وقفات: هذا هو الوجه الحقيق للدعم الاجتماعي

بقلم احسن خلاص

أتاحت مناقشة مشروع قانون المالية لعام 2022 هذه الأيام عودة الحديث عن الدعم الاجتماعي كوظيفة أساسية من وظائف الدولة الوطنية المنبثقة عن ثورة تحريرية غالبا ما تقدم داخليا وخارجيا بأنها ثورة شعبية حتى أن الخطاب السياسي المتداول على الساحة منذ سنوات تحول إلى اعتبار دور الدولة الداعم للفئات العريضة من المحتاجين دورا مقدسا وثابتا من الثوابت الوطنية التي تتجاوز البرامج والسياسات الحكومية حتى صار الحديث عن التفريط في ذلك من الطابوهات السياسية التي تضع من يفكر في ذلك مجرد التفكير في عداد الخونة المتنكرين لأسس قيام الدولة الجزائرية الاجتماعية التي نص عليها بيان أول نوفمبر 1954 لاسيما وأن الخطاب السياسي الشعبوي ينطلق من أن الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع مما يعني بالضرورة أن الاستفادة من خيراتها وفرص الرفاه فيها لابد أن تكون من نصيب الجميع.

ولأن مبدأ الطابع الاجتماعي للدولة خيار لا رجعة فيه تماما كما كانت الاشتراكية منصوصا عليها في الدستور في فترة السبعينات فقد تحولت النقاشات السياسية التي جرت منذ سنوات لاسيما في المناسبات الانتخابية إلى طرح إشكالية تتعلق بوجهة الدعم الاجتماعي للدولة، نقاشات تنطلق من استنكار التوجهات اليسارية أن تبقي الدولة على نهج الدعم المعمم للمواد ذات الاستهلاك الواسع، ونجد أن هذا الاستنكار صار محل توافق بين جميع التيارات حيث بدأ الجميع يطالب بآلية جديدة تجعل الدعم يذهب إلى مستحقيه من الفئات الفقيرة والهشة وأصحاب الدخل الضعيف. ظلت الحكومات المتعاقبة منذ ما يقرب من 5 سنوات تعد بالبحث عن هذه الآليات الجديدة ويقال إن وزارة المالية شكلت لجنة من الخبراء لضبطها واقترحت في سبيل ذلك صيغا مختلفة منها استحداث منحة مالية موجهة للمستحقين أو استحداث بطاقة المستحق كما هو معمول به في بعض الدول إلى غير ذلك من الآليات التي هي تقنية لكن طرحها على الساحة يعيق التفكير في جوهر الأمر بل إن فكرة توجيه دعم المواد الاستهلاكية الواسعة طغت وعتمت على النقاش العميق حول جوهر الدعم الاجتماعي للدولة وفلسفته.

وإذا جردنا الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية من مسحته العاطفية والأخلاقية فسنجد أن من مهام الدولة الأساسية حفظ التوازن الاجتماعي وإرساء السلم والأمن، ووظيفة حفظ التوازن والحفاظ على النظام العام ليس مصلحة فئة من المجتمع دون أخرى بل هي ضرورة حتمية لخدمة مصالح جميع الفئات وعلى رأسها الفئات المهيمنة على المجتمع والطبقات المترفة التي تشكلت في الجزائر منذ الاستقلال وضمان إقامة واستمرار الدولة. ولعل المتابع لتطور الدولة الجزائرية لا يمكن أن يخرجها من دائرة الدولة الراعية لتوزيع الريع بأشكال مختلفة باختلاف الجهات التي من مصلحة الدولة أن تنال نصيبها منه، غير أن اصطلاح الدولة الاجتماعية المرتبط ببيان أول نوفمبر يجعل العبارات أكثر ديماغوجية ويجردها من طابعها السلبي القائم على اعتبار الدولة تلك البقرة الحلوب المعتمدة في جل مداخيلها على مداخيل المحروقات.

وإن كان الحديث عن الدولة الاجتماعية لا يبرز عادة إلا عند تناول الدعم على المواد ذات الاستهلاك الواسع فما يسمى بالتحويلات الاجتماعية المباشرة وغير المباشرة تعد بعشرات المليارات من الدولارات سنويا وأن الرقم الذي يعلن في هذه المناسبات ويقارب 17 مليار دولار لا يمثل إلا جزء من حجم الإنفاق الاجتماعي للدولة الذي لا يقتصر فقط على دعم ذوي الدخل الضعيف والمتوسط والحفاظ على بقايا الطبقة الوسطى من خلال دعم بناء السكن وضمان مجانية التعليم والعلاج وتعزيز منظومة التأمينات الاجتماعية بل ينصرف إلى التسهيلات الضخمة والعريضة التي ظل يستفيد منها قطاع واسع من المتعاملين الاقتصاديين والتجاريين الذين يستفيدون من قروض ميسورة الفوائد وإرخاء الحبال لأمد طويل في ما يتعلق بتسديد تلك القروض كما ينصرف إلى التحفيزات الجبائية وشبه الجبائية التي يستفيد منها هؤلاء إلى جانب ذلك من التسهيلات المعلنة وغير المعلنة لاسيما وأن هذه التوجهات انتهت إلى خلق أوليغارشية مثلت نوعا من دعم الدولة أكثر أهمية بكثير من الدعم الذي يجري الحديث عنه. 

ومن جانب آخر لا يمكن أن نرصد دعم الدولة في التحويلات المالية المرنة لفائدة أصحاب الأموال والأعمال فقط بل إننا نعثر عليه بقوة في غض الدولة الطرف عن حقها في الاستفادة من التعاملات التجارية والاقتصادية من خلال التساهل مع التهرب الضريبي وتنامي السوق الموازية على أعلى مستويات التعامل الاقتصادي. لذا فإن الخطاب القائم على محاربة السوق الموازية يخفي وراءه رغبة مضمرة في الإبقاء على هذه الممارسات التي ظلت تغطي على عجز الدولة عن ضمان دورها الضابط والحافظ للتوازنات وإرساء اقتصاد مؤسساتي حديث لاسيما عندما تعرف البلاد فترات من الاضطراب الاجتماعي الناجم عن تقلص مداخيل المحروقات وعجزها عن خلق مناخ للاستثمارات الحقيقية الخالقة للثروة والموفرة لمناصب الشغل.

ويمكن أن نستنتج مما سبق أن الدولة لا تمارس الدعم فقط بل هي دولة داعمة بامتياز ودعم الدولة لا يشمل فئات دون أخرى وكأن الدولة الجزائرية إنما أنشئت لدعم الجميع وإن اختلفت المستويات وحجم الدعم الموجه لهذه الفئة أو تلك. وهذا الاختلاف هو الذي جعل جحافل من المجتمع تغادر الطبقة الوسطى لتلتحق بركب الفئات العريضة من الفقراء والمحتاجين ممن لم يختاروا ركوب البحر. 

ولعل التحدي الأبرز اليوم هو تقليص عدد الفقراء من خلال توفير فرص الشغل وترقية قيمة العملة وغيرها مما يقلص من عدد المحتاجين إلى قفة رمضان أو آلية جديدة لدعم المواد ذات الاستهلاك الواسع.  

  

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك