..محطات من تاريخ الجزائر موثقة في أغاني وأهازيج شعبية

الثامن من ماي 1945 م  ، يوم أراده الفرنسيون رمزا لهم ، يقيمون خلاله احتفالات تخلد انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية ، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وزامن خروج الفرنسيين للاحتفال بهذا اليوم ، وجود عشرات الآلاف من الجزائريين في شوارع كل من سطيف ، ﭬالمة ، خراطة و كذا مدن أخرى من الوطن استجابة لنداء تنظيم مسيرة سلمية من أجل المطالبة باستقلال الجزائر، و يتعلق الأمر بحق شرعي بعد مضي أكثر من قرن من استعمار مارس كل أنواع التعذيب و العنف في حق الشعب الجزائري ، لكن رد فعل الإدارة الاستعمارية كان شرسا وعنيفا بحيث أطلقت موجة من القمع الدامي ضد متظاهرين عزل ، فخلال أسابيع عدة ، استعملت القوات الاستعمارية وميليشياتها كل أنواع العنف مع عمليات تقتيل مكثفة لم تستثن لا النساء ولا الأطفال و لا المسنين ، تم قتل أشخاص عزل رميا بالرصاص وتم نقل آخرين على متن شاحنات لرميهم في المنحدرات فيما تم نقل آخرين خارج المدن لقتلهم وحرق جثثهم في خنادق  .

ولمعرفة ما حدث في هذا اليوم موثق في أغاني وأهازيج ، وفق نهج نعتمده في لنقل الأحداث التاريخية وأعطى نتائج حسنة ، سجلنا من خلاله محطات هامة من كفاح الشعب الجزائري ضد المستعمر، بحيث رصدنا ما قيل في المقاومات الشعبية الجزائرية ، وما ورد حول التجنيد الإجباري حين زج بأبناء هذا الوطن في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، وما قيل في أكبر معركة بالشرق الجزائري ” معركة الجرف ”  ، وأيضا ” خط موريس ” الجهنمي ، وتفاصيل ملحمة ” ڤديل ” ، كل هذه الوقائع مدونة بأصوات أحرار وحرائر الجزائر في أغاني وأهازيج معبرة عن الأحداث تعبيرا دقيقا ، تناولت جوانب قد لا يصلها من يعتمد طرقا أخرى  ، وها نحن اليوم نتناول أكبر واقعة كان فيها الاستعمار مجرما بامتياز كعادته ، ارتكب مجازر لا تغفر ولا تنسى حتى وان مرت عليها عقود ، فهي لا تسقط بالتقادم ، إنها جرائم 8 ماي 1945  م الأليمة ، هذا اليوم سيبقى وصمة عار في جبين فرنسا إلى الأبد .

 لهذا الغرض انتقلنا في بداية البحث إلى أماكن الأحداث وهي سطيف ، ڤالمة ، خراطة ، وركزنا على منطقة سطيف باعتبارها منطلق الاحتجاجات وهي أكبر مدينة من حيث الساكنة ، لم يكن الأمر سهلا بعد مرور 69 سنة ، فالحديث عن وقائع مروعة مثل هذه في مطلع 2021 م  يحتاج منا تقصي الحقائق لأطول فترة ممكنة حتى نبلغ التفاصيل ، هذا ما جعلنا ننزل إلى الميدان قاصدين قرى ومدا شر المنطقة دون تمييز ، علنا نعثر على من يفيدنا بمعلومات تنير طريقنا ، واعتمدنا في هذا المسعى على فئات اجتماعية معينة ممن لهم دراية بالموضوع وعاشوا الأحداث ، وأيضا الذين يحفظون الأغاني والأهازيج المرتبطة بكفاح الشعب الجزائري ويوظفونها فنيا في مختلف المناسبات  . وهي حسب ما رصدناه في أربعة مراحل يمكن تسجيل ما فيها من أقوال حسب مناخ كل فترة ، وهي كالأتي : مرحلة الدخول الفرنسي والمقاومات الشعبية الرافضة لوجوده ، مرحلة تجبر المستعمر بالبلد والقيام بسلب الأراضي من أهلها وتجنيد الشباب إجباريا للحرب العالمية الأولى والثانية ، مرحلة الإعداد للثورة التحريرية وهي مرحلة حساسة جدا لم نعثر إلا على القليل جدا من أهازيج حول هذه الفترة  ، مرحلة الثورة وأخبار المعارك ، مرحلة ما قبل الاستقلال  ،  لكن فيما يخص أحداث 8 ماي 1945  م الأمر على ما يبدو مختلف تماما ، فحجم الفاجعة يتجاوز اهتمام هؤلاء بكثير ولم نحصل على ما كنا نريده . 

اتجهنا في محاولة ثانية وهي الأخيرة مع أننا في بداية المهمة ، لأننا على يقين إذا فشلنا هذه المرة ولم نوفق في مهمتنا سنعدل عن الموضوع لا محال ، وقد رحل من جيل هذه الفترة الكثير ولم يبق هناك من نعتمد عليه ، قصدنا خالتي “فاطمة حشايشي “رحمها الله جنوب سطيف ، هذه المرأة المتواضعة   فقيرة الحال ، أطربت الصغير والكبير ، لم ترفض طيلة حياتها طلبا يأتيها من جهات رسمية وغير رسمية إلى أن   رحلت إلى دار الخلود  ، تحفظ عن ظهر قلب ما يزيد عن 500 أغنية في شتى الأغراض ، بكلماتها وألحانها وما تحمله من أحداث ، صاحبة الصوت الرعد والذاكرة القوية لا تبخل من  يدعوها للغناء ولو كان ذلك في غير مناسبة إلى أن فارقتنا إلى الأبد  ، حاملة معها أرشيفها كاملا ، كان يفترض أن يكون لنا منه نصيب لكن للأسف أغفلنا قيمته فضاع من أيدينا ، وعلى هذا الحال رحلت خالتي نونة ، وخالتي باية ، وخالتي لالهم… ، وأسماء لمعت في الأغنية الوطنية ، وبرحيلهن ضاع منا جزء معتبر رصيدنا الفني ، ولعل أكبر إغفال في حق هؤلاء من النساء كان من القائمين على الشأن الثقافي محليا ووطنيا .

قبل التوجه إلى خالتي فاطمة لا بد من التفاتة تليق بمقام هذه المرأة الطيبة عند زيارتها  ، وكم هي في حاجة لمن يزرع البسمة على محياها ، نقتني ما يملأ يد الضيف كما يقال ثم نطرق بابها لنقضي معها سويعات في جو احتفالي بامتياز  ، لنا فيه ما نريد من أغاني وقصص وأحداث ، دخلنا بيت خالتي فاطمة وكانت مرحبة بنا كعادتها متسائلة عن أحوالنا وتكثر من سؤالها عن غيابنا حتى تشعرنا أننا من أقرب الناس إليها ، مع أنها في الغالب لا تتذكر أسماءنا ومن أي جهة قدمنا سوى أنها تتعرف على ملامحنا وتعرف أننا من أسرة الإعلام ، جلسنا وشربنا معها القهوة التي تعدها بنفسها تكريما منها للضيف ، وهذه عادة حميدة وإلزامية عند أهل المنطقة قبل أن يتحول كل شيء ونغدو غير مفرقين بين ضيف نستقبله في بيوتنا وضيف يضطر  بنا الحال لاستقباله بالمقهى . باشرنا الحديث معها حول الموضوع الذي نحن بصدد إعداده وقدمنا من أجله نستنجد بها ، وفي سياق حديثنا حول ما إذا كانت على علم بأغان  تخلد لأحداث 8 ماي 1945 م ، اتضح أن في جعبتها أغنية واحدة لا أظن أن هناك من  يعرفها ويدري تفاصيلها ، ظهرت مباشرة عقب الأحداث عند نساء مدينة سطيف ، سمعتها وهي في تزور إحدى قريباتها بالمدينة وعمرها آنذاك لا يتجاوز 14 سنة حسب أقوالها ، تدعوها قريبتها لمساعدتها في أعمال النسيج رفقة نساء أخريات ولهن من الأغاني ما يملأ مجالسهن طربا ، ولأنها سريعة الحفظ وقوية الذاكرة رسمت معالم هذه الرائعة بمخيلتها بسرعة البرق بمجرد أن سمعتها .

الأغنية مطلعها ”  الحملة ثارت في سطيف  ” ، وهي رائعة جدا تغنى بلحن ” سراوي ” قوي وممتد فيه من الحزن والأسى ما يوحي  بوجود آلم ووجع قويين في نفس صاحبها ، قمنا بتسجيلها بصوت هذه المرأة المتميزة ودونا نصها كاملا كما أوردته وأكدته لنا ، وهذا أهم شيء توصلنا له بعد رحلة شاقة أخذت منا شهورا من أجل الحصول على نص أغنية يروي أحداث  8 ماي 1945 م ، تذكر الأغنية اغتيال حاكم البلدية المختلطة ” تاقيطونت ” ومقرها عين لكبيرة اسمه ” روني روسو  ” رفقة خليفته ” بيفس بنصال ” ورميهما في مكان يسمى عين “ماﭰر أمان” بعموشة شمال سطيف ، مباشرة عند عودته من خراطة التي يقام فيها سوق أسبوعي يوم الثلاثاء ، للاحتفال بانتصار الحلفاء على النازية ، وقد اختار خراطة لاحتوائها على عدد أكبر من المعمرين ، كما توحي الأغنية بأن هناك من كان من أهل المنطقة يمتلك قطع سلاح وله استعداد للقتال المباشر ، أيضا إعدام مواطنين من قبل المرتزقة ” السالڤان ” ، دون أن يغفل المجزرة التي اختلطت فيها دماء الأطفال بدماء القردة ، والغلق الذي دعت إليه السلطات الفرنسية لمدة 8 أيام للقيام بتحقيقات أمنية  ، إليكم نص الأغنية كاملا وما يحمله من أحداث  :

الحَمْلَة ثَارَتْ فيِ ” سطيف ”  

 ألْ ڤالمَة أمْشَاتْ

 في خَرَّاطَة  ثَمَّا رَسَّاتْ 

الشْوَادَه  اؤُ لَوْلِيدَاتْ

…………….

  عَمْلُو الدِّيفِيلِي 

فِي “عين الفوارة “

 أخْرَجَتْ أمَّا وَانْطَلْ

 مجَازَرْ أعْرَبْ وَانْصَارَا  

……………….. 

 مرْتْ الحَاكَمْ كِي تَبْكِي

 أتْرَوَّحْ بَالمَرْوَاحَة

 عَلْ لَخْلِيفَة وَالَڤَايَدْ 

 لحُوهَمْ فِي المَلاَّحَة  

…………………..

خلونِي نَبْكِي

أنبَرَّدْ الكَشْكُوشَة

لسَّالِيڤَانْ اللي جَانَا

طُورَقْ فِي عَمُّوشَة

……………….

خلونِي نَبْكِي

نْبَرَّدْ ڤلبِي

عْلَ الشُبَّانْ أصْغَارْ

فِي لَجْبَالْ مْكَامْبِي

………………

ڤالُو يَالخَاضَّرَا

متْبِعُوشْ اللوبْيَا

عْلَى خَمْسَه ؤُسَتِينْ أنْ تَرَّاسْ

لحُوهَمْ فِي الزُّوبْيَا

مجمل القول في نص الأغنية 

 

– في البداية ،  الأغنية نقلت الأحداث في مرحلتها الأولى ووصفتها  ” بالحملة ” ، أي فيضان شاهده صاحب الأغنية بسطيف ، يتجه سيله نحو ڤالمة ، ويقول في خراطة رست وكانت أقوى مما كانت عليه من قبل  ، فقد امتزجت دماء الأطفال بدماء القردة ، المنطقة وعرة التضاريس بها ثروة حيوانية هائلة من بينها قردة ” شعبة لاخرا ” كما في مناطق أخرى من الجزائر ، لم تسلم هذه القردة من إجرام في حقها وكانت هي أيضا في تعداد المفقودين ، تصور لنا الأغنية هول المشهد وحقيقة الجريمة المرتكبة والإبادة الجماعية التي لجأت لها فرنسا بوحشية .  

– في المقطع الثاني تتناول الأغنية الاحتفال الذي كان مقرر إقامته السلطات الفرنسية بمناسبة انتصار الحلفاء على النازية ، المغني ( ة ) والأرجح امرأة وليس رجلا ، لأن لحن الأغنية لا يناسب أداء الرجل ولا يتماشى مع صوته ، صاحبة الأغنية خرجت لمشاهدة ماذا يحدث خارج البيت ، فرأت مجازر شملت العرب والفرنسيين معا  ، هذا ما يوضح حجم الاقتتال بداية من عين الفوارة حسب الأغنية ، لأن الاحتفال أو كما ورد ” الديفيلي ” كان بهذا المكان الذي أرادته فرنسا أن يكون رمزا للمدينة ، وضعت فيه نصب تذكاري وبعض المرافق الإدارية الضرورية لبسط نفوذها على المدينة . 

– في المقطع الثالث تصف الأغنية ما جرى بشمال مدينة سطيف ، تذكر اغتيال حاكم بلدية تاقيطونت المختلطة مقرها عين لكبيرة عند عودته من مدينة خراطة كما سبق وأن ذكرنا ، وبكاء زوجته على اغتياله بحرقة وتروح بالمروحة ، طالبة من الأمن الفرنسي الانتقام لاغتياله ، وحسب روايات تحصلنا عليها من أهالي المنطقة فان اغتياله كان على يد شخص يدعى ” الفوغالي ” من عائلة “لعليوي” ، ورد اسمه بمجلة صدرت لجمعية 8 ماي 1945 م فرع خراطة بمناسبة الذكرى الأولى لليوم الوطني للذاكرة ،  وروي لنا بان هذه المنطقة كان بها مواطنون يمتلكون السلاح  ، والدليل على ذلك اغتيال الحاكم وخليفته ورميهم بمكان يسمى ماڤر أمان قرب الملاحة ولم يعثروا عليهم إلا بعد ثلاثة أيام من اغتيالهم .

– في المقطع الرابع  تذكر الأغنية إبادة جماعية لمواطنين من طرف المرتزقة الأجانب الذين عادة ما تزج بهم فرنسا في مثل هذه المستنقعات وبالأخص ” الساليڤان ” ، استعملت كلمة  طُورَقْ ” أي قتل رميا بالرصاص ، كلمة دخلت القاموسي الثوري إلى جانب كلمات عديدة توظف في مثل هذه الأغاني على سبيل الذكر  : دوبل كي ، الرفال ،  لعشاري ، الكور ، القبطان ، السلڤان ، ومنها ما هو بالأمازيغية ومنتشر استعمالها إلى اليوم مثل : لوريغة ، ثموشارث ، أقبطان ، أفسيان ….

– في المقطع الخامس ، صاحبة الأغنية تعتذر وتبكي على شباب صغار مختبئين في الجبال ، لم تذكر أساب اختبائهم مع أن حجم الاحتقان كبير جدا، علما أن في المنطقة أناس يمتلكون السلاح كما سبق وأن ذكرنا ولهم قابلية للمواجهة المسلحة   ، أو أنهم مختبئين خوفا من الاعتقال والتصفية ؟ كل هذه الأسئلة لا تجد إجابة سريعة في تلك الأزمنة فالوحشية أعنف بكثير وغطت عن كل الأحداث الأخرى ، وقد يكون هؤلاء صعدوا الجبال خوفا من الزج بهم في السجون أو أخذهما إلى التجنيد الإجباري ، أو تصفيتهم نهائيا وهذا غير مستبعد  كل شيء وارد في مثل هذه الظروف .

– في المقطع الأخير صاحبة الأغنية ذكرت طلب الإدارة الفرنسية آنذاك من عامة الناس البقاء بمنازلهم وقراهم ، وعدم الخروج إلى غاية انتهاء عملية التمشيط والتحقيق في الأحداث وقد قدرت المدة الزمنية لهاتين العمليتين بثمانية أيام  ، لذلك المغنية  ترمز إلى هذا الإجراء بذكرها بائعي الخضروات ومنعهم من بيع  “اللوبيا ” أي الفاصوليا لتخبرنا عن غلق المتاجر ومنع أصحابها من الفتح طوال هذه الفترة ، وهنا يبرز دور الأغنية الثورية في إيصال الخبر بعيدا أعين المستعمر الفرنسي  ، بحيث تحل محل وسائل الإعلام تنقل الوقائع في كلمات بسيطة تكون في متناول كل شرائح المجتمع ، تغنى هنا وهناك وتنتقل من مكان إلى أخر بسرعة فائقة ، خاصة وأن الشعب له قابلية القيام بأي فعل معاد لفرنسا للتخلص من همجيتها فما بالك إعادة توظيف الأغنية  ، وعامة الناس كانوا على وعي سياسي كبير رغم سياسة التجهيل التي طبقتها فرنسا على الجزائريين منذ دخولها ، يتابعون كل خبر جديد ينقلونه باحترافية كبيرة معتمدين على وسائل تقليدية ، كما كان يفعل الڤوال في الأسواق ، يسرد الأخبار بكلمات متجانسة فيها جرس موسيقي يجعل المتلقي يستوعبها بسرعة ويفهم مغزاها .

 

عيسى بوذراع – منتج إذاعي 

مقتطف من كتابي قيد الطبع ” لهوا أن وذرار ” الجزء الأول 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك