشجار، استفسروا الحارس الذي ساعدهم  على الدخول، حيث استقبلهم طبيب الولاية السادسة “محمد الشريف خير الدين” وكان يشرف على إدارة المستشفى في تلك الأيام ولدى دخولهم هناك وجدوا ما يقارب الخمسين  جريحا،

هذا وذكر المجاهد الشيخ لقليطي كان احد المصابين في هذه المعركة فقد نقل حينها على جناح السرعة إلى بيت مواطن بمنطقة سيدي بايزيد، واتصل  بالعريف الأول عمر مالكي والعريف السياسي الحاج، فقدمت له الإسعافات الأولية لينقل ليلا إلى مركز الجيش شمال مناعة ” مركز عنتر” وينقل بعدها  إلى المستشفى الكائن بضاية البقر المكان المسمى تاستارة قرب دار الشيوخ وسليم، ومكث هناك حوالي شهرين  لينقل بعدها ايضا إلى “جبل كيشان” للاستشفاء لان المستشفى الأول اكتشفه العدو، فبقي هناك مدة ثلاثة أشهر ليتوجه بعدها إلى جبل بوكحيل.

 

 شهادة الملازم الأول “لاتورنيري”  

 

  في يوم 21 يناير 1960 وقعت معركة شمال دار الشيوخ في المكان المسمى القعادي، “قلب بويرة السحاري” فبعد أن رصد الطيران آثارًا في الثلج، وبمشاركة  السرية الثانية، بقيادة الكابتن “ميرسير”. كانت حينها كتيبة  “سن البا” الفتية، تريد أن تصنع معركة عظيمة مع كتيبة  الصحاري الصلبة.

ويذكر هنا “لاتورنيري”  في شهادته أن عدم تواجد المتمردين في أماكنهم الأصلية، لم يمكنهم من التفرق في الطبيعة كالمعتاد، وبدعم من القوات الجوية كانت المعركة التي  خسر فيها  المتمردون 63 رجلاً وتم سجن أسيرين من بينهم ملازم بالزي العسكري – وهنا يقصد قائد الناحية ضابط جيش التحرير لقرادة بلقاسم- بالإضافة إلى أسلحة حربية  بما في ذلك رشاش. فقد حينها  الفيلق  5قتلى و 4 جرحى.

تمكن قائد كتيبة الصحاري “وهنا يقصد الضابط سليماني سليمان”  مع عدد قليل من الرجال الفرار إلى قطاع بوسعادة وحسب شهادته فان ساقه بترت، وسيجد “لاتورنير” رفقة كتيبته  قدما اصطناعية بمخبأ في العام التالي -تكون قد ركبت لقائد كتيبة الصحاري-.

بعد هذه المعركة جاءت السرية الثانية  لتستقر في منزل بالغابة في عين بحرارة لبضعة أسابيع. سيقوم السجين الذي أسرته السرية بتوجيه أجهزة المخابرات إلى مخبأ حيث تم تخزين عشرات الأسلحة التي خلفها المتمردون. لقد كان مجرد انتقام بعد الكمين الذي وقع في 26 نوفمبر 1959 والذي نتج عنه إصابة الرقيب “لويس” بجروح خطيرة وفقدان الرقيب “لاندريا”.

من جانب آخر ذكر موقع فوج المشاة الرابع أن معركة وقعت بمنطقة القعادي قرب دار الشيوخ يوم  21 يناير 1960 حيث يذكر انه بفضل استخدام المعلومات الجيدة التي قدمتها ثلاث مسيرات  نحو الجهة بالإضافة الى المعلومات التي أسر بها بعض السكان، والتي مكنت بشكل خاص الأمن  من قتل عدد من المتمردين في عملية سميت بإعادة التجميع. كانت هذه الكتيبة في منطقة الجلفة عند حدود الولايتين 4 و6 عندما اكتشفها سلاح الجو، عند الظهر، فقد اشتبك الفيلق معززا بالرماة في المعركة  وحاصروا المتمردين الذين أبيدوا وتم  احصاء 62 جثة وعشرة سجناء ورشاش و 42 قطعة سلاح.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك