27 نوفمبر.. من بيعة الأمير إلى انتخاب “المير”

احسن خلاص

لسنا ندري إن كان اختيار تاريخ 27 نوفمبر 2021 مناسبة لإجراء انتخابات محلية مبكرة اعتباطيا أم أنه مدروس ليلتقي مع إحياء الذكرى التاسعة والثمانين بعد المائة لمبايعة عبد القادر بن محي الدين الحسني أمير الجهاد على يد علماء وزعماء كثير من قبائل الغرب الجزائري. ومهما كانت النيات فإننا أمام حدثين بتاريخ واحد، حدث مبايعة الأمير وحدث اختيار المير الذي يعد الحلقة الأخيرة في عملية مؤسساتية طويلة امتدت من 19 ديسمبر 2019 لتنتهي في هذا التاريخ الرمز قبل أن تختتم بالتجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة قبل نهاية هذه السنة. 

ودون الخوض في تفاصيل البيعة التي احتضنتها شجرة الدردارة في 27 نوفمبر 1832 يمكن وضع مبايعة الأمير عبد القادر في سياق وعي حضاري بضرورة وضع الحل والعقد والمصير الجماعي بيد قيادة حكيمة عريقة يختارها الشعب بوعي وروية وبصيرة لقيادة المرحلة الجديدة التي وجد فيها الجزائريون بعد انهيار الحكم العثماني وتسليم مفاتيح الأمة إلى الغازي الجديد الذي لم تكن تجمعهم به لا رابطة دم ولا رابطة دين فضلا عن أن الحملة الفرنسية كانت قد بدأت تأتي على الأخضر واليابس وقد بلغ مسامع القوم ما خلفه الغزو الفرنسي في الجزائر والبليدة ووهران ومختلف المدن التي مر عليها من احتلال أرض وتهجير سكان وإفساد وانتهاك أعراض وسلب مقومات المجتمع واعتداء على المقدسات. 

لم تكن الآلية الانتخابية المعروفة حديثا قد ظهرت بعد في ذلك الوقت غير أن الوعي الجماعي اهتدى إلى ضرورة تشكيل “جمهورية” صغيرة كوسيلة للمقاومة وليس كغاية في حد ذاتها لذا نجد في خضم الجدل القائم حول طبيعة دولة الأمير عبد القادر لم يفصل المؤرخون والدارسون في ما إذا كان دولة الأمير عبد القادر التي أقامها على مدى 17 سنة دولة مقاومة أم أن الأمير ومن حوله قادوا المقاومة من أجل الدولة. والأرجح عند الوقوف على لحظة المبايعة التاريخية أن الدولة لم تكن غاية في ذاتها بقدر ما كانت وسيلة للمقاومة التي كانت واجبا دينيا عندما تتعرض أرض المسلمين للغزو والاعتداء لذا تمت المبايعة وفق الشريعة الإسلامية وهي كما ورد في نصها عهد على “السمع والطاعة وامتثال الأمر ولو في ولد الواحد منا أو نفسه على أنفسنا وحقه على حقوقنا…” وهي الثقة العمياء دون البحث في تفاصيل النهج الذي ينبغي أن يسلكه الأمير مادامت الغاية تحقيق مقصد الجهاد ومحاربة العدو الغازي المعتدي. 

وهنا يطرح التساؤل على الدارسين والمؤرخين عما إذا كان الاختيار قد وقع على الأمير عبد القادر بما يعني ذلك إعطاءه الحرية في اتباع النهج السياسي ونمط التنظيم الإداري وأسلوب إدارة المقاومة انطلاقا من علم المبايعين بخصاله الخلقية والدينية وقدراته على الإبداع في تجسيد مأموريته أم أن الأمر أشبه بتحالف موضوعي وميثاق عمل مشترك انضم إليه مجموعة من الأعيان قبل أن تتوسع رقعته في فبراير 1833 مع المبايعة الثانية ثم توسع رقعة إمارة عبد القادر لتشمل المناطق الغربية والوسطى من الجزائر. لقد كان للقدرات القيادية للأمير عبد القادر دور كبير في رسم تلك الثقة لاسيما وأن مساره الطويل في بناء دولته ظل يتوسع إلى غاية أن غلب على أمره واضطر لتسليم أمره بعد ضاقت به الأرض بما رحبت وتولى بعض من حوله مدبرين. ومهما قيل عن مآل تجربة الأمير عبد القادر إلا أن ما هو مؤكد أن الرجل لم يبحث عن المسؤوليات وقد قبلها من مبدأ أن الرجل الشهم لا يطلب المسؤولية ولا يرفضها وهو الذي أبلى بلاء حسنا في الفترة القصيرة التي كان فيها أبوه محي الدين على رأس المقاومة ولم يدافع عن برنامج انتخابي ولم يقدم وعودا كاذبة كما عودتنا عليه الحملات الانتخابية في عصرنا هذا فقد كان برنامجه الوحيد كما باقي المجاهدين النصر أو الشهادة وإن لم يحقق نصرا نهائيا باسطا للسيادة بالرغم من انتصاراته العسكرية العديدة في المعارك التي خاضها ولم تتحقق له الشهادة على أرض المعركة وكأن القدر كان يعده لمعارك من نوع آخر، معارك الفكر الصوفي والحوار الحضاري والتسامح الديني التي انتقلت به من أمير حرب إلى أمير سلام.

في صبيحة 28 نوفمبر سنصبح على وضع مؤسساتي جديد في بلدياتنا وولاياتنا وفرق تسيير وقيادة جديدة فنكون هذه المرة أمام بيعة المير بعد أن كنا منذ ما يقرب من قرنين أمام بيعة الأمير وبين بيعة الأمير وبيعة المير تجربة سياسية أفضت إلى عقد اجتماعي سياسي جديد لا يقوم هذه المرة على دفع الغزاة بل على التخلص من الفقر والجهل والفوضى ليحل محلها الإنشاء والبناء والتعمير وتوفير شروط حياة عامة أفضل. لم تتح الحملة الانتخابية لموعد 27 نوفمبر هذه المرة فرصة للنقاش بين المترشحين والناخبين المحتملين والذين صار عددهم يتقلص من فرصة انتخابية إلى أخرى مما جعل التفويض الانتخابي ضعيفا لا يرقى لأن يحتل مرتبة التمثيل الذي كانت تمثله البيعة في عهد الأمير عبد القادر والتي مكنته من المبادرة بدولة مسخرة للمقاومة الشعبية ضد المحتل دامت 17 سنة وامتدت على رقعة جغرافية تكبر بأضعاف مساحة الكثير من الدول الأوروبية اليوم.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك