11) خلافة بومدين وديمقراطية الأزمة

الجزائر وأزماتها الخصبة

بقلم احسن خلاص

لا ينظر إلى الأزمات في جميع المجتمعات على أنها موعد مع الانهيار والفناء بقدر ما هي محطات يستأذن خلالها بالانتقال إلى مرحلة جديدة من التاريخ فإذا كان هذا الأخير مليئا بالتحولات السريعة فإن الأزمات الدورية لا يمكن أن تشكل فيها الاستثناء. وقد تختلف الأزمات في طبيعتها كما تختلف في عمقها وظرفيتها وعبورها كما أن هناك أزمات تنفجر في حينها أي عندما تتوفر لها جميع الأسباب وهناك تلك التي ترحل إلى حين دون الوقوف أمام حتمية حدوثها. والمتأمل في الأزمات التي عرفتها الجزائر في تاريخها المعاصر يدرك أنها، مهما كانت مخلفاتها، إلا أن المجتمع الجزائري استطاع أن يجعل منها أزمات خصبة ومثمرة ساعدت على تمتين بنيان الأمة وتطوير دولة حديثة وتنمية المجتمع.

في خريف عام 1978 اشتد المرض بالرئيس هواري بومدين وكان التكتم السمة البارزة في تعامل الدائرة المحيطة به، إذ امتزج الأمل في شفائه والعودة إلى مهامه بالخوف من أن يؤثر غيابه الطويل عن ممارستها في أن ينفلت عقد النظام الذي بناه على الانضباط العسكري الممزوج بوفاء جميع من بقي إلى جانبه من أعضاء مجلس الثورة وهم عبد العزيز بوتفليقة ومحمد بن احمد عبد الغني وطيبي العربي واحمد بن شريف واحمد دراية وعبد الله بلهوشات والشاذلي بن جديد ومحمد الصالح يحياوي. فريق صقلته تجربة القيادة والتصدي لأصعب المشكلات التي اعترضت الجزائر لاسيما في فترة التأميمات. كان عليه أن يجتاز أكبر امتحان يمر به نظام بومدين يتعلق باستمراره بعد وفاة صانعه. ولأن التحكم في السلطة يمر حتما عبر القدرة الفائقة على التوقع ورسم السيناريوهات فإن خلافة الرئيس بومدين ضمن الأطر التي رسمها النظام لم يكن أمرا هينا فبومدين وهو يعقد اجتماعه الأخير مع المجلس تحدث عن شدة مرضه دون أن يوصي لأحد بخلافته.
بعد الفراغ من تشييع الرئيس الراحل إلى مثواه الأخير اتفق رفقاؤه أن لا تخرج خلافته عن الأطر النظامية والمؤسساتية التي حددها الدستور ومواثيق حزب جبهة التحرير الوطني التي كانت تنص على أن يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني رابح بطاط رئاسة الدولة لـ 45 يوما قبل إجراء انتخابات رئاسية لتزكية مرشح الحزب لها. لم يكن يرى رفقاء بومدين أن تقع خلافته من خارج أعضاء مجلس الثورة بالرغم من عدم حصول أغلبية بينهم على مرشح واحد من اثنين أظهرا نيتهما في خلافة بومدين وهما منسق الحزب محمد الصالح يحياوي الذي حظي بدعم من عبد الله بلهوشات والشاذلي بن جديد ووزير الشؤون الخارجية عبد العزيز بوتفليقة الذي نال دعم دراية وطيبي العربي في حين رفض كل من عبد الغني واحمد بن الشريف الانحياز لأي طرف.

أمام انسداد الوضع اتجه كلا المترشحين إلى خطب ود القاعدة النضالية المدعوة إلى المشاركة في المؤتمر من القطاعات العسكرية والإدارية والإعلامية والاقتصادية في شبه حملة انتخابية داخل حزب جبهة التحرير الوطني. وضع مثل هذا لم تعهده جزائر الاستقلال أن يجري تنافس انتخابي في صفوف الحزب قبيل انعقاد المؤتمر الرابع وهو الوضع الذي كانت تنظر إليه القيادة العسكرية بعين التخوف من انزلاق النقاش السياسي نحو اعتبارات عصبية وجهوية قد تفجر المؤتمر وتفتح المجال لفوضى لا يمكن التحكم فيها سياسيا. وهنا رأى مدير الأمن العسكري آنذاك قاصدي مرباح رفقة مصطفى بلوصيف ورشيد بن يلس أنه بات ضروريا وضع حد للعملية من جذورها من خلال إعلان مرشح الجيش. وهو ما استدعى اجتماعا طارئا بالمدرسة الوطنية لمهندسي وتقنيي الجيش ببرج البحري التي كان يديرها آنذاك العربي بلخير وهو الاجتماع الذي أفضى إلى اختيار قائد الناحية العسكرية الثانية الشاذلي بن جديد مرشحا للجيش.

كان إعلان ترشح بن جديد إيذانا بفتح جميع الأبواب حيث نال تزكية أعضاء مجلس الثورة بالإجماع وصار الشاذلي بن جديد المرشح الوحيد أمام مؤتمر الحزب لرئاسة الجمهورية. تضاربت الآراء حول دوافع اختيار الشاذلي غير أن كونه الأقدم في الجيش والأعلى رتبة هي الأكثر تداولا بينما يمكن البحث عن الدوافع الكامنة في كون الرجل بعيدا عن الطموح السياسي ودون رؤية إيديولوجية أو سياسية فضلا عن أنه “رجل المرحلة” بالنظر إلى الصراعات والفتن التي كانت تحوم حول مؤتمر الحزب وكانت مرشحة لمحاولات تمرد كالتي هدد بها بن الشريف في حال وصول يحياوي أو بوتفليقة إلى الحكم. ثم أن الجميع كان على يقين أن الشاذلي بن جديد سيكتفي بقيادة مرحلة انتقالية قصيرة ريثما يتم ترتيب بيت النظام ترتيبا محكما تفتح فيه الأبواب لمرحلة جديدة. غير أن الشاذلي بن جديد كذب اعتقاداتهم ولبث في الحكم 13 سنة وهي الفترة نفسها التي قضاها بومدين من قبل.

وكما قالها سليمان عميرات يوما أنه لو خير بين الديمقراطية والجزائر لاختار الجزائر اختار القادة العسكريون وعلى رأسهم قاصدي مرباح حلا يضمن استمرار النظام القائم ولو إلى حين على أن يغامروا بعملية ديمقراطية داخل حزب جبهة التحرير الوطني دون محتوى ولا مشروع بناء يمتد على المدى المتوسط والطويل. لقد مازج صانعو القرار بين الفصل خارج الأطر الديمقراطية وبين الاحترام الشكلي للمؤسسات القائمة حيث حدث الانتقال السياسي بشكل سلس فقد سلم رئيس الدولة بالنيابة السلطة للرئيس الجديد الذي زكته انتخابات عامة أعقبت تزكيته من قبل مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني كما حددته نصوص الحزب والدولة.

تنويه: سنعود إلى سلسلة المقالات بعد العطلة السنوية. نودعكم على أمل اللقاء بكم.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك